10.3.09
سـرّ العجـز العربـيّ
في البداية كانت أوساطُ المعارضة العربيّة هي التي تتداول تعبيرَ "العجز" العربيّ كتهمةٍ توجّهها إلى الأنظمة الحاكمة، لإخلالها بحماية الحقوق الوطنيّة عمومًا والحقوق الفلسطينيّة خصوصًا، الأمرُ الذي كان يستفزّ هذه الأنظمة. إلاّ إنّ الأخيرة ـ كما يبدو ـ تبيّنتْ في النهاية ما لهذا التعبير من منافعَ أدبيّة: فهو يُشْبه أن يكون "عذرًا" لها باعتبارنا "دولاً ضعيفةً مسكينة" في إزاء قوًى دوليّة غاشمة، وبالتالي فإنّ علينا طاعةَ الأخيرة وإلاّ سحقتْنا! وهكذا انتقل تعبيرُ "العجز العربيّ" إلى الأوساط الرسميّة، تردّده بلا خجل، وبإجماع لافت، في مؤتمرات القمّة العربيّة نفسها. وبات هذا التعبيرُ جدارًا يستند إليه النظامُ العربيّ لتبرير سلبيّته في القضيّة الفلسطينيّة، مقابلَ الفاعليّة والنجاح اللذيْن يبديهما المشروعُ الصهيونيّ. بل إنّ التسليم بضعف الكيان العربيّ إزاء القوى الدوليّة المهيمنة صار أشبهَ باللغة الرسمية للجامعة العربيّة وأعضائها. ويتم التساهلُ إزاء ترويجه في الإعلام أيضًا، وذلك بقصد تثبيط المطالبة الشعبيّة واليساريّة بنصرة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته.
التساؤل الذي تطرحه هذه المقالةُ هو: ما مقدارُ الحقيقة ومقدار الوهم في حكاية "العجز العربيّ" فلسطينيّاً ودوليّاً؟ والاستنتاج الذي تخرج به هو أنّ هذا العجز قديم، ولكنه ليس من صنع العرب بشكلٍ رئيس. إنّ الوضع الراهن عبارةٌ عن وَصْفٍ يقوم به الغربُ الرأسماليّ للحالة التي صنعها بنفسه منذ ما قبل الحرب العالميّة الثانية وقطعَتْها سلسلةُ الاستقلالات للبلدان العربيّة والانقلابات ذات الصبغة القوميّة منذ خمسينيّات القرن العشرين. أيْ إنّ هذه الحال الراهنة مصنوعة، لا تلقائيّة، ولا بريئة.
* * *
عندما كان المخطَّط الدوليّ لإنشاء إسرائيل جاريًا على قدمٍ وساقٍ، لم يكن الغربُ الإمبرياليّ، وعلى رأسه بريطانيا، غائبًا عن ردود الفعل المتوقّعة للشعوب العربيّة. ولمّا كان إنشاءُ إسرائيل ضرورةً إستراتيجيّةً لا سبيلَ إلى التراجع عنها، فقد كان المطلوبُ آنذاك تهيئةَ البيئة المناسبة، المأمونة، لردّ الفعل العربيّ وبأقلّ ما يمكن من الخسائر. ومن حسن حظّ بريطانيا آنذاك أنّ هذا المخطَّط كان يتّفق وحِرْصَها ـ الذي يعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية ـ على عدم السماح بوجود جيش قويّ أو مستقلِّ الإرادة في أيٍّ من الدول التي تهيمن عليها. فقد كان عسيرًا، ووخيمَ العواقب، منعُ الجماهير العربيّة، بشكلٍ سافرٍ، من التعبير عن غضبها الطبيعيّ على سرقة بلدٍ شقيقٍ وتدنيسِ مقدَّساته؛ لذا لم يتبقَّ سوى اتخاذ التدابير اللازمة لتجنّب عواقب عاصفة الغضب العربيّ بأن يُسمح لها بالمرور من دون أن تُحدِث خسائر. وعلى الأرض عنى هذا اصطناعَ مسرحيّةٍ تذهب فيها الجيوشُ العربيّةُ إلى الحرب في فلسطين؛ لكنْ في الواقع ليس هناك جيوشٌ بالمعنى الحقيقيّ، ولا حربٌ بالمعنى الحقيقيّ، وبالتالي لن تعود بعد الحرب ثمة فلسطين بالمعنى الحقيقيّ.
ابتداءً من فشل حركة الجيش العراقيّ ضدّ الوجود البريطانيّ (1941)، تعمّدتْ بريطانيا ووكيلُها الوصيّ عبد الإله، على سبيل الانتقام، جَعْلَ الجيش العراقيّ اسمًا خاليًا من المعنى: لا أسلحة، ولا تجهيزات، ولا طعام، ولا ما يكفي من جنود، إذ أُمِر بعدم ملاحقة الهاربين من الجيش وقد بلغوا الآلاف. حتى إذا ما أعلنتِ الدولُ العربيّةُ، تحت ضغط الغضب الجماهيريّ، الحربَ في فلسطين، كان فشلُ الجيش العراقيّ في مهمّته متوقَّعًا: فقد كان "سيِّء الإعداد، رديءَ القيادة، ليس مسلّحًا بالشكل المناسب، ويعاني من نقصٍ في الخبرات، ونقصٍ في الإمداد، نتيجةً للسياسة التي كان يتَّبعها الإنجليزُ."1 ومن ثم كان إرسالُه الى فلسطين مأمونَ العواقب.
أما الجيش الأردنيّ المشارك في الحرب، فكان المطلوبُ منه أن يُبْدي الخضوعَ للدولة الكبرى التي أسَّستْه. وبلغتْ سخريةُ البريطانيين بالعرب حدَّ تصوير الجيش الأردنيّ، الذي صنعه البريطانيون، وكأنّه ذاهبٌ، بقيادة جنرالٍ بريطانيّ (غلوب باشا)، لمقاتلة الدولة التي قرّر البريطانيون أنفسُهم إنشاءها! ومع ذلك، فإنّ ما انطوت عليه القياداتُ السياسيّةُ والعسكريّةُ شيء، ومشاعرَ المقاتلين شيءٌ آخر: فهؤلاء لم ينقصهم الإيمانُ بعدالة حربهم، ولا الحماسةُ في القتال. ولقد أصاب المقاتلون الأردنيون والعراقيون الجيشَ الصهيونيَّ بخسائرَ موجعةٍ، بل كادوا يهزمونه لولا تواطؤ الحكّام العرب ودعمُ الغرب للصهاينة.
ولم يكن الوضعُ في الجيش المصريّ أفضل: فالخبرة العسكريّة هنا كانت معدومةً، وكذلك القياداتُ، والسلاحُ كان متخلّفًا بسبب أوامر بريطانيّة (منذ معاهدة 1936). كما كان الجيشُ البريطانيّ على علمٍ بكلّ قطعة عسكريّة مصريّة تتوجّه إلى فلسطين لأنها كانت ستمرّ ـ كما يروي أحدُ المشاركين في الحرب ـ بالمعسكرات البريطانيّة التي كانت تحتلّ سيناء!2
واضحٌ، إذن، أنّ الرثاثة التي كانت عليها الجيوشُ العربيّةُ مقصودةٌ، بل كانت عنصرًا رئيسًا من عناصر مخطَّط إنشاء إسرائيل وبقائها. فلم يكن مصادفةً أنّه لم يوجد آنذاك جيشٌ عربيٌّ واحدٌ مستقلُّ القيادة أو ذو مستوى جيّد إداريّاً وفنيّاً. ورغم ذلك فإنّ مقاتلي هذه الجيوش أنجزوا ما فاق كلَّ توقّعات الدول التي أرسلتْهم، الأمرُ الذي اضطَرَّ هذه الدولَ إلى التدخّل العلني لكي تُلْحق الهزيمةَ بجيوشها. فكانت الأوامرُ السلبيّة ـ أو الخيانيّة بالمعيار العسكريّ والوطنيّ ـ الصادرةُ إلى الجيش العراقي؛ وكانت الأسلحةُ الفاسدةُ للجيش المصريّ؛ وكانت الموافقةُ على الهدنة التي غيّرتْ مجرى الحرب كليّاً، إذ استغلّت الدولُ الداعمةُ للصهيونيّة كلَّ دقيقة من هذه الهدنة لمدّ الصهاينة بكميّاتٍ كبيرة من الأسلحة الحديثة. وهكذا، بحسب الخطّة السالفة الذكر، يكون الغضبُ الجماهيريّ العربيّ قد استنفد مداه وأدّى ما عليه، وتكون الجيوشُ العربيّةُ قد "حاربتْ" فخسرتْ، وتكون دولةُ إسرائيل قد قامت.
بكلمةٍ أخرى، أتّفقُ مع الاستنتاج الذي خَرجتْ به هيام عبد الشافي3 من أنّ إنشاء دولة إسرائيل كان عمليّةً دوليّةً بالدرجة الأولى. ولو لم يَلْقَ هذا المطمحُ الصهيونيّ توافقًا مع المطامح الغربيّة الإمبرياليّة البعيدة المدى، لما وُجدتْ هذه الدولةُ ذاتَ يوم. وأؤكّد أنّه، لتمرير هذا المشروع، عَمَدتْ بريطانيا إلى شلّ القدرات العربيّة بكلّ أنواعها، وترتيب ترجيح كفّة الصهاينة في فلسطين قبل حرب 1948 وأثناءها وبعدها. وقد تحقَّقَ هذا المخطَّطُ بالكامل بفضل إخلاص الأنظمة العربيّة لبريطانيا، التي كانت توفِّر لها الحمايةَ من شعوبها. طبعًا كان من السهل على الإعلام العربيّ الرسميّ وقتَها القولُ بأنّ سبب الهزيمة يعود إلى عدم تناسب القوى العسكريّة؛ وهذا بحدّ ذاته صحيح، ولكنّ أصحابُ ذلك الإعلام لم يخبرونا لماذا وُجد عدمُ التناسب هذا أصلاً؛ ولم يقولوا إنّ العملية برمّتها، والواقعَ العربيَّ الذي أنتجها، من صنعٍ غربيّ.
* * *
نقف اليومَ بعد زمن طويل من تلك الحرب لنرى عدمَ كفاية ذلك المخطَّط الدوليّ رغم ما يميّزه من إتقانٍ وسعةٍ جغرافيّةٍ ودقّةٍ تفصيليّة. وإذا شئنا رسمَ صورةٍ رمزيّةٍ للعواقب التي غفل عنها ذلك المخطّط فهي صورةُ جمال عبد الناصر ورفاقه محاصرين في قرية الفالوجة في غزّة. هؤلاء الضبّاط سيَعْرفون الحقائقَ الدامغةَ التي تَكْشف أنّ حكوماتهم قد تعمّدتْ إذلالَ الجيش والوطن. فالحقّ أنّ المرارة التي أحسّ بها ضبّاطُ الجيوش العربيّة بسبب النكبة، ووقوفَهم على الدور الخيانيّ الذي لعبتْه الأنظمة ُالحاكمةُ، سيؤسِّسان لتمرّدهم القادم ولتخليص بلدانهم من تلكم الأنظمة. ومنذ ذلك الوقت سيبدأ النفوذُ البريطانيُّ في المنطقة بالانكماش، وسيتتابع استقلالُ الدول العربيّة. حتى إذا ما اشتعلت الحربُ الباردة، وحضر السوفييتُ إلى المنطقة، غدا التحكّمُ الغربيُّ بأقدار البلدان العربيّة حكايةً من الماضي، بما في ذلك التحكُّمُ بالجيوش العربيّة وبتسليحها. والنقطة الأخيرة خطٌّ أحمر، لأنه يعني خطرًا على المشروع الدوليّ الإستراتيجيّ: إسرائيل. وفي هذه الحالة، حيث لم يعد بمقدور الغرب الإمبرياليّ خلقُ حالة "العجز العربيّ" كما كانت الحال أيّامَ النكبة، فقد عَوَّض من ذلك بخلق التفوّق الإسرائيليّ في المنطقة. وهكذا كانت إسرائيلُ أقوى ما تكون فجرَ يوم 5 يونيو (حزيران) 1967 عندما هَزَمَتْ كلَّ الجيوش العربيّة مجتمعةً، وفي ثلاث جبهات، محتلّةً أراضيَ إضافيّةً. السلاح الحديث، المعرفة العسكريّة، الدعم المادّيّ والمعلوماتيّ والسياسيّ القادم من أقوى دول العالم: كلُّها كانت في خدمة إسرائيل في ذلك اليوم... وهي تحارب دولاً أسيرةً لصراعاتها الداخليّة، ولهشاشة علاقاتها الدوليّة، ولتخبّطها الفكريّ، ولتخلّفها الإداريّ، ولضعفها الاقتصاديّ، ولتأخّرها العسكريّ. كانت هزيمةً مدوّيةً هزّت الجماهيرَ، كما الأنظمة الحاكمة. وعلى أثرها جَرَتْ تغييراتٌٌ ملموسةٌ في السياسة العربيّة: فسقطتْ أنظمة، وأجْرَتْ أخرى مراجعةً ذاتيّةً. غير أنّ النظامَ الحاكمَ في مصر كان الوحيدَ الذي أقرّ علنًا بمسؤوليّته عن الهزيمة وبعدم أهليّته لقيادة البلاد، كما عَبّرتْ عن ذلك استقالةُ عبد الناصر، الذي لم تكن مرارةُ الهزيمة الأولى قد فارقتْ فمَه لتحلَّ الهزيمةُ الثانيةُ القاصمة. لكنْ يُحسب لهذا الرجل أنه لم يستسلمْ، وبدأ على الفور بمراجعة عوامل الهزيمة ومعالجتها، وبتأسيسِ عناصر القوّة (مع كلّ ما شاب ذلك من تجاوزاتٍ منه ومن المحيطين به)، ليَشْرع بَعد سنتين فقط في خوضِ ما عُرف بحرب الاستنزاف. ولم يَبْلغ هذا البناءُ عمرَه السادسَ حتى أثمر أولَ اختراقٍ عسكريّ عربيّ في تشرين الأول (أكتوبر) 1973، رغم أنه لم يكن كلّه حكايةً جميلةً (ربما بسبب تولّي القيادة يومَها أناس أقلّ كفاءةً من عبد الناصرَ، وربّما لأسباب أخرى).
حرب 1973 كانت الذروةَ التي بلغتْها الإرادةُ العربيّةُ المستقلّة. فإلى جانب أنّها كانت ثمرةً للجهود المتواصلة والمكثّفة التي كان عبدُ الناصر قد بذلها، فقد آزرتْه بيئةٌ عربيّةٌ ثوريّةٌ. كانت الاحتكارات النفطيّة في المنطقة تَخْسر مواقعَها بفعل التأميم في العراق (1972) الذي ألهم الآخرين (إذ ستؤمِّم الكويتُ أيضًا نفطَها بعد الحرب بسنتين مثلاً)، وبفعل نجاح التحالف بين اليسار والقوميين في سوريا والعراق ولبنان على أساس النضال ضدّ الإمبرياليّة والصهيونيّة، وبفعل صعود التجربة التنمويّة الجزائريّة. لكنْ إذا كان الاختراقُ العربيّ الكبير ضدّ إسرائيل قد جاء من مصر، فإنّ الاختراق الغربيّ لمنطقتنا قد جاء من مصر أيضًا: فبعد الحرب مباشرةً، وبفضل أنور السادات، استعاد الغربُ مصرَ، وتمّ التخلّصُ نهائيّاً من أخطر جبهةٍ عربيّة!
لقد شاء الساداتُ أن يُحلَّ محلَّ الصداقةِ مع الاتحاد السوفييتيّ، وهو أكبرُ داعمٍ دوليّ للعرب ولم تُعْرف عنه مطامعُ مادية، الصداقةَ مع أمريكا، أكبرِ داعم دوليّ لإسرائيل والطامعة العلنيّة بخيرات العالم كلّه. وطبعًا جاءت العواقبُ متوقَّعةً، إذ أخذت الأوضاعُ الاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ في الانحدار، الأمرُ الذي مَهّد لظاهرة الديون والمعونات الأمريكيّة إلى مصر لسنواتٍ متتاليةٍ كانت كافيةً لبلوغ حالة "الاعتماد" على هذه المعونات، وهو المطلوبُ بالضبط.
بعد خروج الجبهة المصريّة من الصراع جرى إشغالُ بقيّة الجبهات بهذا الشكل أو ذاك ولزمن طويل: حربُ لبنان الأهليّة؛ الحرب العراقيّة ـ الإيرانيّة. ثم اقتيدت المنظومةُ العسكريّةُ العراقيّةُ بكاملها إلى فخّ الكويت وجَرَتْ تصفيتُها هناك. أما الجيش السوريّ فلم يعد يشكّل خطرًا: فهو، من جهةٍ، ظلّ عالقًا في لبنان لسنوات؛ وهو، من جهةٍ أخرى، معروفٌ بأنّه لا يَنْشط ضدّ إسرائيل بمفرده وإنما ـ كما حَصَلَ في كلّ الحروب العربيّة ـ يَشْترط توفّر دعمٍ من جيشٍ عربيٍّ آخر، الأمرُ الذي لم يعد له وجود!
* * *
قد يَخْطر في بال القارئ أنّ السطور السابقة تَختزل التاريخَ القريبَ للمنطقة بمنظور ضيّق مسبَّق. لكنْ بدلاً من المماحكة أقترحُ إجراء عمليّات حسابيّة لهذه الحروب الجانبيّة للوقوف على مقادير الربح والخسارة فيها، وهويّةِ الرابحين والخاسرين.
كان أكبرَ خطرٍ على إسرائيل، بعد قيام الثورة الإيرانيّة، أن يتكوّن حلفٌ إيرانيٌّ ـ عراقيٌّ ـ سوريّ (كما بشّر في حينه ياسر عرفات). وللنجاة من هذا المصير، لم يكن أمام إسرائيل حلٌّ أفضلُ من توجيه قوى هذه الدول بعضِها ضدّ بعض. وإذا لم تتسرّبْ حتى اليوم أسرارُ الجهد الاستخباراتيّ الغربيّ المزروع في داخل هذه الأنظمة من أجل إدامة حالة الاحتراب في ما بينها، فإنّ الصفقات الاقتصاديّة والعسكريّة التي كانت تغذّي كلَّ الأطراف بأسباب مواصلة التقاتل باتت اليوم معروفةً. لقد دامت الحربُ العراقيّة ـ الإيرانيّة ثماني سنوات (1980 ـ 1988)، وعندما نتذكّر أنّها انتهت بالعودة الى نقطة الصفر (اتفاقيّة الجزائر 1973) حيث "لا غالب ولا مغلوب،" حُقَّ لنا أن نتساءل: عِلامَ إذنْ أُحرِقتْ كلُّ هذه المليارات وخَسِرْنا كلَّ هذه الأرواح؟ يلخّص مهدي الحافظ المغانمَ الحقيقيّةَ لهذه الحرب ويحدِّد هويّةَ المنتصر الحقيقيّ فيها بالقول: "لم تكن هذه الحربُ الغاشمةُ في مصلحة أحدٍ بقدْر الأطماع الأمريكيّة ـ والغربيّة عمومًا ـ وإسرائيل كذلك. كما كانت فرصةً ذهبيّةً لتجّار السلاح، والصناعات العسكريّة الأمريكيّة والأوروبيّة لجني الأرباح وفوائدَ لا تقدَّر. فضلاً عن أنها أتاحت الفرصةَ لإضعاف الجبهة العربيّة في مواجهة إسرائيل، وإلحاق الأذى بالقضيّة الفلسطينيّة والعربيّة بوجه عامّ."4 وهذا الأمر يفسِّر لغزَ بيع الغرب للسلاح إلى كلا الدولتيْن المتحاربتيْن، ولغزَ بيع إسرائيل السلاحَ إلى عدوّتها إيران.
بالاتفاقات الثنائيّة مع إسرائيل تارةً، وبتحديد القدرات العربيّة وبعثرتها في حروبٍ جانبيّةٍ تارةً أخرى، تمت حمايةُ إسرائيل طوال العقود التالية لحرب 1973.
طبعًا لا يمكن أن يراهن الغربُ إلى الأبد على اشتعال التوتّرات الداخليّة في المنطقة؛ إضافةً إلى احتمال استدارة أحد هذه التوتّرات ليتّجِهَ ضدّ إسرائيل نفسها! أما الأمان الحقيقيّ لإسرائيل فهو عدمُ وجود حلف لدولٍ عربيّةٍ قويّة. وما يَضْمن ذلك هو عدمُ السماح بوجودٍ دول عربيّةٍ قويّة اقتصاديّاً، وحرّة سياسيّاً واقتصاديّاً، ومقتدرةٍ عسكريّاً. وهذا هو مجالُ عمل الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل في الوقت الراهن: إنه إدامةُ حالة العجز العربيّ. وبمقارنة هذا السعي الحاليّ مع ذلك الذي قام به الغربُ أثناء التحضير لإنشاء دولة إسرائيل، فإننا نرى أنّ التاريخ لا يعيد نفسَه وحسب وإنما هو مستمرّ على المنوال نفسِه أيضًا... سوى أنّ ميكانيزم هذه الاستمراريّة يتطلّب تبديلاً في الأساليب بين فترة وأخرى: فبينما كانت هذه الأساليبُ تتّسم آنذاك بالعنف والإخضاع بواسطة القوة العسكريّة، فقد صارت اليوم تتألّف من قيود وتبعيّات ماليّةٍ وأخرى سياسيّة، وصار التهديدُ بالعقوبات الاقتصاديّة والحرمان من المساعدات بقوّة الإملاء السياسيّ. في السابق كان رفعُ الدعم العسكريّ البريطانيّ عن بعض الأنظمة العربيّة يعني تعريضَها للخطر؛ وأمّا اليوم فرفعُ الدعم الماليّ الأمريكيّ عن بعض الأنظمة العربية يعرِّضها للانهيار الأكيد. والقصدُ في كلتا الحالتين هو إبقاءُ الدول العربيّة عاجزةً من جميع النواحي عن تحمّل تحدّ كبير مثل الحرب مع إسرائيل المدعومة مسبّقًا من الغرب في أيّ حربٍ تخوضها.
في أحد مؤتمرات القمّة العربيّة (وهي تسميةٌ ساخرةٌ في رأيي، ولا أدري لماذا لا تُدْعى مؤتمرات الهاوية العربية)، برّر حاكمٌ عربيٌّ خنوعَه وخنوعَ زملائه الحكّام العرب بأنّ "هناك دولاً عربيّةً عائشةً على المساعدات." وهو بذلك يقرّ بأنّ سياسةَ "المساعدات" والعلاقات الاقتصاديّة، التي اتّبَعَتْها أمريكا مع بعض الدول العربيّة لشراء ولائها، قد أدّت غرضَها. لكنّ المرءَ يتساءل: هل كانت مصرُ مثلاً (وهي المقصودةُ في كلامه) جائعةً قبل عهد الاستثمارات والمساعدات الأمريكيّة؟ هل الاعتمادُ على المساعدات حالةٌ تطلَّبَها تطوّرُ الاقتصاد في مصر؟ هل الاقتصاد هو الذي فَرَضَ على الدولة تقبُّلَ المساعدات، أمْ أنّ الدولة هي التي فَرَضَتْه على الاقتصاد؟ ما حصل أنه، لكي يتمّ تقييدُ القرار المصريّ بقيد الحاجة الدائمة إلى العلاقات الطيّبة مع أمريكا، توجَّبَ أن يكون الاقتصادُ المصريُّ ضعيفًا أو مهدَّدًا بالضعف. إنه مخطّط سياسيٌّ صرف، والاقتصادُ منه براء. وإذا كان أحدُ الحكّام العرب يروِّج أنّ مصر "عائشةٌ على المساعدات،" فلننتبهْ إلى أنّ مجملَ قيمة هذه المساعدات لا يتعدّى نصفَ العائد السنويّ لقناة السويس! وبالإضافة إلى القناة، فإنّ لدى مصر مصادرَ أخرى غنّيةً للدخل وللتنمية، ولكنّ هذا كلَّه يُنهب من قِبل فئةٍ تستحوذ على المال والسلطة معًا وتَحْرص على إدامة حالة "العجز" المطلوبة أمريكيّاً وإسرائيليّاً. إنّ الدول العربية "العائشة على المساعدات" ذاتُ موارد لا تكفي فقط لمعيشة مواطنيها وإنما للشروع بعملية تنمية حقيقيّة أيضًا، بشرط القضاء على الفساد والنهب وتحقيق الشفافيّة في الحياة السياسيّة.
من ناحية أخرى ثمة دولٌ عربيّةٌ تعاني التخمةَ الماليّة، لكنّها ترسل أموالَها إلى الولايات المتحدة وأوروبا لتُستثْمَرَ هناك! في الولايات المتحدة وحدها يَستثمر الخليجيون 300 مليار دولار، وفي أوروبا يستثمرون 100 مليار. أما في المنطقة العربيّة فالاستثمارات القليلة لرأس المال الخليجيّ لا تساهم في أيّ حركيّة إنتاجيّة وإنما تتوجّه غريزيّاً إلى المجال السياحيّ والترفيهيّ، وكأنّ هناك اتفاقًا على حرمان المنطقة من فرصة النهوض الحضاريّ.
إنّ أيّ متأمِّلٍ لأحوال المنطقة العربيّة لا بدّ أن يتساءل عن سرّ "المصادفة" التي جعلتْ جميعَ البلدان العربيّة القريبة من إسرائيل، أو ذات التاريخ السياسيّ النشط في المنطقة، تخلو من أي تنمية حقيقيّة، أو معدَّلِ نموٍّ يُعتدّ به، أو اقتصاد تنافسيّ في عالم اليوم، أو تقدّم معرفيّ، أو ظاهرة إنتاجيّة تبعث على الفخر. إنّ أيَّ متأمّل للبلدان العربيّة لا بدّ أن يستوقفَه الإصرارُ الحكوميّ على بقاء حالة التخلّف المعرفيّ، بل الجهل العامّ، رغم المآسي التي تسبّبتْ فيها حتى اليوم. إنّ الطريقَ الواضحَ للتقدّم هو الطريقُ القائمُ على خطّة تنميةٍ شاملةٍ، تنتجها حياةٌ سياسيّةٌ صحيّةٌ، وتنفِّذها حكومةٌ منتخَبةٌ، وتَضْمنها شفافيّةٌ ماليّةٌ وسياسيّةٌ وقضائيّة. وكلّها أمور يجري التهربُ منها بشتّى الذرائع والوسائل، ويُسجَن الداعون إليها. وإنّ الطريق الواضح للاستقلال الاقتصاديّ يُذبَحُ فداءً لشروط البنك الدوليّ والشركات المعولمة. لا وجودَ لـ "دول غنيّة" في المنطقة، وكلُّ ما يوجد حكّامٌ أغنياء لشعوبٍ فقيرة، بل لا يوجد إلاّ لصوصٌ فيما لو طُبقت عليهم أحكامُ القضاء في قوانينهم المحلّية نفسها، أو كما عبّر الجواهري منذ زمن بعيد: "ساكنُ القَصْرِ ـ لو إلى ذمّةِ الحقِّ احتكمْنا ـ لكان يَسْكن سجنا!"
* * *
الخلاصة، إننْ، أنّ ما يسمّى بـ "العجز العربيّ" ليس حالةً ذاتيّةً ومنعزلة، ولا هو "مصادفةً،" وإنما هو بيئة سياسيّةٌ ــ اقتصاديّةٌ مصنوعةٌ دوليّاً، وبإحكام، لحساب المشروع الصهيونيّ، وبتنفيذ الأنظمة العربيّة القائمة مقابلَ خدماتٍ متنوّعة: ماليّة واقتصاديّة لأنظمة الدول "الفقيرة"، وخدمات سياسيّة (حماية، ضمان،...) لأنظمة الدول "الغنيّة." هكذا كانت الحال عشيّةَ تأسيس دولة إسرائيل، وهكذا ستبقى الحالُ حتى اكتمال المشروع الصهيونيّ: إكمال التوسع الاستيطانيّ وتصفية القضيّة الفلسطينيّة.
ستوكهولم
1. حنّا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعيّة والحركات الثوريّة، ط 1، ص 94.2. مقابلة مع إبراهيم بغدادي في جريدة القاهرة
3. في رسالتها للماجستير، مصر وحرب فلسطين 1948، ملخّص منشور على الشبكة العالميّة
4. مساهمة إلى ندوة "مستقبل العراق والخيار الديمقراطيّ"، بيروت 82/2/2002
المقالة منشورة في مجلة الآداب, 3-2-1 /2009
7.3.09
أمـن العـرب
بعض العرب استشعر «التحدي الإيراني» وخاصة في الخليج، منذ اللحظة الأولى للثورة الإسلامية وتولى دعم العراق في حربه ضدها لثماني سنوات. لم تكن إيران بصدد برنامج نووي ولا كانت بنفوذها جزءاً مهماً من التفاعلات الإقليمية.
من منظور الأمن القومي العربي كل قوة إقليمية يجب ان يحسب لها الحساب ولنفوذها ولمصالحها. لكن بعض العرب لم يحسبوا حساباً للاحتلال الأميركي للمنطقة وإعلانها عن «مشروع الشرق الأوسط الجديد». هم الآن يدفعون ثمن شراكة أميركية إيرانية تبلورت في العراق وأفغانستان نتيجة فراغ القوة العربي. الحوار الأميركي الإيراني يتطور باتجاه ملفات فلسطين ولبنان. لقد نجحت إيران في إرساء تفاهمات مع سوريا وتركيا لمواجهة المشروع الإسرائيلي في سعيه للعبث بكيانات المنطقة وإشاعة الفوضى. لكن أميركا تحت شعار مواجهة النفوذ الإيراني شنت الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة، وهي التي تحرك ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني.
من المؤكد أن أزمة السودان قديمة العهد مع الجنوب، لكن أزمة «دارفور» جرى افتعالها وتضخيمها في سعي أميركي إسرائيلي لتقسيم السودان وفصل أجزائه عن بعضها وتعطيل كل محاولات السلام التي جرى الاتفاق عليها لقيام دولة اتحادية. لا يمكن عزل ما يجري في السودان، من تشجيع للفوضى ومن اعتداء على سيادته، عن مجمل المخطط الأميركي الإسرائيلي. ان إعادة النظر في السياسة الخارجية الأميركية والحوار مع سوريا وإيران ليسا إلا محاولة لتحقيق الأهداف السياسية بواسطة التعامل مع المصالح لا بواسطة القوة والإملاءات. لكن النتيجة واحدة. السلاح النووي الإيراني، كما يقول جون كيري، يشكل «خطراً وجودياً» على إسرائيل. الهم الأميركي هو نفسه في كل الظروف «أمن إسرائيل».
لكن الأمن الإسرائيلي هو التحدي الأخطر على الأمن العربي، بل على أمن المنطقة تستشعره إيران وتستشعره تركيا ويمتد إلى وسط آسيا على حدود روسيا ويتغلغل في أفريقيا. ما زال الغرب ينظر إلى إسرائيل كوكيل أول محلي لمواجهة تحرر المنطقة وتقدمها واستقلالها الفعلي والتنمية فيها. إسرائيل تجدد الآن مشروعها من أجل حل القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار. هذا ما يقوله قادتها ويقوله جون بولتون وإليوت أبرامز. لا دولتان إسرائيلية وفلسطينية. بل إن إسرائيل تمد اليد لدعم مشروع دولة كردية تهدد وحدة العراق وإيران وتركيا وسوريا، وتسعى إلى تشجيع كل حركات الانفصال والتفكك في كيانات المنطقة حتى شمال أفريقيا. لا يمكن المقارنة بين «تحدٍ إيراني» و»خطر إسرائيلي» بهذا المستوى لديه السلاح النووي ويعلن بعض قادته انه قد يكون «الحل الأخير» للمشكلات!
ما نحن بصدده الآن في الدفاع عن أمننا العربي يحتاج إلى تصحيح الوجهة. إن الغرب قد «استوطى حيط العرب» ويسعى لإعادتهم إلى مرحلة الوصاية والاستعمار. ليس هناك من يحاسب إسرائيل على جرائمها الكبرى التي ما زالت تتوالى فصولاً ولكن هناك من يصدر قراراً باعتقال رئيس جمهورية عربي. لا محاكمة لجرائم بوش في العراق ولا جرائم إسرائيل في غزة ولا محاكم خاصة بذلك. لكن هناك محكمة خاصة بلبنان مع سلطات وصاية غير مسبوقة تدار بواسطتها البلاد وسياستها وأمنها، وربما خلق الفوضى فيها. ثمة حاجة إذن للحوار والتفاهم على «أمن العرب» في إطاره الإقليمي الصحيح وليس بوصفه انضواء تحت جناحي «أمن الهيمنة الإسرائيلية الأميركية».
5.3.09
600 ألف لبناني... نحو الإضراب
رشا أبو زكي
أكثر من نصف مليون لبناني من جميع الأطياف السياسية والحزبية سيحولون شهر آذار إلى مهرجان احتجاجي سيلف لبنان بسلسلة من الإضرابات والاعتصامات احتجاجاً على قرارات حكومة «الإرادة الوطنية» الاستنزافية في مجالات حياتية عدة... فالمصيبة جمعت الأساتذة وكل الهيئات التعليمية، مع عمال مؤسسة الكهرباء ومياه الليطاني، وفنيي وزارة الاتصالات، والموظفين في الإدارات العامة، والسائقين العموميين والاتحاد العمالي العام، على طبق واحد: طبق عدم السكوت عن الانتهاكات المتواصلة للحقوق، وسلب المكتسبات تدريجياً... وصولاً إلى تضييق الخناق على المواطنين، الذين باتوا يعجزون عن تأمين الاحتياجات الأساسية بأكلاف عادلة.
وغداً، تفتتح معركة الحقوق، مع إضراب عام ليوم واحد ينفذه المزيد
ماذا تريد المعارضة من الانتخابات؟
ربّما كانت القوى السياسيّة معذورة. فالتعبئة الانتخابيّة جزء من اللعبة. لكنّها تعبئة تحمل أسئلة كثيرة، وخصوصاً بالنسبة إلى فريق المعارضة السابقة.
فقد خاضت المعارضة معركتها السياسيّة طوال ثلاث سنوات تحت شعارين: الحفاظ على المقاومة، والمشاركة. هدفَ العنوان الأوّل إلى حماية سلاح حزب اللّه من الهجمة الأميركيّة ـــــ الإسرائيليّة عليه التي تلاقت مع مصالح فئات لبنانية واسعة تنوّعت أسباب مطالباتها بنزع ذاك السلاح. أمّا المشاركة، فعبّرت عن هواجس حزب الله وحركة أمل اللذين أرادا المشاركة في السلطة رغم انتمائهما إلى الأقليّة النيابيّة، رافعين شعار تمثيل طائفة كبرى في بلاد تحكمها الطائفيّة السياسيّة، كما عبّرت أيضاً عن هواجس التيار الوطني الحر الذي منحته الانتخابات شرعيّة تمثيليّة، معتبراً أنّ إبعاده عن السلطة استمرار لتهميش الدور المسيحي الذي قام به النظام السوري خلال حقبة إدارته لبنان.
يمكن القول إنّ المعارضة نجحت في تحقيق هذين الهدفين. وشاركت في حكومة سمّيت حكومة وحدة وطنيّة. أسهم هذا الوضع، إلى حدّ ما، بتهدئة الأجواء السياسيّة والأمنيّة في انتظار الانتخابات النيابيّة المقبلة. لكنّنا لم نفهم، ماذا تنتظر المعارضة من هذه الانتخابات؟ وماذا تريد من السلطة في حال وصولها إليها؟ وهل مصلحتها حقّاً تقضي بالوصول إلى السلطة؟
ما سمعه اللبنانيّون هو أنّ المعارضة، في حال فوزها، ستعمل على بناء الدولة. وأضيف إلى هذا الكلام شِعر عن مكافحة الفساد والمفسدين. لكن أليس من المعيب أن تطرح المعارضة شعار بناء الدولة من دون أيّ رؤية أو برنامج، أو حتّى نموذج تقدّمه من خلال مشاركتها في الحكم؟ يعرف اللبنانيون تماماً برنامج الأكثرية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما زال يسير على خطى حكومات ما بعد الطائف، ويلوم كلّ شيء على الحال التي وصلت إليها البلاد باستثناء السياسات المتّبعة. نعرف أيضاً رأي زعماء الطوائف التقليديّين في صفّي المعارضة والموالاة، ونعرف كيف يتقنون ممارسة تحويل الدولة إلى رافعة لاستمرار زعاماتهم. لكن ما لا نعرفه هو كيف تريد المعارضة بناء الدولة.
نعرف أنّها تعارض السياسات المتّبعة. لكنّنا لا نعرف ما هي سياساتها. ولنا تجربة مُرّة مع من وصل إلى الحكم عام 1998 تحت شعار نقض السياسات السابقة من دون امتلاك أيّ بديل.
نعرف أنّ مكافحة الفساد ليست برنامجاً للحكم. يمكن أن تكون نموذجاً للتسلّط، وخصوصاً ممّن لا يفوّت مؤتمراً صحافيّاً من دون أن يعبّر عن ضيقه بالصحف والصحافيّين.
نعرف أنّ الزعامات التقليديّة اللاهثة وراء ما يسمّى وزارات الخدمات موجودة في المعارضة، كما في الموالاة.
نعرف أنّ وزراء المعارضة لم يقدّموا نموذجاً استثنائيّاً في وزاراتهم.
نعرف أنّ المعارضة لا يمكنها أن تتّفق على برنامج واحد، في ما يتعدّى العناوين السياسيّة العامّة. فنبيه برّي ـــــ إذا أغفلنا خلافات 8 و14 السياسيّة ـــــ أقرب إلى وليد جنبلاط منه إلى ميشال عون، والعونيّون الذين تراجعوا عن برنامج اقتصاديّ شديد اليمينيّة كانوا قد تبنّوه خلال الانتخابات السابقة لم يطرحوا بديلاً منه بعد، وحزب اللّه لا يتصرّف على أنّ ثمّة أولويّة لديه غير سلاحه. ليس أدلَّ على هذه التناقضات الفاضحة من إجراء مقارنة بين أداء وزيرين من المعارضة تعاقبا على الوزارة نفسها: فما يفعله آلان طابوريان في وزارة الطاقة مختلف جذريّاً عمّا كان قد تبنّاه سلفه وزميله في المعارضة محمّد فنيش.
في غياب أيّ رؤية مشتركة، ستكون المعارضة، في حال فوزها في الانتخابات، ذات أداء ضعيف في السلطة يسهّل اصطيادها من قبل أقلّيّة (الأكثرية الحالية) تعرف تماماً كيف تدافع عن مصالحها ومصالح طبقة تدلّلت في أحضانها.
لكن، إذا ابتعدنا عن ذلك كلّه، ونظرنا إلى حزب اللّه تحديداً، لاكتشفنا أنّ مصلحته تكمن في إعادة التجديد لحكومة وحدة وطنيّة. ومن هنا تأكيد الحزب منذ الآن على دعوته الأقليّة المقبلة إلى المشاركة عبر ثلث معطّل أو ضامن. فوحدها حكومة كهذه يمكنها نزع فتيل طرح موضوع سلاح حزب اللّه، وتعفي الحزب من مهمّات سياسيّة لا يرغب في الخوض فيها. أمّا من يمتلك الأكثريّة في حكومة ذات ثلث معطّل، فتفصيل غير ذي أهميّة.
3.3.09
بين المثقّف والأديب
سماح إدريس*
يخيَّل إليَّ أنّ الصفةَ الأبرز في سهيل إدريس هي صفةُ المثقّف الملتزم بقضايا مجتمعه. بل إنّ مجمل إنتاجه في الرواية والقصة والترجمة والتأليف المعجميّ، وفي ميدان النشر، وفي «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» و«الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب» و«الاتحاد العام لأدباء آسيا وأفريقيا»... كان الحافزُ الأوّلُ إليه الالتزامَ بتطوير المجتمع العربي في اتجاه الحريّة والوحدة والعدالة.
لنبدأ من زيارته إلى باريس مطلع الخمسينيات. صحيحٌ أنه ذَهَبَ لنيل درجة الدكتوراه من السوربون، ولتنشّقِ نسائم التفلّت الاجتماعي من قيود المجتمع العربي؛ إلا أنّه حرص، في قلب باريس نفسها، على اكتساب الوعي السياسي. فكان أن التقى بعدد من المثقفين العرب ــ وكثيرٌ منهم ينتمون إلى حزب البعث ــ الأمرُ الذي أسهم في تكوّن وعيه القوميّ. ولا ريب في أنّ قارئ روايته الأولى «الحيّ اللاتينيّ» (1953)، لن يفوتَه أنّ شخصيّة فؤاد (القومي العربي) ترخي بظلالها على هذا العمل برمته، وتَرسم للبطل خياره: العودة إلى لبنان والعمل من هناك على تطوير المجتمع العربي واستقلاله.
وإذا انتقلنا إلى مجلة «الآداب»، برز لنا قوله في افتتاحيته الأولى (1953): «تؤمن المجلة بأن الأدب نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة هي غاية الأدب الفعال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثِّرُ فيه بقدر ما يتأثر به». ويضيف أنّ على الأدب، كي يكون صادقاً، ألّا يكون منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه.
فإذا عرجنا إلى ترجماته الأولى، وبخاصة ترجمته للفكر الوجودي، لفتنا اعترافه بأنّ اهتمامه بترجمة هذا الفكر «نابعٌ من اهتمام كبارهم، ولاسيما سارتر، بالنضال القوميّ». ويُضيف في حواره مع يسري الأمير («الآداب»، 10، 2000) أنّ ما حفّزه على حب سارتر كان موقفه الشاجبَ للاحتلال الفرنسي للجزائر، وأنه «كان طبيعياً بعد ذلك أن أحب هذا الكاتب، وأن أترجم عدداً من مؤلَّفاته، وقد كنت أطمع إلى أن نكتسب هذا المفكر العالمي إلى صفنا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين». ولعلنا نتفهم بعد ذلك، ندمه على ترجمة سارتر بعد زيارته الكيان الصهيوني.
وإذا انتقلنا إلى معجم «المنهل» الفرنسي ــــ العربي، فسنرى أن هذا العمل نفسه قد كان ثمرة شعور إدريس بلا جدوى الكتابة الإبداعية عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967. لقد هالَه مقدار الأكاذيب التي روجت نصر العرب قبيل النكسة الماحقة، فاكتشف أنّ «السبيل الأفضل للتصدي والمقاومة» بعد تلك النكسة «إنّما هو سبيلُ اللغة ووعينا الحقائق والمفاهيم لسانياً قبل كل شيء»! وقد فتح المجال في مجلة «الآداب» لمواصلة الاحتجاج: فكان «بيانُ 5 حزيران» لأدونيس، و«هوامش على دفتر النكسة» لنزار قباني، وعشراتُ المقالات ـــ المباضع في جسد الهزيمة.
بيْدَ أنّ أكثر ما كتبه سهيل كان مقالاته في مجلة «الآداب»، وفيها تتخلق نظرية متكاملة في الالتزام، قوامها عناصر خمسة: أولاً، المواكبة والشهادة؛ ففي رأيه أنّ على الأديب والمثقف أن يكون شاهداً على عصره وكاشفاً لمعاني أحداثه. ثانياً، التغيير؛ فدور الأديب والمثقف هو تغيير المجتمع العربي باتجاه الوحدة والحرية والاشتراكية. ثالثاً، رفض الهتاف والدعاية في الأدب الملتزم، بل العمل على إرهاف نواحيه الفنية. رابعاً، نبذ الإلزام الحزبي والسلطوي؛ فإدريس لا يؤمن بعبارة «واجبات المثقف» لأنّها توحي بأنّ هناك «إلزاماً له بأن يقوم بعمل ما»، في حين أنّ الكاتب الحقيقيّ «لا يلتزم إلّا بضميره ووعيه». خامساً، إنكار تقديم الحريات الديموقراطية على مذبح المشاريع القومية.
ولكن كيف يوفِّق الأديب بين مواكبة الحدث، وإرهاف الناحية الفنية التي تتطلّب وقتاً طويلاً؟ تلك مسألة أقضّت مضجع سهيل. وكان أن أَوجَد تمييزاً طريفاً بين الحدث من جهة، والزمن من جهة أخرى: «فإذا لم يتمكن الأثر الأدبي الذي يعقب الحدث من أن يكون له تأثير في هذا الحدث، فإنّه مُطلق الطاقة والقدرة لممارسة هذا التأثير في أحداث لاحقةٍ قد تُشبه هذا الحدث أو لا تشبهه». مبدأ الالتزام هو المهم إذاً، لا توقيته، وفي هذا التمييز ردّ على من يدين الالتزام جزافاً فيحصره بالانفعال الآني.
غير أنّ سهيلاً لا يريد من الأديب والمثقف أن يصمت حين تقع «الأحداث»، ولا سيَّما إذا كانت من نوع مقاومة بورسعيد أو هزيمة حزيران أو مجزرة أيلول. فكيف التوفيق وتلك الأحداث من الكثرة بحيث تكاد تأتي على كامل التاريخ العربي المعاصر... وكامل وقت المثقف لو شاء الالتزام بها؟ أطرح هذا السؤال وفي بالي أنّ سهيلاً، بالإضافة إلى عمله الأدبي والنشري والمعجمي والترجمي، تولى رئاسة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» أربع دورات، أي ما مجموعه عشر سنوات، رسم لنفسه خلالها مهمات أساسية: الدفاع عن الوحدة العربية، وعن حرية التعبير، وعن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. وقد دفعه ذلك إلى خوض المعارك، وإصدارِ البيانات، وحشد «المناصرين»... وكلها مشاغل لا تترك للأديب مجالاً واسعاً لإرهاف فنّه.
وأحسب أنه عاش طوال عمره نزاعاً داخلياً مريراً بين شخصية الأديب، وشخصية المثقف. فالمثقف يدعوه إلى الحركة، والتحريض، والصراخ، وتصدُّر التظاهرات، وعقد الاجتماعات، وتسطير البيانات والافتتاحيات. والأديب يهتف به أن اجلس، تأمَّل، اهدأ، هذِّب، تخيَّل، اشطُب، وسّع. ولم يكن إدريس من طبيعة تَهرب من المعارك، ولذا فضَّل في أكثر سنوات عمره أن يُغلِّب صورةَ المثقف على صورة الأديب. ذلك أنه لم يُطق الصمت والجلوس طويلاً، حتى حين انكبَّ على العمل المعجمي الأول (المنهل) بين عامي 1967 و1970.
والحق أنّ سهيل إدريس لم يَصمُت حتّى بعد رحيله! وهو سيَبرز قريباً أمام قرّائه مثقفاً وأديباً ولغوياً ونهضوياً، بكلّ ما لهذه الكلمات من معنى، مع صدور قاموسه الجديد، المنهل العربي ــــ الفرنسي الذي تعمل عايدة ورنا على إنجازه في أبهى صورة (وكان الشهيد د. صبحي الصالح قد شارك فيه جزئياً). ثم يصدر قاموسه الأضخم، المنهل العربي ـــ العربي، في سبعة آلاف صفحة كبيرة، وهو عمل شَرَّفني بأن أسهم فيه منذ سنة 1985 إلى جانبه وإلى جانب الشهيد الصالح. وسهيل ما يزال إلى جانبي، حتى اللحظة، في عملي هذا. وإليكم هذه الحادثة التي جرَتْ معي قبل يومين. فقد اتّصلت أحلام مستغانمي بأختي رائدة لتسألها إن كنت أتذكر صَدْر بيت المتنبي الذي عَجُزُه هو التالي: «وما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ». حاولتُ أن أتذكر، فلم أُفلح. عدتُ إلى عملي الذي أعكِفُ عليه منذ ثلاثة شهور، وهو ضبط ما أنجزه سهيل بخط يده من حرف الهاء. وفجأةً، رأيتُ سهماً، بخطّ سهيل، يُشير إلى نهاية الصفحة، حيث كلمةُ «هوان». وهناك قرأت: «مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عَلَيْهِ/ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ»!
لم تخذلني يا صديقي الأعزّ مرّةً، لا في حياتك، ولا بعد رحيلك الجسدي.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»
تصبحون على وطن...
رامي سلامي
في بلادي، نولد كلَّ يوم على قَارعة الطريق، نحمل عذاباتنا بطاقة هويَّة، وتقذف بنا الأقدار إلى مصيرنا الرمادي..
في بلادي، نتسوَّل وطناً طَوالَ النَّهار، ونرجع في المساء بلا وطن..لا تسَلني كيف نعيش، لعلَّ الموتَ يشفق علينا أو يهرب منَّا ألف مرَّة في اليوم.
نرجع في المساء حفاةً جياعاً إلى حيث انطلقنا، ونراقب بكسلٍ سقوط الشَّمس في هاوية المجهول. تصفعنا عتمة اللَّيل، ويقرصنا البرد في عيوننا. لا يبقى لنا إلا الله، وحسبنا الله وإن اختلفنا فيه..
يمدُّنا بقنديل أمل نشعله بزيت قلوبنا، ونستمع بخشوع إلى بوح قمر عاشق لغيمة مطر عابرة، فنتخيَّل فيها شبحَ وطن لم نرَه إلاَّ في أوطان غيرنا..
ثم تؤول كل الأشياء من حولنا إلى سواد، حتى لون الأمل وبوح القمر.
نلتهم جوعنا على عجل ونحاول أن نغفو.
في وحشة اللَّيل، نسمع صراخ سعالنا فيدرك كلٌّ منَّا أنَّه ليس المشرَّد الوحيد في هذا الوجود. نحاول اقترافَ جريمة الكلام، فتشيخُ في فمنا الكلمات وتخرَف، ويخنقُ حناجرَنا الصدأُ من طول ما هجرتها أغنيات الطفولة.
نغرق في شبر من النَّوم، ونعلك حلماً واحداً احترفناه من ألف عام، لا تتغير فيه إلا اللَّحظة التي نُمنَى فيها بهزيمتنا اليوميَّة، حين تمَسُّ أجسادَنا حرارة ُالشَّمس ببرودةٍ مخيفة..
في بلادي لا نغسِل وجوهنا عند الصَّباح، فلعلَّ بها بريقاً من أمل نخاف عليه أن يزول..
لا تسلني تفصيلَ ما نحلمُ كلَّ ليلةٍ من ألف عام. لا نكاد نذكر شيئاً عند الصَّباح، كأنَّ لنا ذاكرةً من نعاس تتسلَّل إلينا في اللَّيل، و تبدأ بالهروب مع طلوع الفجر..
نعم، يحدث أن يزورنا في أحلامنا طفل عجيب، تِربٌ لنا لا نراه إلاَّ نادراً، اعتدنا أن نسمَّيه «حنظلة» رغم حلاوة خفيَّة في مرارة ما يقول.
حنظلة هذا زوَّادة الدفءِ في حلمنا البارد، يقول لنا بعد توزيع الحلوى وقطع الأمل، تعالوا لأروي لكم عن فلسطين..
يحكي لنا حكايات ننتبه فجأة إلى أنها حكاياتنا. ينقل لنا حمّىً تنتابنا من المحيط إلى الخليج، كلَّما اغتسلت زنبقة أمل بدموع طفل في غزَّة، أو فاحت زهرة ليمون بعبق الشَّهادة في بيَّارة وجعنا الذي لا نعرف له حدّا ولا نهاية.
يعلمنا الشِّعر والحبَّ والثَّورة، وأبجديَّة العروبة ...
يحكي لنا عن أبيه ناجي العلي، وعن أمِّه بيروت. يسمِّي لنا أمَّهاتنا اللَّاتي لم نرَهنَّ واحدةً واحدة، ويروي لنا قصَّة استشهادِ آبائنا..
يحكي لنا باللَّهجة الجنوبيَّة قصَّة قانا وأخواتِها، وباللَّهجة العراقيَّة الحزينة قصَّة سقوط بغداد وقصَّة حذاءٍ صارَ أشهرَ من حذاءِ «سندريلاَّ».
ولاينسى أن يقرأ لنا كلَّ مرَّة قصيدةً من قصائدِ محمود درويش..
عجيب هذا الصَّبيُّ، يجيد كلَّ لهَجَاتِنا، ويعرف كلَّ جهاتِنا ويحفظُ كلَّ تواريخِنا...ويكرهُ كلَّ حكَّامِنا!!
نعم، يحدث أن يزورنا حنظلة، وقبل أن يغادرنا في عتمة اللَّيل تطلُّ من بين كتفيه هالة من نور، تمطرُنا أشعَّةً دافئةً تخترق جليد عيوننا وتَخِز وعينا النَّائم فيستفيق..
نتثاءَب قليلاً، نودِّعه ... يديرُ لنا وجهه للمرَّة الأخيرة ويقول: ناموا الآن بسلام..
تصبحون بخير..تصبحون على وطن.
