نزار قباني
تتصرف أميركا مع العرب في هذه الأيام الأخيرة كما لو كانوا من مخلفات المرحوم والدها .. ونحن لا نعرف عن المرحوم والد الولايات المتحدة الأميركية، ولا نعرف شيئاً عن حسبه .. ونسبه .. وشجرة عائلته .. ولا نتذكر أنه ترك مالاً أو عقاراً أو ذرية من البنين والبنات في أرض الحجاز، أو في الكويت ، أو في كركوك .. كما لا نتذكر أن المرحوم .. صاهرنا، أو ناسبنا ، أو تزوج أمنا فصار عمنا .. بحيث يسمح لنفسه بالتدخل في شؤوننا المنزلية، وقضايانا العالية .. بما في ذلك عدد الأرغفة التي نأكلها، وأجرة المنزل الذي نسكنه، وشكل الزوجة التي سنتزوجها، وأسماء الأولاد اللذين سنرزق بهم .. ثم نحن لا نتذكر أن المرحوم والد الولايات المتحدة الأمريكية، كانت له تجارة في قديم الزمان مع عبد المطلب وهاشم، وقريش ، حتى يأتي بعد ألفي عام ليحاسبنا على ثمن الجياد العربية التي ربيناها .. وأشجار النخيل التي زرعناها .. وبراميل النفط التي بعناها .. لذلك فوجئنا بالرئيس الأميركي، حين صعد إلى منصة الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، وأفهمنا بغير مجاز ولا تورية .. أنه لن يسمح لحفنة من البدو .. ينقعون أرجلهم في بحر من البترول أن يهدموا حضارة العالم ...
أما أن نكون بدوا .. فذلك امتياز كبير، وعلامة تفرد لنا في هذا العصر الذي أصبح فيه التمدن معادلاً للتقل، والانتحار، والهيرويين، والرعب النووي، والتلوث ..
إن البداوة شجرة تنبتها الصحراء، وهي في ذروة صفائها الروحي، وفي أحسن لحظات الوجد والتصوف والمكاشفة مع النفس. والبدوي هو هذا الإنسان الذي تتجلى فيه أخلاق النخلة ، وارتفاع قامتها، وعنفوانها، وكرمها، وفيض مروءاتها .
أما أننا ننقع أرجلنا في آبار الظهران، والأحمدي ، وكركوك، فذلك حق طبيعي يمارسه كل من يملك حماما في منزله ..
ولو أن العرب نقعوا أرجلهم في نهر المسيسيبي ، أو نهر الهودسون، أو أخذوا ( دوشاً) في مسبح من مسابح فلوريدا .. لكانت الولايات المتحدة على حق في صراخها واحتجاجها .. أما أننا نعمل على تخريب الحضارة وإسقاطها . فهو كلام سائب .. ويحتاج إلى حوار هادئ وصريح .
قبل كل شيء نريد أن نتفق مع الرئيس الأميركي على مفهوم كلمة حضارة .. نحن نفهم من الحضارة كل جهد يهدف إلى الإرتفاع بمستوى البشر، وتحقيق أفضل الشروط الإنسانية لهم .
فالحضارات اليونانية، والهندية، والصينية، والفرعونية، والبابلية ، والفينيقية، والعربية ، حضارات استحقت اسمها لأنها قدمت ل لإ نسان عصارة عقلها وفلسفتها وفنونها، وأضاءت له طريق الخير والمعرفة والسعادة .
وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار التفوق الصناعي والتكنولوجي في الولايات المتحدة، وأوروبا، تفوقاً حضاريا أو حضارة، بالمعنى الأخلاقي والفلسفي لهذه الكلمة .. فأبنية الكونكريت، والجسور المعلقة، والأوتوسترادات، وناطحات السحاب، وصناديق ( البوب كورن) .. وعلب ( الجوك بوكس) .. والآلات التي تقدم لك قطعة الهامبورغر وتمضغها بالنيابة عنك .. وتعطيك زجاجة الكولا وتشربها هي ... وكل الماكينات الالكترونية التي تفرم الوقت ولحم الانسان .. كل هذه الإنجازات هي خربشات على دفتر الحضارة، لا حضارة .
ولما كانت السيرة قد انفتحت .. فإننا نود أن نسأل المتحضرين على أكتاف من قامت حضارتهم .. ومن لحم من أكلت .. ومن دموع من شربت؟ إن حضارة أوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر، هي سلسلة من السرقات الموصوفة، وكبر عملية نهب مسلحة عرفها التاريخ .. فاللوردات الانكليز ظلوا مئة سنة وأكثر يشربون شاي ليبتون في منازلهم في حي مايفير في لندن .. ويلبسون جاكيتات الكشمير الفاخرة .. وقمصان اللينو المصنوعة من قطن مصر .. ويصنعون غلايينهم من عاج الهند .. كان اللوردات الانكليز يعتبرون أن ألفي مليون من سكان افريقيا وآسيا مسؤولون عن تقديم شاي الساعة الخامسة .. مع البسكويت .. لهم ولزوجاتهم وأولادهم .. كان أطفال الانكليز يترعرعون في الهايد بارك والريتشموند بارك على الزبدة .. والكاكاو .. وزيت السمك .. بينما كان أطفال الهند والصين وسنغافورة ، ومالطة، وعدن ، والسودان، ومصر ، لا يجدون الحليب في أثداء أمهاتهم ... هذه هي المعادلة اللا انسانية التي قامت عليها حضارة الغرب .. إنها علاقة بين العلقة والدم .. وبين الشاة وذابحها .. والبقرة وحالبها .. واللؤلؤة وسارقها ...
إن الصدمة التي أصابت الفكر الغربي بعد حرب تشرين الأول ١٩٧٣ سببها أن الغرب قد تعود على السرقة حتى صارت السرقة بالنسبة إليه حقاً مكتسباً .. كما تعود على الخدمات المجانية بحيث يصعب عليه بعد ثلاثة قرون من الممارسات الاستثمارية ان يطالب بدفع أجور العمل .. فالعمل بالنسبة للفكر الغربي لا يزال ينقسم إلى قارتين: قارة للخدم .. وقارة للمخدومين .. والغريب أن الولايات المتحدة لم تحفظ مادة التاريخ جيداً .. ولم تستفد من التجربة البريطانية .. فهي لا تزال تعتبر العالم الثالث – ونحن من جملته – جارية سوداء .. أو وظيفتها أن تسلي الأولاد ريثما يعود أصحاب البيت من السهرة .. وربما كانت البيبي سيتر في أميركا أحسن حالاً من الشعوب الآسيوية والإفريقية من حيث مستوى التعامل. فهي على الأقل تتمتع بحرية التصرف داخل المنزل الأميركي .. فتشاهد برامج التلفزيون، وتقرأ الصحف والمجلات، وتشوي قطعة ( ستيك) ، وتصب لنفسها كأساً من النبيذ، وتدخن بعد العشاء ما يعجبها من السجائر .. وحين يعود السيد والسيدة إلى منزل يدفعان لها الأجر المتفق عليه، ويوصلانها بالسيارة إلى منزلها، ويفتحان لها باب السيارة بكل لياقة وتهذيب ..
أما الـ Baby Sitter العربية، فوظيفتها أن تخدم أميركا لوجه ا لله تعالى، وعلى رو ح الأجداد .. دون أن تتمتع بأية امتيازات فهي تأتي إلى بيت مخدوميها ماشية .. وترجع ماشية .. ولا يحق لها أن تمد يدها إلى التلفزيون، أو إلى السجائر .. أو إلى الجرائد .. كما لا يحق لها أن تأكل ( الستيك) .. لأن الستيك عمل من أعمال الحضارة. والعرب لا يزالون من أكلة القمح والذرة والحبوب ..
ولأن العرب لا يزالون ينتمون إلى حضارة الحنطة .. فقد قرر الرئيس الأميركي أن يعاقب ( البيبي سيتر) العربية بمنع مؤونتها اليومية من الخبز .. لأنها رفعت أجرها اليومي من دولارين .. إلى أحد عشر دولاراً .. وعبثاً حاولت ( البيبي سيتر) العربية إقناع الرئيس الأميركي .. أن قوانين العمل تغيرت .. وأفكار العمال تغيرت .. وأن صاحب السلعة هو الذي يحدد سعرها تبعاً لحاجاته ولمستوى الأسعار العالمية، وأن دول العالم الثالث لم تناقش في يوم من الأيام مع أميركا ، أسعار بضائع جنرال موتورز .. أو جنرال الكتريك .. ولم تعترض على أسعار السيارات، والثلاجات، والغسالات، ومكيفات الهواء، وألوف السلع الأميركية التي تحاصر حياتنا اليومية ابتداء من إبرة الخياطة .. إلى طنجرة البريستو .. وعلبة التشيكلتس ..
إن الإنسان العربي ليشعر بالزهو حين يفتح جريدة ( التايمز ) اللندنية، ويقرأ فيها هذه الجملة: ( إن الأجيال القادمة سوف تتذكر سنة ١٩٧٣ كتاريخ سيطر فيه العرب على العالم الصناعي )..
مئة سنة وأكثر والغرب يلعب معنا ( البوكر ) ونحن نخسر .. يغش في اللعب .. ونحن نخسر .. يسرق آخر قرش في جيوبنا .. ونرهن محاصيلنا .. وعقاراتنا وضفائر بناتنا .. ونخسر .. فهل تسمح الولايات المتحدة ودول أوروبا الصناعية .. أن نتغلب عليها مرة واحدة فقط ..
ولكن بشرف ...
١٤ – ١٠ – ١٩٧٤

