14.2.09

ما هو حجم الدين العام الحقيقي؟

الدين العام بحسب ما هو شائع، لا يعكس فعلياً كل الدين المترتّب على الدولة اللبنانية، فبعض الخبراء يفرّقون بين الدين الحكومي المعلن ودين الدولة الإجمالي الذي يتضمّن ديون المؤسسات العامّة والمتأخرات وأوجه العجز المخبّأ

محمد وهبة
«ليس واضحاً للرأي العام بعد أن الدين العام الحكومي هو غير الدين العام، فهناك خلط في أدبيات التعاطي معه»، بهذه العبارة يختصر الخبير الاقتصادي الدكتور توفيق كسبار سجالاً لا يزال قائماً منذ أكثر من 20 عاماً في لبنان بشأن الحجم النهائي والحقيقي للدين العام، مميزاً بين ما تصرّح به الحكومة عن دين «مركّز على أساس الدين الحكومي» والدين العام الذي يشمل ديوناً لا تحتسب في الموازنة، منها ديون على مصرف لبنان.
هذا المقاربة الجريئة عن الدين العام، قدّمها كسبار في ورشة عمل عقدت أمس في معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، بالتعاون مع المؤسسة الدولية للإدارة والتدريب، بعنوان «أزمة الدين العام في لبنان وتأثيرها على الموازنة العامة»، وعقّب فيها مدير المركز الإقليمي للمساعدة الفنية للشرق الأوسط (METAC) التابع لصندوق النقد الدولي سعادة شامي.

تعدّد الأرقام

وبنتيجة هذه المقاربة والنقاش الذي تلاها، تبيّن أن اختلاف الخبراء بشأن حقيقة حجم الدين العام في لبنان نابع من المنهجية المعتمدة ومكونات احتسابه، فهناك 4 أرقام متداولة في ما يخصّ حجم الدين العام في نهاية 2008:



1- الدين الحكومي الإجمالي، المصرّح عنه رسمياً، يتألّف من سندات الخزينة بالليرة وبالعملات الأجنبية (يوروبوندز) فضلاً عن القروض التي حصلت عليها الحكومة من الدول والمؤسسات المانحة، ويقدّر بحوالى 47.2 مليار دولار.

2- الدين الحكومي الصافي، ويتألف من الدين الحكومي بعد تنزيل ودائع القطاع العام، ويقدّر بحوالى 41.3 مليار دولار.

3- الدين السوقي الصافي، ويتألف من الدين الحكومي الصافي بعد تنزيل قيمة الديون والقروض التي اكتتب بها مصرف لبنان والمؤسسات العامّة، ويقدّر بحوالى 29 مليار دولار.

4- دين الدولة الإجمالي، وهو الرقم الذي لا تصرّح عنه الحكومة، إذ من المفترض أن يكون هو الرقم الحقيقي لأنه يتضمن كل ديون الدولة ومصرف لبنان والمؤسسات العامّة والمتأخرات والعجوزات المخبّأة، وذلك بعد إجراء المقاصّة اللازمة بينها لإزالة التشابكات في حسابات القطاع العام عموماً، ويقدّر هذا الرقم بأكثر من 60 مليار دولار، وهو يعكس الوضع المالي الحقيقي للدولة

مكوّنات الدين العام

ورفض كسبار التحدّث عن هذه الأرقام بالتفصيل، معتبراً أنها من مسؤولية السلطات العامّة، ولا سيما مجلس النواب، إلا أنه أجرى قراءة لمكوّنات الدين العام، فلفت إلى أن الدولة أنفقت بين 1992 و2008 حوالى 102 مليار دولار، منها 32 ملياراً (37%) على الفوائد، 31 ملياراً (30%) على الرواتب والأجور، و21 ملياراً (21%) عل النفقات الاستهلاكية والتحويلات، فيما لم تتعدّ النفقات الاستثمارية 12 مليار دولار (12%)، وبالتالي فإن «الدين لم يكن لإعادة الإعمار والاستثمار».
ويتوزع الدين بحسب كسبار كالآتي: 56 في المئة تموّله المصارف الخاصة في لبنان، 20 في المئة يموّله مصرف لبنان، 7 في المئة تموّلها مؤسسات عامة. أي إن تمويله داخلي بنسبة 83 في المئة. وهذا الأمر كان له تأثيراته على المالية العامة وعلى الاقتصاد الوطني، فأي أزمة في الدين ستنعكس على المصارف، لأن حجم ومصادر تمويله كبّلا الاقتصاد والنمو وقلّصا هامش تدخل الدولة في السياسة المالية فباتت مقيّدة لأن 67 في المئة من نفقاتها تغطي الرواتب والأجور والفوائد، وهذه الأخيرة تتجاوز وحدها 3 مليارات دولار سنوياً.

تقييد وظيفة المصارف

ومن جهة ثانية، باتت وظيفة القطاع المصرفي الأساسية مقيدة بالدين مما حدّ من التسليف للقطاع الخاص الذي يحصل على نسبة 22 في المئة من ميزانيات المصارف.
إذاً، الحلقة متصلة بين الدائن والمدين، فما هي الحلول الممكنة في رأي كسبار، ولا سيما بعدما تبين في ورقة باريس ـ3 أن للدين طابعاً أزلياً لأن نتيجة خصخصة كل المرافق الممكنة والإصلاحات لن تؤدي إلى تقليص الدين عن 140% من الناتج المحلي؟ يؤيّد كسبار الخصخصة من أجل «عزل» أصول الدولة عن الهدر، إلا أن الحل الأساسي يتمثل في شقين:
ــ تحقيق نسب نمو مرتفعة في السنوات العشر المقبلة، وعدم زيادة نفقات الموازنة إلا بالنسب نفسها لزيادة التضخم السنوية، «وهذا كفيل وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي على منحى تنازلي».
ــ مساهمة المصارف عبر رؤية طويلة الأمد في إعادة تمويل الدين بفوائد متدنية، علماً بأن معدل الفائدة التي دفعتها الحكومات اللبنانية على مجمل دينها ما بين 1993 و2008 بلغ 14 في المئة، أي إن نسبة الفائدة الإضافية على سعر الفائدة الأساسية تبلغ 9،5 في المئة.
وخلص إلى أن «أي حل لأزمة الدين في لبنان ليس فقط مالياً، بل يتطلب إجراءات أكثر جذريّة وشموليّة».

10.2.09

المسألة الاجتماعية أو رأسمال اليسار المهدور



اليسار يقطع رحلة التيه في الأفق المجهول
د. عبد الاله بلقزيز

ما كان من رأسمال لليسار العربي أرفع قيمة وأجزل عطاء على الصعيد المعنوي من المسألة الاجتماعية.
بها عن غيره تميّز وتفرّد، ولها صرف الشّطر الأعظم من زمنه النضالي والتضحيات،حتى أنه ما عرّف - حين عرّف - إلا بها، وما أتى أحد على ذكرها إلا مقترنة باسمه. حال اليسار في هذا الاقتران الماهويّ بالمسألة الاجتماعية حال التيار الليبرالي مع مسألتي الحرية والديمقراطية، وحال التيار القومي مع مسألة الوحدة العربية، ثم حال التيار الإسلامي مع مسألة الهوية والأصالة. الفارق الوحيد اليوم أن الليبراليين ما تخلّوا عن المسألة الديمقراطية (وإن كان بعضهم لا يضيره أن تأتي صناديق الاقتراع محمولة في ركاب دبابات الاحتلال!)، وأن القوميين ما تخلّوا عن مسألة الوحدة (وإن كان لا يضير بعضهم أن تحمل بشائرها على أسنّة رماح الإسلاميين)، أما اليسار (الاشتراكي والشيوعي)، فتخلّى المعظم الأغلب من أحزابه وتنظيماته عن المسألة الاجتماعية التي لم يعد يؤتى على ذكرها في برامجه السياسية وأدبياته الحركية وخطابه الإعلاميّ، وإن حصل ذلك، فلرفع العتب... وفي النادر ما حصل والنادر لا حكم له.

لا بدَّ - هنا - من بعض الأمانة في التعيين وفي الحكم على كلّ فريق في اليسار حتى لا تضيع الموضوعية في شعاب الأحكام العامة. ثمة من تراجع لديه الاهتمام بالمسألة الاجتماعية ظنّا» منه بأن أمّ المسائل اليوم هي المسألة الديمقراطية. إذ لمّا كان تحقيق العدالة الاجتماعية - أو الاشتراكية - لم يعد يمرّ من طريق التغيير الثوري، على نحو ما كان اعتقاده قبل عقدين، وإنما من طريق التغيير الديمقراطي، فقد وطن في الأذهان أن جبهة المعركة انتقلت من ميدان الحقوق الاجتماعية للكادحين الى الحقوق السياسية للمواطنين. وثمة من طوى صفحة المسألة نهائياً»، ومعها أصحابها أيضاً (الطبقات الكادحة)، منصرفاً إلى مديح الليبرالية الاقتصادية وقيم المنافسة والملكية الخاصة، حتى من دون أن يبرّر لنفسه - قبل غيره - لماذا انتقل هذه الانتقالة الدراماتكية من عقيدة في السياسة إلى أخرى تناقضها. وثمة فريق ثالث تفرّغ لماضيه اليساري - ولمن بقي من الناس متمسكاً ببعض مواقفه - بالقدح والتقريع والجلد، ممارساً طقوس الاعتذار عنه أمام من كان لا يليق به - في ما مضى - حسبانهم في جملة مخاطبيه.

إن المرء ليحار فعلا» في فهم الأسباب الحاملة هذا اليسار العربي على الانصراف عن المسألة الاجتماعية، كلاًّ أو معظماً، والانصراف إلى غيرها من مسائل ليس له فيها سابقة عطاء وتقدمة: في الفكر وفي الممارسة على السواء. ولست أحسب من الوجاهة في التعليل ردّ الأمر إلى ما أصاب المشروع «الاشتراكي» العالمي من نكسة فادحة بانهيار ركيزته الكيانية والسياسية من نظام سوفياتي ومن ردائف له في شرق أوروبا، إذ الذي أصاب دولة/دولاً ومشروعاً سياسياً وأنهى عهدها، ما أنهى مشروعية مطلب وهدف العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وإنصاف الكادحين في حقوقهم الاجتماعية والحدّ من التفاوت الطبقي الفاحش في المجتمع، حتى لا نقول إنه رفع من معدّل الحاجة إلى التشديد على المطلب هذا بعد أن استعادت الرأسمالية مناطق من العالم فقدت سلطانها عليها منذ ثورة 1917 إلى الثورة المضادة لـ«البريسترويكا» قبل عقدين، ثم بعد أن تغوَّلت الرأسمالية أكثر فأكثر في طورها العولميّ الراهن وباتت أشدّ وحشيّة وأقلّ إنسانية وأخلاقية من ذي قبل. ففي النفس بعض اليقين (قل حتّى بعض الظّنّ) بأن الأهداف والقيم الكبرى لا تمّحي من الوجود لمجرّد أنه لا يوجد نظام سياسي يحميها أو يحدب عليها أو يتعهّدها بالرعاية: هذا على فرض أن المعسكر السوفياتي كان يفعل ذلك حيال هدف العدالة الاجتماعية، ولست شخصياً ممّن يذهبون هذا المذهب. الأفكار الكبرى لا تحملها النّظم السياسية الحاكمة، ولا هي تزول بزوال هذه، وإنما تحملها النخب الفكرية والنضالية والحركات الاجتماعية، وهي التي تكرّس بقاءها في التاريخ حتى وإن كان منالها في الواقع عسيراً. إن تفسير «نازلة» انصراف بقايا اليسار العربي عن مسألة العدالة الاجتماعية بردّه إلى زوال الاتحاد السوفياتي وانهيار «المشروع الاشتراكي» لا يملك أن يفسّر - مثلاً- لماذا فقد اللليبراليون العرب السلطة - التي كانت لهم جزئياً في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين الماضي - من دون أن يتراجعوا عن عقيدتهم الليبرالية وعن مطالبهم في الحرية والدستور والديمقراطية؟ ولماذا فقد القوميون العرب السلطة بعد رحيل جمال عبد الناصر، ثم بعد احتلال العراق، من دون أن يتراجعوا عن مبادئهم القومية والتحررية وعن دفاعهم العريق عن خيار الوحدة العربية؟ إن شيئاً ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن فكرة الاشتراكية لم تكن راسخة في وعي من حملوها، وإلا ما انهارت بهذه السرعة... وبهذه الصورة الدرامية! أخطأ اليسار العربي مرّتين وكان الخطأ في المرتين من نوع الأخطاء القاتلة التي لا تقبل التصويب إلا بالعودة عنها. أخطأ جيله الأول (الشيوعي) حين اتخذ موقفاً سلبياً ومخجلاً من المسألتين الوطنية والقومية،أي حين أيّد قرار تقسيم فلسطين تنفيذاً لتعليمات سوفياتية، وحين ناهض فكرة الاستقلال الوطني عن الاحتلال الأجنبي إلى حين «تتحرّر» البروليتاريا في الدول المستعمرة! (وذلك كان حال الأحزاب الشيوعية في بلدان المغرب العربي)، ثم حين ناهض فكرة الوحدة العربية وهاجم الداعين إليها ونَظّر لوجود أمم عربية (الحزب الشيوعي السوري)! وكان ثمن هذه الخطايا فادحاً، إذ نُظر إلى الشيوعيين كعملاء لموسكو وكأقلية مناهضة لقضايا الوطن والأمة ممّا انعكس على شعبيتهم وعلى دورهم في الحياة السياسية. وها هو الجيل الثاني (والثالث) من اليسار يرتكب الخطأ نفسه بتراجعه عن المسألة الاجتماعية وتحوّله إلى الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وهكذا من إسقاط حقوق الوطن إلى إسقاط حقوق الناس الاجتماعية يقطع اليسار رحلة التيه في الأفق المجهول، والأنكى من ذلك أنه ما زال يحسب نفسه يساراً!

انتخابات


8.2.09

معرض صور عن الحركة الطلابية في لبنان

لرفاقنا الشباب في الوطن الكبير , لا تتعصبوا ,لا تنساقوا ,انتم قوة التغيير في المجتمع , تعصبوا للقضية الحقة ,للخير ,لمجتمع افضل . وكونوا الامل للاجيال التي سبقتنا والجسر للاجيال التي ستلحقنا..

ورقة من غرة - قصة ناديا

غسَّان كنفاني

في عام ١٩٥٦ كتب الشهيد غسَّان كنفاني قصته الرائعة "ثلاث أوراق من فلسطين". كانت جراح النكبة ما تزال تزرعُ في الأرض العربية المرارة والحزن، وتزرعُ إلى جانب ذلك بذور الثورة والتمرد على الفاجعة. وهذا مقطع من تلك الأوراق يصور فيه الكاتب في قالب رسالة بداية الشعور بالمسؤولية التاريخيَّة، بداية المقاومة العربيَّة التي حملت السلاح لتنقذَ الأرضَ والأطفالَ، وتختم قصة أبشع جريمة ارتُكِبتْ بحق الأرض والأطفال في تاريخ الإنسان.


عزيزي مصطفى:
تسَلَّمتُ رسالتَكَ الآن، وفيها تُخبرُني أنَّكَ أتْمَمْتَ لي كُلَّ ما أحتاجُ إليهِ لِيدعمَ إقامتي معك في جامعةِ "كاليفورنيا". لا بُدَّ لي يا صديقي من شكرِكَ. لكنْ، سيبدو لكَ غريباً بعضَ الشيءِ أنْ أحْمِلَ إليكَ هذا النبأ. وثقْ يا مصطفى أنني لا أشعرُ بالتردُّدِ أبداً، بل أكادُ أجزِمُ أنني لم أرَ الأمورَ بهذا الوضوحِ أكثرَ مني الساعةَ. لا، يا صديقي.. لقد غيَّرتُ رأي، فأنا لن أتْبعكَ إلى حيثُ "الخُضرةُ والماءُ والوجهُ الحَسَنُ" كما كتبتَ، بل سأبقى هنا، ولن أبرحَ أبداً.

عندما أخذتُ إجازتي في حَزيرانَ، وجمعتُ كلَّ ما أملُكُ توقاً إلى الإنطلاقةِ الحلوةِ، إلى هذه الأشياء الصغيرةِ التي تُعطي معنىً لطيفاً مُلوَّناً، وجدْتُغَزَّةَكما تَعهدُها تماماً، بأزقَّتِها الضيقةِ، ذاتِ الرائحةِ الخاصة، وبيوتِها ذواتِ المشارفِ الناتئةِ. هذه غَزَّةُ. لكن، ما هذهِ الأمورُ الغامضةُ، غيرُ المحدّدةِ، التي تجذُبُ الإنسانَ لأهلهِ، لبيتهِ، لذكرياتهِ، كما تجذبُ النبعةُ قطيعاً ضالاًّ من العول؟ لا أعرفُ. كلٌُ الذي أعرفُ أنني ذهبتُ إلى أمي في دارِنا ذلكَ الصَّباحَ. وهناكَ قابلَتْني زوجةُ المرحوم ساعةَ وصولي، وطلبتْ إليَّ، وهي تبكي، أن ألبّيَ رغبة نادية، ابنتِها الجريحِ في مستشفى غَزَّةَ، فأزورها ذلكَ المساءَ. أنتَ تعرفُ ابنةَ أخي الجميلةَ، ذاتَ الأعوامِ الثلاثةَ عشرَ.


في ذلكَ المساءِ اشتريتُ رطلاً من التُفّاحِ، وَيَمَّمتُ شطْرَ المستشفى أزورُ نادية. كنتُ أعرفُ أنَّ في الأمرِ شيئاً أخْفتْهُ عني أمي وزوجةُ أخي، شيئاً لم تستطيعا أن تقولاه بألسنتِهما، شيئاً عجيباً لم أستطعْ أن أحدِّدَ أطرافه البتَّة. لقد اعتدتُ أن أحبَّ نادية. اعتدتُ أن أحبَّ كل ذلكَ الجيلِ الذي رضعَ الهزيمة والتشرُّدَ إلى حدٍّ حسبَ أنَّ الحياةَ السعيدةَ ضربٌ من الشذوذِ الاجتماعي.
ماذا حدثَ في ذلكَ الساعة؟ لا أدري.

لقد دخلتُ الغرفةَ البيضاء بهدوءٍ جمٌٍ. إنَّ الطفلَ المريضَ يكتسبُ شيئاً من القداسة، فكيفَ إذا كان الطفلُ مريضاً إثرَ جراحٍ قاسيةٍ مؤلمةٍ؟

كانت نادية مستلقيةً على فِراشِها، وظهرُها معتمدٌ على مسندٍ أبيضَ انتثَرَ عليه شعرُها كفروةٍ ثمينةٍ. كان في عينيها الواسعتينِ صمتٌ عميقٌ، ودمعةٌ هي أبداً في قاعِ بُؤبُئِها الأسودِ البعيدِ، وكان وجهُها هادئاً ساكناً، لكنَّهُ مُوحٍ كوجهِ نبيٍّ مُعَذَّب.

ما زالت نادية طفلةً.. لكنها تبدو أكثرَ من طفلةٍ، أكثرَ بكثيرٍ وأكبرَ من طفلةٍ، أكبرَ بكثيرٍ.
ـ ناديةً !
لا أدري، أأنا الذي قلتُها، أم إنسانٌ آخرُ خلفي؟ لكنها رفعت عينها نحوي، وشعرتُ بهما تُذيباني كقطعةٍ من السكر سقطتْ في كوبِ شايٍ ساخن. ومع بسمتها الخفيفة سمعتُ صوتَها:
ـ عمي وصلتَ من الكويت!
وتكسَّرَ صوتُها في حنجرتِها، ورفعتْ رأسَها متكئةً على كفيها، ومدَّتْ عُنقها نحوي، فربَّتُ على ظهرِها، وجلستُ قُربَها:
ـ ناديةً ! لقد أحضرتُ لكِ هدايا من الكويت، هدايا كثيرةً سأنتظركِ إلى حين تنهضينَ من فراشكِ سالمةً معافاةً، وتأتين داري فأسلِّمكِ إياها. ولقد اشتريتُ لكِ البنطالَ الأحمرَ الذي أرسلتِ تطلبينهُ مني. نَعمْ.. لقد اشتريتُهُ.

كانت كذبةً ولَّدَها الموقفُ المتوترُ. وشعرتُ وأنا ألفظُها كأنني أتكلَّمُ الحقيقةَ أولَ مرَّة. أمّا نادية فقد ارتعشتْ كمن مسَّهُ تيٌارٌ صاعقُ. وطأطأتْ رأسَها بهدوءٍ رهيبٍ، وأحسستُ دمعَها يُبلِّلُ ظاهرَ كفيّ:
قولي يا نادية.. ألا تُحبين البنطالَ الأحمرَ؟

ورفعتْ بصرَها نحوي، وهمَّتْ أنْ تتكلمَ. لكنَّها كفَّتْ، وشدَّتْ على أسنانها. وسمعتُ صوتَها مرةً أخرى من بعيد:
يا عمِّي!

ومدَّتْ كفَّها، فرفعتْ بأصابعها الغطاء الأبيضَ، وأشارت إلى ساقٍمبتورةٍ من أعلى الفخدِ..

يا صديقي!

لن أنسى ساقَ نادية المبتورةَ من أعلى الفَخِذِ. لا، ولن أنسى الحزنَ الذي جلَّلَ وجهَها، والدمعَ في تقاطيعه الحلوةِ إلى الأبدِ. لقد خرجتُ يومئذٍ من المستشفى إلى شوارعِ غَزَّةَ وأنا أشدُّ باحتقارٍ صارخٍ على "الجُنيهين" الّلذين أحضرتُهُما معي لأعطيَ نادية إياهما. كانت الشمسُ الساطعةُ تملأ الشوارعَ بلون الدَّمِ. كانت غَزَّةُ، يا مصطفى، جديدةٌ كلُّ الجدَّةِ. لم نرها هكذا قطٌّ أنا وأنت. غَزَّةُ هذه التي عشنا فيها، ومع رجالِها الطيبين، سبعَ سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً. كانت تلوحُ لي أنها بدايةٌ.. بدايةٌ فقط. لا أدري لماذا كنتُ أشعرُ أنها بدايةٌ فقط. كنتُ أتخيَّلُ الشارعَ الرئيسَ الذي أسيرُ فيهِ عائداً إلى داري لم يكن إلاّ بدايةً صغيرةً لشارعٍ طويلٍ يصلُ إلى صفَدَ. كلُّ شيء كان في غَزََّةَ هذهِ ينتفضُ حزناً على ساق نادية المبتورة، حُزناً لا يقفُ على حدودِ البُكاءِ. إنّهُ التحدِّي. بل أكثر من ذلك. إنّهُ شيءٌ يُشبهُ استردادَ الساقِ المبتورة!

لقد خرجتُ إلى شوارع غَزَّةَ. شوارعُ يملؤها ضوءُ الشمسِ الساطع. لقد قالوا لي: إن نادية فقدتْ ساقَها عندما ألقتْ بنفسِها فوقَ إخوتِها الصغار تحميهم من القنابلِ واللهبِ، وقد أنشبا أظفارهما في الدار. كانت ناديةُ تستطيعُ أن تنجو بنفسِها.. أن تهربَ.. أن تُنقذَ ساقَها. لكنها لم تفعل. لماذا؟
لا، يا صديقي، لن آتيَ إلى "كاليفورنيا"، وأنا لستُ آسفاً البتَّةَ. هذا الشعورُ الغامضُ الذي أحسستهُ وأنتَ تغادرُ غَزَّةَ.. هذا الشعورُ الصغيرُ يجبُ أن ينهضَ عملاقاً في أعماقكَ، يجبُ أن تبحثَ عنهُ كي تجدَ نفسكَ، هنا بين أنقاضِ الهزيمةِ.

لن آتيَ إليكَ.. بل عُدْ أنتَ إلينا. عُدْ لتتعلَّمَ من ساقِ نادية المبتورةِ ما الحياةُ؟ وما قيمةُ الوجود؟
عُدْ يا صديقي. . فكلنا ننتظركَ.