10.2.09

المسألة الاجتماعية أو رأسمال اليسار المهدور



اليسار يقطع رحلة التيه في الأفق المجهول
د. عبد الاله بلقزيز

ما كان من رأسمال لليسار العربي أرفع قيمة وأجزل عطاء على الصعيد المعنوي من المسألة الاجتماعية.
بها عن غيره تميّز وتفرّد، ولها صرف الشّطر الأعظم من زمنه النضالي والتضحيات،حتى أنه ما عرّف - حين عرّف - إلا بها، وما أتى أحد على ذكرها إلا مقترنة باسمه. حال اليسار في هذا الاقتران الماهويّ بالمسألة الاجتماعية حال التيار الليبرالي مع مسألتي الحرية والديمقراطية، وحال التيار القومي مع مسألة الوحدة العربية، ثم حال التيار الإسلامي مع مسألة الهوية والأصالة. الفارق الوحيد اليوم أن الليبراليين ما تخلّوا عن المسألة الديمقراطية (وإن كان بعضهم لا يضيره أن تأتي صناديق الاقتراع محمولة في ركاب دبابات الاحتلال!)، وأن القوميين ما تخلّوا عن مسألة الوحدة (وإن كان لا يضير بعضهم أن تحمل بشائرها على أسنّة رماح الإسلاميين)، أما اليسار (الاشتراكي والشيوعي)، فتخلّى المعظم الأغلب من أحزابه وتنظيماته عن المسألة الاجتماعية التي لم يعد يؤتى على ذكرها في برامجه السياسية وأدبياته الحركية وخطابه الإعلاميّ، وإن حصل ذلك، فلرفع العتب... وفي النادر ما حصل والنادر لا حكم له.

لا بدَّ - هنا - من بعض الأمانة في التعيين وفي الحكم على كلّ فريق في اليسار حتى لا تضيع الموضوعية في شعاب الأحكام العامة. ثمة من تراجع لديه الاهتمام بالمسألة الاجتماعية ظنّا» منه بأن أمّ المسائل اليوم هي المسألة الديمقراطية. إذ لمّا كان تحقيق العدالة الاجتماعية - أو الاشتراكية - لم يعد يمرّ من طريق التغيير الثوري، على نحو ما كان اعتقاده قبل عقدين، وإنما من طريق التغيير الديمقراطي، فقد وطن في الأذهان أن جبهة المعركة انتقلت من ميدان الحقوق الاجتماعية للكادحين الى الحقوق السياسية للمواطنين. وثمة من طوى صفحة المسألة نهائياً»، ومعها أصحابها أيضاً (الطبقات الكادحة)، منصرفاً إلى مديح الليبرالية الاقتصادية وقيم المنافسة والملكية الخاصة، حتى من دون أن يبرّر لنفسه - قبل غيره - لماذا انتقل هذه الانتقالة الدراماتكية من عقيدة في السياسة إلى أخرى تناقضها. وثمة فريق ثالث تفرّغ لماضيه اليساري - ولمن بقي من الناس متمسكاً ببعض مواقفه - بالقدح والتقريع والجلد، ممارساً طقوس الاعتذار عنه أمام من كان لا يليق به - في ما مضى - حسبانهم في جملة مخاطبيه.

إن المرء ليحار فعلا» في فهم الأسباب الحاملة هذا اليسار العربي على الانصراف عن المسألة الاجتماعية، كلاًّ أو معظماً، والانصراف إلى غيرها من مسائل ليس له فيها سابقة عطاء وتقدمة: في الفكر وفي الممارسة على السواء. ولست أحسب من الوجاهة في التعليل ردّ الأمر إلى ما أصاب المشروع «الاشتراكي» العالمي من نكسة فادحة بانهيار ركيزته الكيانية والسياسية من نظام سوفياتي ومن ردائف له في شرق أوروبا، إذ الذي أصاب دولة/دولاً ومشروعاً سياسياً وأنهى عهدها، ما أنهى مشروعية مطلب وهدف العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وإنصاف الكادحين في حقوقهم الاجتماعية والحدّ من التفاوت الطبقي الفاحش في المجتمع، حتى لا نقول إنه رفع من معدّل الحاجة إلى التشديد على المطلب هذا بعد أن استعادت الرأسمالية مناطق من العالم فقدت سلطانها عليها منذ ثورة 1917 إلى الثورة المضادة لـ«البريسترويكا» قبل عقدين، ثم بعد أن تغوَّلت الرأسمالية أكثر فأكثر في طورها العولميّ الراهن وباتت أشدّ وحشيّة وأقلّ إنسانية وأخلاقية من ذي قبل. ففي النفس بعض اليقين (قل حتّى بعض الظّنّ) بأن الأهداف والقيم الكبرى لا تمّحي من الوجود لمجرّد أنه لا يوجد نظام سياسي يحميها أو يحدب عليها أو يتعهّدها بالرعاية: هذا على فرض أن المعسكر السوفياتي كان يفعل ذلك حيال هدف العدالة الاجتماعية، ولست شخصياً ممّن يذهبون هذا المذهب. الأفكار الكبرى لا تحملها النّظم السياسية الحاكمة، ولا هي تزول بزوال هذه، وإنما تحملها النخب الفكرية والنضالية والحركات الاجتماعية، وهي التي تكرّس بقاءها في التاريخ حتى وإن كان منالها في الواقع عسيراً. إن تفسير «نازلة» انصراف بقايا اليسار العربي عن مسألة العدالة الاجتماعية بردّه إلى زوال الاتحاد السوفياتي وانهيار «المشروع الاشتراكي» لا يملك أن يفسّر - مثلاً- لماذا فقد اللليبراليون العرب السلطة - التي كانت لهم جزئياً في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين الماضي - من دون أن يتراجعوا عن عقيدتهم الليبرالية وعن مطالبهم في الحرية والدستور والديمقراطية؟ ولماذا فقد القوميون العرب السلطة بعد رحيل جمال عبد الناصر، ثم بعد احتلال العراق، من دون أن يتراجعوا عن مبادئهم القومية والتحررية وعن دفاعهم العريق عن خيار الوحدة العربية؟ إن شيئاً ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن فكرة الاشتراكية لم تكن راسخة في وعي من حملوها، وإلا ما انهارت بهذه السرعة... وبهذه الصورة الدرامية! أخطأ اليسار العربي مرّتين وكان الخطأ في المرتين من نوع الأخطاء القاتلة التي لا تقبل التصويب إلا بالعودة عنها. أخطأ جيله الأول (الشيوعي) حين اتخذ موقفاً سلبياً ومخجلاً من المسألتين الوطنية والقومية،أي حين أيّد قرار تقسيم فلسطين تنفيذاً لتعليمات سوفياتية، وحين ناهض فكرة الاستقلال الوطني عن الاحتلال الأجنبي إلى حين «تتحرّر» البروليتاريا في الدول المستعمرة! (وذلك كان حال الأحزاب الشيوعية في بلدان المغرب العربي)، ثم حين ناهض فكرة الوحدة العربية وهاجم الداعين إليها ونَظّر لوجود أمم عربية (الحزب الشيوعي السوري)! وكان ثمن هذه الخطايا فادحاً، إذ نُظر إلى الشيوعيين كعملاء لموسكو وكأقلية مناهضة لقضايا الوطن والأمة ممّا انعكس على شعبيتهم وعلى دورهم في الحياة السياسية. وها هو الجيل الثاني (والثالث) من اليسار يرتكب الخطأ نفسه بتراجعه عن المسألة الاجتماعية وتحوّله إلى الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وهكذا من إسقاط حقوق الوطن إلى إسقاط حقوق الناس الاجتماعية يقطع اليسار رحلة التيه في الأفق المجهول، والأنكى من ذلك أنه ما زال يحسب نفسه يساراً!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق