‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر و أدب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر و أدب. إظهار كافة الرسائل

21.3.09

الى امي

نهدي قصيدة محمود درويش "الى امي" الى كل الامهات في العالم .. و لا ننسى امهات الشهداء .. كل الشهداء

أحنُّ إلى خبز أُمي
وقهوةِ أُمي
ولمسةِ أمي ....
وتكبرُ فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدر يومِ
وأعشق عمري لأني
إذا مُتُّ ،
أخجل من دمع أُمي !
خذيني ، إذا عدتُ يوماً
وشاحاً لهُدْبكْ
وغطّي عظامي بعشب
تعمَّد من طهر كعبكْ
وشُدي وثاقي .. بخصلة شَعر ..
بخيطِ يلوِّح في ذيل ثوبكْ ..
عساني أصيرُ طفلا
طفلا أصيرُ ...
إذا ما لمستُ قرارة قلبك !
ضعيني ، إذا ما رجعتُ
وقوداً بتنور ناركْ ..
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدتُ الوقوفَ
بدون صلاة نهارك
هَرِمْتُ ، فردّي نجوم الطفولة
حتى أُشارك
صغار العصافير
درب الرجوع .. لعُش انتظاركِ

15.3.09

طلال يحفوفي
كم كنت كبيرا في رحم أمي :
كنت شمس المجرة ..
قمر الكواكب …
و كانت كلها طوع حبل سرتي ..
* * * * * *
صرت رقما كبيرا داخل المنزل ،
اصغر في الحي ،
اقل في المدرسة ، المدينة ، الوطن
* * * *
يوم صار العالم قرية صغيرة :
تحولت نهارا ذبابة تحوم حول البقايا ،
ليلا خلدا يفترش الملاجئ ..
صرت نملة تتقافز بين الأحذية العسكرية
* * * *
داخل العلبة الأسمنتية التي لا تدخلها الشمس ،
صار التلفاز نظارتي ،
فقاقيع الذرة علفي ..
فأنا قطعة من اللحم السريع التحضير ،
أتمدد على بطني ،
بين قبتين من الدقيق المخبوز ..
بانتظار " اليانكي "

3.3.09

بين المثقّف والأديب

يصادف في هذه الايام رحيل الروائي و المترجم والناشر "سهيل ادريس" مؤسس "مجلة الاداب" . نضع بين يدي القارىء مساهمة سماح ادريس في التكريم الذي اقامته وزارة الثقافة المغربية للراحل.

سماح إدريس*

يخيَّل إليَّ أنّ الصفةَ الأبرز في سهيل إدريس هي صفةُ المثقّف الملتزم بقضايا مجتمعه. بل إنّ مجمل إنتاجه في الرواية والقصة والترجمة والتأليف المعجميّ، وفي ميدان النشر، وفي «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» و«الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب» و«الاتحاد العام لأدباء آسيا وأفريقيا»... كان الحافزُ الأوّلُ إليه الالتزامَ بتطوير المجتمع العربي في اتجاه الحريّة والوحدة والعدالة.
لنبدأ من زيارته إلى باريس مطلع الخمسينيات. صحيحٌ أنه ذَهَبَ لنيل درجة الدكتوراه من السوربون، ولتنشّقِ نسائم التفلّت الاجتماعي من قيود المجتمع العربي؛ إلا أنّه حرص، في قلب باريس نفسها، على اكتساب الوعي السياسي. فكان أن التقى بعدد من المثقفين العرب ــ وكثيرٌ منهم ينتمون إلى حزب البعث ــ الأمرُ الذي أسهم في تكوّن وعيه القوميّ. ولا ريب في أنّ قارئ روايته الأولى «الحيّ اللاتينيّ» (1953)، لن يفوتَه أنّ شخصيّة فؤاد (القومي العربي) ترخي بظلالها على هذا العمل برمته، وتَرسم للبطل خياره: العودة إلى لبنان والعمل من هناك على تطوير المجتمع العربي واستقلاله.
وإذا انتقلنا إلى مجلة «الآداب»، برز لنا قوله في افتتاحيته الأولى (1953): «تؤمن المجلة بأن الأدب نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة هي غاية الأدب الفعال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثِّرُ فيه بقدر ما يتأثر به». ويضيف أنّ على الأدب، كي يكون صادقاً، ألّا يكون منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه.
فإذا عرجنا إلى ترجماته الأولى، وبخاصة ترجمته للفكر الوجودي، لفتنا اعترافه بأنّ اهتمامه بترجمة هذا الفكر «نابعٌ من اهتمام كبارهم، ولاسيما سارتر، بالنضال القوميّ». ويُضيف في حواره مع يسري الأمير («الآداب»، 10، 2000) أنّ ما حفّزه على حب سارتر كان موقفه الشاجبَ للاحتلال الفرنسي للجزائر، وأنه «كان طبيعياً بعد ذلك أن أحب هذا الكاتب، وأن أترجم عدداً من مؤلَّفاته، وقد كنت أطمع إلى أن نكتسب هذا المفكر العالمي إلى صفنا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين». ولعلنا نتفهم بعد ذلك، ندمه على ترجمة سارتر بعد زيارته الكيان الصهيوني.
وإذا انتقلنا إلى معجم «المنهل» الفرنسي ــــ العربي، فسنرى أن هذا العمل نفسه قد كان ثمرة شعور إدريس بلا جدوى الكتابة الإبداعية عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967. لقد هالَه مقدار الأكاذيب التي روجت نصر العرب قبيل النكسة الماحقة، فاكتشف أنّ «السبيل الأفضل للتصدي والمقاومة» بعد تلك النكسة «إنّما هو سبيلُ اللغة ووعينا الحقائق والمفاهيم لسانياً قبل كل شيء»! وقد فتح المجال في مجلة «الآداب» لمواصلة الاحتجاج: فكان «بيانُ 5 حزيران» لأدونيس، و«هوامش على دفتر النكسة» لنزار قباني، وعشراتُ المقالات ـــ المباضع في جسد الهزيمة.
بيْدَ أنّ أكثر ما كتبه سهيل كان مقالاته في مجلة «الآداب»، وفيها تتخلق نظرية متكاملة في الالتزام، قوامها عناصر خمسة: أولاً، المواكبة والشهادة؛ ففي رأيه أنّ على الأديب والمثقف أن يكون شاهداً على عصره وكاشفاً لمعاني أحداثه. ثانياً، التغيير؛ فدور الأديب والمثقف هو تغيير المجتمع العربي باتجاه الوحدة والحرية والاشتراكية. ثالثاً، رفض الهتاف والدعاية في الأدب الملتزم، بل العمل على إرهاف نواحيه الفنية. رابعاً، نبذ الإلزام الحزبي والسلطوي؛ فإدريس لا يؤمن بعبارة «واجبات المثقف» لأنّها توحي بأنّ هناك «إلزاماً له بأن يقوم بعمل ما»، في حين أنّ الكاتب الحقيقيّ «لا يلتزم إلّا بضميره ووعيه». خامساً، إنكار تقديم الحريات الديموقراطية على مذبح المشاريع القومية.
ولكن كيف يوفِّق الأديب بين مواكبة الحدث، وإرهاف الناحية الفنية التي تتطلّب وقتاً طويلاً؟ تلك مسألة أقضّت مضجع سهيل. وكان أن أَوجَد تمييزاً طريفاً بين الحدث من جهة، والزمن من جهة أخرى: «فإذا لم يتمكن الأثر الأدبي الذي يعقب الحدث من أن يكون له تأثير في هذا الحدث، فإنّه مُطلق الطاقة والقدرة لممارسة هذا التأثير في أحداث لاحقةٍ قد تُشبه هذا الحدث أو لا تشبهه». مبدأ الالتزام هو المهم إذاً، لا توقيته، وفي هذا التمييز ردّ على من يدين الالتزام جزافاً فيحصره بالانفعال الآني.
غير أنّ سهيلاً لا يريد من الأديب والمثقف أن يصمت حين تقع «الأحداث»، ولا سيَّما إذا كانت من نوع مقاومة بورسعيد أو هزيمة حزيران أو مجزرة أيلول. فكيف التوفيق وتلك الأحداث من الكثرة بحيث تكاد تأتي على كامل التاريخ العربي المعاصر... وكامل وقت المثقف لو شاء الالتزام بها؟ أطرح هذا السؤال وفي بالي أنّ سهيلاً، بالإضافة إلى عمله الأدبي والنشري والمعجمي والترجمي، تولى رئاسة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» أربع دورات، أي ما مجموعه عشر سنوات، رسم لنفسه خلالها مهمات أساسية: الدفاع عن الوحدة العربية، وعن حرية التعبير، وعن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. وقد دفعه ذلك إلى خوض المعارك، وإصدارِ البيانات، وحشد «المناصرين»... وكلها مشاغل لا تترك للأديب مجالاً واسعاً لإرهاف فنّه.
وأحسب أنه عاش طوال عمره نزاعاً داخلياً مريراً بين شخصية الأديب، وشخصية المثقف. فالمثقف يدعوه إلى الحركة، والتحريض، والصراخ، وتصدُّر التظاهرات، وعقد الاجتماعات، وتسطير البيانات والافتتاحيات. والأديب يهتف به أن اجلس، تأمَّل، اهدأ، هذِّب، تخيَّل، اشطُب، وسّع. ولم يكن إدريس من طبيعة تَهرب من المعارك، ولذا فضَّل في أكثر سنوات عمره أن يُغلِّب صورةَ المثقف على صورة الأديب. ذلك أنه لم يُطق الصمت والجلوس طويلاً، حتى حين انكبَّ على العمل المعجمي الأول (المنهل) بين عامي 1967 و1970.
والحق أنّ سهيل إدريس لم يَصمُت حتّى بعد رحيله! وهو سيَبرز قريباً أمام قرّائه مثقفاً وأديباً ولغوياً ونهضوياً، بكلّ ما لهذه الكلمات من معنى، مع صدور قاموسه الجديد، المنهل العربي ــــ الفرنسي الذي تعمل عايدة ورنا على إنجازه في أبهى صورة (وكان الشهيد د. صبحي الصالح قد شارك فيه جزئياً). ثم يصدر قاموسه الأضخم، المنهل العربي ـــ العربي، في سبعة آلاف صفحة كبيرة، وهو عمل شَرَّفني بأن أسهم فيه منذ سنة 1985 إلى جانبه وإلى جانب الشهيد الصالح. وسهيل ما يزال إلى جانبي، حتى اللحظة، في عملي هذا. وإليكم هذه الحادثة التي جرَتْ معي قبل يومين. فقد اتّصلت أحلام مستغانمي بأختي رائدة لتسألها إن كنت أتذكر صَدْر بيت المتنبي الذي عَجُزُه هو التالي: «وما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ». حاولتُ أن أتذكر، فلم أُفلح. عدتُ إلى عملي الذي أعكِفُ عليه منذ ثلاثة شهور، وهو ضبط ما أنجزه سهيل بخط يده من حرف الهاء. وفجأةً، رأيتُ سهماً، بخطّ سهيل، يُشير إلى نهاية الصفحة، حيث كلمةُ «هوان». وهناك قرأت: «مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عَلَيْهِ/ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ»!
لم تخذلني يا صديقي الأعزّ مرّةً، لا في حياتك، ولا بعد رحيلك الجسدي.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»

تصبحون على وطن...

رامي سلامي

في بلادي، نولد كلَّ يوم على قَارعة الطريق، نحمل عذاباتنا بطاقة هويَّة، وتقذف بنا الأقدار إلى مصيرنا الرمادي..
في بلادي، نتسوَّل وطناً طَوالَ النَّهار، ونرجع في المساء بلا وطن..لا تسَلني كيف نعيش، لعلَّ الموتَ يشفق علينا أو يهرب منَّا ألف مرَّة في اليوم.
نرجع في المساء حفاةً جياعاً إلى حيث انطلقنا، ونراقب بكسلٍ سقوط الشَّمس في هاوية المجهول. تصفعنا عتمة اللَّيل، ويقرصنا البرد في عيوننا. لا يبقى لنا إلا الله، وحسبنا الله وإن اختلفنا فيه..
يمدُّنا بقنديل أمل نشعله بزيت قلوبنا، ونستمع بخشوع إلى بوح قمر عاشق لغيمة مطر عابرة، فنتخيَّل فيها شبحَ وطن لم نرَه إلاَّ في أوطان غيرنا..
ثم تؤول كل الأشياء من حولنا إلى سواد، حتى لون الأمل وبوح القمر.

نلتهم جوعنا على عجل ونحاول أن نغفو.
في وحشة اللَّيل، نسمع صراخ سعالنا فيدرك كلٌّ منَّا أنَّه ليس المشرَّد الوحيد في هذا الوجود. نحاول اقترافَ جريمة الكلام، فتشيخُ في فمنا الكلمات وتخرَف، ويخنقُ حناجرَنا الصدأُ من طول ما هجرتها أغنيات الطفولة.
نغرق في شبر من النَّوم، ونعلك حلماً واحداً احترفناه من ألف عام، لا تتغير فيه إلا اللَّحظة التي نُمنَى فيها بهزيمتنا اليوميَّة، حين تمَسُّ أجسادَنا حرارة ُالشَّمس ببرودةٍ مخيفة..
في بلادي لا نغسِل وجوهنا عند الصَّباح، فلعلَّ بها بريقاً من أمل نخاف عليه أن يزول..
لا تسلني تفصيلَ ما نحلمُ كلَّ ليلةٍ من ألف عام. لا نكاد نذكر شيئاً عند الصَّباح، كأنَّ لنا ذاكرةً من نعاس تتسلَّل إلينا في اللَّيل، و تبدأ بالهروب مع طلوع الفجر..
نعم، يحدث أن يزورنا في أحلامنا طفل عجيب، تِربٌ لنا لا نراه إلاَّ نادراً، اعتدنا أن نسمَّيه «حنظلة» رغم حلاوة خفيَّة في مرارة ما يقول.
حنظلة هذا زوَّادة الدفءِ في حلمنا البارد، يقول لنا بعد توزيع الحلوى وقطع الأمل، تعالوا لأروي لكم عن فلسطين..
يحكي لنا حكايات ننتبه فجأة إلى أنها حكاياتنا. ينقل لنا حمّىً تنتابنا من المحيط إلى الخليج، كلَّما اغتسلت زنبقة أمل بدموع طفل في غزَّة، أو فاحت زهرة ليمون بعبق الشَّهادة في بيَّارة وجعنا الذي لا نعرف له حدّا ولا نهاية.
يعلمنا الشِّعر والحبَّ والثَّورة، وأبجديَّة العروبة ...
يحكي لنا عن أبيه ناجي العلي، وعن أمِّه بيروت. يسمِّي لنا أمَّهاتنا اللَّاتي لم نرَهنَّ واحدةً واحدة، ويروي لنا قصَّة استشهادِ آبائنا..
يحكي لنا باللَّهجة الجنوبيَّة قصَّة قانا وأخواتِها، وباللَّهجة العراقيَّة الحزينة قصَّة سقوط بغداد وقصَّة حذاءٍ صارَ أشهرَ من حذاءِ «سندريلاَّ».
ولاينسى أن يقرأ لنا كلَّ مرَّة قصيدةً من قصائدِ محمود درويش..
عجيب هذا الصَّبيُّ، يجيد كلَّ لهَجَاتِنا، ويعرف كلَّ جهاتِنا ويحفظُ كلَّ تواريخِنا...ويكرهُ كلَّ حكَّامِنا!!
نعم، يحدث أن يزورنا حنظلة، وقبل أن يغادرنا في عتمة اللَّيل تطلُّ من بين كتفيه هالة من نور، تمطرُنا أشعَّةً دافئةً تخترق جليد عيوننا وتَخِز وعينا النَّائم فيستفيق..
نتثاءَب قليلاً، نودِّعه ... يديرُ لنا وجهه للمرَّة الأخيرة ويقول: ناموا الآن بسلام..
تصبحون بخير..تصبحون على وطن.

الرأي الأخر


28.2.09

إلى المرحوم والد الولايات المتحدة

"الكتابة عمل انقلابي" هي مجموعة مقالات نشرت في مجلة "الاسبوع العربي" خلال اعوام 1973,1974,1975 . ننشرها في هذه المدونة لما فيها من افكار قيمة تستحق الاطلاع.

نزار قباني
تتصرف أميركا مع العرب في هذه الأيام الأخيرة كما لو كانوا من مخلفات المرحوم والدها .. ونحن لا نعرف عن المرحوم والد الولايات المتحدة الأميركية، ولا نعرف شيئاً عن حسبه .. ونسبه .. وشجرة عائلته .. ولا نتذكر أنه ترك مالاً أو عقاراً أو ذرية من البنين والبنات في أرض الحجاز، أو في الكويت ، أو في كركوك .. كما لا نتذكر أن المرحوم .. صاهرنا، أو ناسبنا ، أو تزوج أمنا فصار عمنا .. بحيث يسمح لنفسه بالتدخل في شؤوننا المنزلية، وقضايانا العالية .. بما في ذلك عدد الأرغفة التي نأكلها، وأجرة المنزل الذي نسكنه، وشكل الزوجة التي سنتزوجها، وأسماء الأولاد اللذين سنرزق بهم .. ثم نحن لا نتذكر أن المرحوم والد الولايات المتحدة الأمريكية، كانت له تجارة في قديم الزمان مع عبد المطلب وهاشم، وقريش ، حتى يأتي بعد ألفي عام ليحاسبنا على ثمن الجياد العربية التي ربيناها .. وأشجار النخيل التي زرعناها .. وبراميل النفط التي بعناها .. لذلك فوجئنا بالرئيس الأميركي، حين صعد إلى منصة الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، وأفهمنا بغير مجاز ولا تورية .. أنه لن يسمح لحفنة من البدو .. ينقعون أرجلهم في بحر من البترول أن يهدموا حضارة العالم ...
أما أن نكون بدوا .. فذلك امتياز كبير، وعلامة تفرد لنا في هذا العصر الذي أصبح فيه التمدن معادلاً للتقل، والانتحار، والهيرويين، والرعب النووي، والتلوث ..
إن البداوة شجرة تنبتها الصحراء، وهي في ذروة صفائها الروحي، وفي أحسن لحظات الوجد والتصوف والمكاشفة مع النفس. والبدوي هو هذا الإنسان الذي تتجلى فيه أخلاق النخلة ، وارتفاع قامتها، وعنفوانها، وكرمها، وفيض مروءاتها .
أما أننا ننقع أرجلنا في آبار الظهران، والأحمدي ، وكركوك، فذلك حق طبيعي يمارسه كل من يملك حماما في منزله ..
ولو أن العرب نقعوا أرجلهم في نهر المسيسيبي ، أو نهر الهودسون، أو أخذوا ( دوشاً) في مسبح من مسابح فلوريدا .. لكانت الولايات المتحدة على حق في صراخها واحتجاجها .. أما أننا نعمل على تخريب الحضارة وإسقاطها . فهو كلام سائب .. ويحتاج إلى حوار هادئ وصريح .
قبل كل شيء نريد أن نتفق مع الرئيس الأميركي على مفهوم كلمة حضارة .. نحن نفهم من الحضارة كل جهد يهدف إلى الإرتفاع بمستوى البشر، وتحقيق أفضل الشروط الإنسانية لهم .
فالحضارات اليونانية، والهندية، والصينية، والفرعونية، والبابلية ، والفينيقية، والعربية ، حضارات استحقت اسمها لأنها قدمت ل لإ نسان عصارة عقلها وفلسفتها وفنونها، وأضاءت له طريق الخير والمعرفة والسعادة .
وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار التفوق الصناعي والتكنولوجي في الولايات المتحدة، وأوروبا، تفوقاً حضاريا أو حضارة، بالمعنى الأخلاقي والفلسفي لهذه الكلمة .. فأبنية الكونكريت، والجسور المعلقة، والأوتوسترادات، وناطحات السحاب، وصناديق ( البوب كورن) .. وعلب ( الجوك بوكس) .. والآلات التي تقدم لك قطعة الهامبورغر وتمضغها بالنيابة عنك .. وتعطيك زجاجة الكولا وتشربها هي ... وكل الماكينات الالكترونية التي تفرم الوقت ولحم الانسان .. كل هذه الإنجازات هي خربشات على دفتر الحضارة، لا حضارة .
ولما كانت السيرة قد انفتحت .. فإننا نود أن نسأل المتحضرين على أكتاف من قامت حضارتهم .. ومن لحم من أكلت .. ومن دموع من شربت؟ إن حضارة أوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر، هي سلسلة من السرقات الموصوفة، وكبر عملية نهب مسلحة عرفها التاريخ .. فاللوردات الانكليز ظلوا مئة سنة وأكثر يشربون شاي ليبتون في منازلهم في حي مايفير في لندن .. ويلبسون جاكيتات الكشمير الفاخرة .. وقمصان اللينو المصنوعة من قطن مصر .. ويصنعون غلايينهم من عاج الهند .. كان اللوردات الانكليز يعتبرون أن ألفي مليون من سكان افريقيا وآسيا مسؤولون عن تقديم شاي الساعة الخامسة .. مع البسكويت .. لهم ولزوجاتهم وأولادهم .. كان أطفال الانكليز يترعرعون في الهايد بارك والريتشموند بارك على الزبدة .. والكاكاو .. وزيت السمك .. بينما كان أطفال الهند والصين وسنغافورة ، ومالطة، وعدن ، والسودان، ومصر ، لا يجدون الحليب في أثداء أمهاتهم ... هذه هي المعادلة اللا انسانية التي قامت عليها حضارة الغرب .. إنها علاقة بين العلقة والدم .. وبين الشاة وذابحها .. والبقرة وحالبها .. واللؤلؤة وسارقها ...
إن الصدمة التي أصابت الفكر الغربي بعد حرب تشرين الأول ١٩٧٣ سببها أن الغرب قد تعود على السرقة حتى صارت السرقة بالنسبة إليه حقاً مكتسباً .. كما تعود على الخدمات المجانية بحيث يصعب عليه بعد ثلاثة قرون من الممارسات الاستثمارية ان يطالب بدفع أجور العمل .. فالعمل بالنسبة للفكر الغربي لا يزال ينقسم إلى قارتين: قارة للخدم .. وقارة للمخدومين .. والغريب أن الولايات المتحدة لم تحفظ مادة التاريخ جيداً .. ولم تستفد من التجربة البريطانية .. فهي لا تزال تعتبر العالم الثالث – ونحن من جملته – جارية سوداء .. أو وظيفتها أن تسلي الأولاد ريثما يعود أصحاب البيت من السهرة .. وربما كانت البيبي سيتر في أميركا أحسن حالاً من الشعوب الآسيوية والإفريقية من حيث مستوى التعامل. فهي على الأقل تتمتع بحرية التصرف داخل المنزل الأميركي .. فتشاهد برامج التلفزيون، وتقرأ الصحف والمجلات، وتشوي قطعة ( ستيك) ، وتصب لنفسها كأساً من النبيذ، وتدخن بعد العشاء ما يعجبها من السجائر .. وحين يعود السيد والسيدة إلى منزل يدفعان لها الأجر المتفق عليه، ويوصلانها بالسيارة إلى منزلها، ويفتحان لها باب السيارة بكل لياقة وتهذيب ..
أما الـ Baby Sitter العربية، فوظيفتها أن تخدم أميركا لوجه ا لله تعالى، وعلى رو ح الأجداد .. دون أن تتمتع بأية امتيازات فهي تأتي إلى بيت مخدوميها ماشية .. وترجع ماشية .. ولا يحق لها أن تمد يدها إلى التلفزيون، أو إلى السجائر .. أو إلى الجرائد .. كما لا يحق لها أن تأكل ( الستيك) .. لأن الستيك عمل من أعمال الحضارة. والعرب لا يزالون من أكلة القمح والذرة والحبوب ..
ولأن العرب لا يزالون ينتمون إلى حضارة الحنطة .. فقد قرر الرئيس الأميركي أن يعاقب ( البيبي سيتر) العربية بمنع مؤونتها اليومية من الخبز .. لأنها رفعت أجرها اليومي من دولارين .. إلى أحد عشر دولاراً .. وعبثاً حاولت ( البيبي سيتر) العربية إقناع الرئيس الأميركي .. أن قوانين العمل تغيرت .. وأفكار العمال تغيرت .. وأن صاحب السلعة هو الذي يحدد سعرها تبعاً لحاجاته ولمستوى الأسعار العالمية، وأن دول العالم الثالث لم تناقش في يوم من الأيام مع أميركا ، أسعار بضائع جنرال موتورز .. أو جنرال الكتريك .. ولم تعترض على أسعار السيارات، والثلاجات، والغسالات، ومكيفات الهواء، وألوف السلع الأميركية التي تحاصر حياتنا اليومية ابتداء من إبرة الخياطة .. إلى طنجرة البريستو .. وعلبة التشيكلتس ..
إن الإنسان العربي ليشعر بالزهو حين يفتح جريدة ( التايمز ) اللندنية، ويقرأ فيها هذه الجملة: ( إن الأجيال القادمة سوف تتذكر سنة ١٩٧٣ كتاريخ سيطر فيه العرب على العالم الصناعي )..
مئة سنة وأكثر والغرب يلعب معنا ( البوكر ) ونحن نخسر .. يغش في اللعب .. ونحن نخسر .. يسرق آخر قرش في جيوبنا .. ونرهن محاصيلنا .. وعقاراتنا وضفائر بناتنا .. ونخسر .. فهل تسمح الولايات المتحدة ودول أوروبا الصناعية .. أن نتغلب عليها مرة واحدة فقط ..
ولكن بشرف ...

١٤ – ١٠ – ١٩٧٤

أيها المارون بين الكلمات العابرة


محمود درويش


أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص .. و انصرفوا
وعلينا ، نحن ، أن نحرس ورد الشهداء
و علينا ، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء

أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا أينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
خلنا في أرضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى أجسادنا
و لنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. أو خجل
فخذوا الماضي ، إذا شئتم إلى سوق التحف
و أعيدوا الهيكل العظمي للهدهد ، إن شئتم
على صحن خزف
لنا ما ليس يرضيكم ، لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل

أيها المارون بين الكلمات العابرة
كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى مسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف شعبا
وطن يصلح للنسيان أو للذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا

ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
فنا في أرضنا ما نعمل

ولنا الماضي هنا

ولنا صوت الحياة الأول

ولنا الحاضر ، والحاضر ، والمستقبل

ولنا الدنيا هنا .. والآخرة ْ

فاخرجوا من أرضنا

من برنا .. من بحرنا

من قمحنا .. من ملحنا .. من جرحنا

من كل شيء ، واخرجوا من ذكريات الذاكرة ْ

أيها المارون بين الكلمات العابرة ْ!

8.2.09

ورقة من غرة - قصة ناديا

غسَّان كنفاني

في عام ١٩٥٦ كتب الشهيد غسَّان كنفاني قصته الرائعة "ثلاث أوراق من فلسطين". كانت جراح النكبة ما تزال تزرعُ في الأرض العربية المرارة والحزن، وتزرعُ إلى جانب ذلك بذور الثورة والتمرد على الفاجعة. وهذا مقطع من تلك الأوراق يصور فيه الكاتب في قالب رسالة بداية الشعور بالمسؤولية التاريخيَّة، بداية المقاومة العربيَّة التي حملت السلاح لتنقذَ الأرضَ والأطفالَ، وتختم قصة أبشع جريمة ارتُكِبتْ بحق الأرض والأطفال في تاريخ الإنسان.


عزيزي مصطفى:
تسَلَّمتُ رسالتَكَ الآن، وفيها تُخبرُني أنَّكَ أتْمَمْتَ لي كُلَّ ما أحتاجُ إليهِ لِيدعمَ إقامتي معك في جامعةِ "كاليفورنيا". لا بُدَّ لي يا صديقي من شكرِكَ. لكنْ، سيبدو لكَ غريباً بعضَ الشيءِ أنْ أحْمِلَ إليكَ هذا النبأ. وثقْ يا مصطفى أنني لا أشعرُ بالتردُّدِ أبداً، بل أكادُ أجزِمُ أنني لم أرَ الأمورَ بهذا الوضوحِ أكثرَ مني الساعةَ. لا، يا صديقي.. لقد غيَّرتُ رأي، فأنا لن أتْبعكَ إلى حيثُ "الخُضرةُ والماءُ والوجهُ الحَسَنُ" كما كتبتَ، بل سأبقى هنا، ولن أبرحَ أبداً.

عندما أخذتُ إجازتي في حَزيرانَ، وجمعتُ كلَّ ما أملُكُ توقاً إلى الإنطلاقةِ الحلوةِ، إلى هذه الأشياء الصغيرةِ التي تُعطي معنىً لطيفاً مُلوَّناً، وجدْتُغَزَّةَكما تَعهدُها تماماً، بأزقَّتِها الضيقةِ، ذاتِ الرائحةِ الخاصة، وبيوتِها ذواتِ المشارفِ الناتئةِ. هذه غَزَّةُ. لكن، ما هذهِ الأمورُ الغامضةُ، غيرُ المحدّدةِ، التي تجذُبُ الإنسانَ لأهلهِ، لبيتهِ، لذكرياتهِ، كما تجذبُ النبعةُ قطيعاً ضالاًّ من العول؟ لا أعرفُ. كلٌُ الذي أعرفُ أنني ذهبتُ إلى أمي في دارِنا ذلكَ الصَّباحَ. وهناكَ قابلَتْني زوجةُ المرحوم ساعةَ وصولي، وطلبتْ إليَّ، وهي تبكي، أن ألبّيَ رغبة نادية، ابنتِها الجريحِ في مستشفى غَزَّةَ، فأزورها ذلكَ المساءَ. أنتَ تعرفُ ابنةَ أخي الجميلةَ، ذاتَ الأعوامِ الثلاثةَ عشرَ.


في ذلكَ المساءِ اشتريتُ رطلاً من التُفّاحِ، وَيَمَّمتُ شطْرَ المستشفى أزورُ نادية. كنتُ أعرفُ أنَّ في الأمرِ شيئاً أخْفتْهُ عني أمي وزوجةُ أخي، شيئاً لم تستطيعا أن تقولاه بألسنتِهما، شيئاً عجيباً لم أستطعْ أن أحدِّدَ أطرافه البتَّة. لقد اعتدتُ أن أحبَّ نادية. اعتدتُ أن أحبَّ كل ذلكَ الجيلِ الذي رضعَ الهزيمة والتشرُّدَ إلى حدٍّ حسبَ أنَّ الحياةَ السعيدةَ ضربٌ من الشذوذِ الاجتماعي.
ماذا حدثَ في ذلكَ الساعة؟ لا أدري.

لقد دخلتُ الغرفةَ البيضاء بهدوءٍ جمٌٍ. إنَّ الطفلَ المريضَ يكتسبُ شيئاً من القداسة، فكيفَ إذا كان الطفلُ مريضاً إثرَ جراحٍ قاسيةٍ مؤلمةٍ؟

كانت نادية مستلقيةً على فِراشِها، وظهرُها معتمدٌ على مسندٍ أبيضَ انتثَرَ عليه شعرُها كفروةٍ ثمينةٍ. كان في عينيها الواسعتينِ صمتٌ عميقٌ، ودمعةٌ هي أبداً في قاعِ بُؤبُئِها الأسودِ البعيدِ، وكان وجهُها هادئاً ساكناً، لكنَّهُ مُوحٍ كوجهِ نبيٍّ مُعَذَّب.

ما زالت نادية طفلةً.. لكنها تبدو أكثرَ من طفلةٍ، أكثرَ بكثيرٍ وأكبرَ من طفلةٍ، أكبرَ بكثيرٍ.
ـ ناديةً !
لا أدري، أأنا الذي قلتُها، أم إنسانٌ آخرُ خلفي؟ لكنها رفعت عينها نحوي، وشعرتُ بهما تُذيباني كقطعةٍ من السكر سقطتْ في كوبِ شايٍ ساخن. ومع بسمتها الخفيفة سمعتُ صوتَها:
ـ عمي وصلتَ من الكويت!
وتكسَّرَ صوتُها في حنجرتِها، ورفعتْ رأسَها متكئةً على كفيها، ومدَّتْ عُنقها نحوي، فربَّتُ على ظهرِها، وجلستُ قُربَها:
ـ ناديةً ! لقد أحضرتُ لكِ هدايا من الكويت، هدايا كثيرةً سأنتظركِ إلى حين تنهضينَ من فراشكِ سالمةً معافاةً، وتأتين داري فأسلِّمكِ إياها. ولقد اشتريتُ لكِ البنطالَ الأحمرَ الذي أرسلتِ تطلبينهُ مني. نَعمْ.. لقد اشتريتُهُ.

كانت كذبةً ولَّدَها الموقفُ المتوترُ. وشعرتُ وأنا ألفظُها كأنني أتكلَّمُ الحقيقةَ أولَ مرَّة. أمّا نادية فقد ارتعشتْ كمن مسَّهُ تيٌارٌ صاعقُ. وطأطأتْ رأسَها بهدوءٍ رهيبٍ، وأحسستُ دمعَها يُبلِّلُ ظاهرَ كفيّ:
قولي يا نادية.. ألا تُحبين البنطالَ الأحمرَ؟

ورفعتْ بصرَها نحوي، وهمَّتْ أنْ تتكلمَ. لكنَّها كفَّتْ، وشدَّتْ على أسنانها. وسمعتُ صوتَها مرةً أخرى من بعيد:
يا عمِّي!

ومدَّتْ كفَّها، فرفعتْ بأصابعها الغطاء الأبيضَ، وأشارت إلى ساقٍمبتورةٍ من أعلى الفخدِ..

يا صديقي!

لن أنسى ساقَ نادية المبتورةَ من أعلى الفَخِذِ. لا، ولن أنسى الحزنَ الذي جلَّلَ وجهَها، والدمعَ في تقاطيعه الحلوةِ إلى الأبدِ. لقد خرجتُ يومئذٍ من المستشفى إلى شوارعِ غَزَّةَ وأنا أشدُّ باحتقارٍ صارخٍ على "الجُنيهين" الّلذين أحضرتُهُما معي لأعطيَ نادية إياهما. كانت الشمسُ الساطعةُ تملأ الشوارعَ بلون الدَّمِ. كانت غَزَّةُ، يا مصطفى، جديدةٌ كلُّ الجدَّةِ. لم نرها هكذا قطٌّ أنا وأنت. غَزَّةُ هذه التي عشنا فيها، ومع رجالِها الطيبين، سبعَ سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً. كانت تلوحُ لي أنها بدايةٌ.. بدايةٌ فقط. لا أدري لماذا كنتُ أشعرُ أنها بدايةٌ فقط. كنتُ أتخيَّلُ الشارعَ الرئيسَ الذي أسيرُ فيهِ عائداً إلى داري لم يكن إلاّ بدايةً صغيرةً لشارعٍ طويلٍ يصلُ إلى صفَدَ. كلُّ شيء كان في غَزََّةَ هذهِ ينتفضُ حزناً على ساق نادية المبتورة، حُزناً لا يقفُ على حدودِ البُكاءِ. إنّهُ التحدِّي. بل أكثر من ذلك. إنّهُ شيءٌ يُشبهُ استردادَ الساقِ المبتورة!

لقد خرجتُ إلى شوارع غَزَّةَ. شوارعُ يملؤها ضوءُ الشمسِ الساطع. لقد قالوا لي: إن نادية فقدتْ ساقَها عندما ألقتْ بنفسِها فوقَ إخوتِها الصغار تحميهم من القنابلِ واللهبِ، وقد أنشبا أظفارهما في الدار. كانت ناديةُ تستطيعُ أن تنجو بنفسِها.. أن تهربَ.. أن تُنقذَ ساقَها. لكنها لم تفعل. لماذا؟
لا، يا صديقي، لن آتيَ إلى "كاليفورنيا"، وأنا لستُ آسفاً البتَّةَ. هذا الشعورُ الغامضُ الذي أحسستهُ وأنتَ تغادرُ غَزَّةَ.. هذا الشعورُ الصغيرُ يجبُ أن ينهضَ عملاقاً في أعماقكَ، يجبُ أن تبحثَ عنهُ كي تجدَ نفسكَ، هنا بين أنقاضِ الهزيمةِ.

لن آتيَ إليكَ.. بل عُدْ أنتَ إلينا. عُدْ لتتعلَّمَ من ساقِ نادية المبتورةِ ما الحياةُ؟ وما قيمةُ الوجود؟
عُدْ يا صديقي. . فكلنا ننتظركَ.

4.2.09

عن الحرية

"الكتابة عمل انقلابي" هي مجموعة مقالات نشرت في مجلة "الاسبوع العربي" خلال اعوام 1973,1974,1975 . ننشرها في هذه المدونة لما فيها من افكار قيمة تستحق الاطلاع.


نزار قباني
١٩٧٣

أتصور، أنه لا بد من أن نتفق على تعريف مبدئي لمعنى الحرية، حتى لا تتداخل حدود الأشياء ، وتضطرب الرؤية، ويختلط اللون الأبيض باللون الأسود .
وأول ما أتصوره، هو أن الحرية هي حركة فردية داخل دائرة الجماعة. وهذه الجماعة يمكن أن تكون أسرة، أو قبيلة، أو جمعية، أو مدرسة، أو وطناً. ومعنى هذا أن الحرية هي خط هندسي ضمن دائرة ، وليست أبداً حركة في الفرا غ أو في المطلق .
وكما أن البحر محدود بالشواطئ ، والريح محدود بالجبال، والأنهار محدودة بضفافها، والطائرات محدودة بمدارج الصعود والهبوط .. والعصافير محدودة بمساحة أجنحتها، فإن الإنسان هو الآخر محدود بمسؤوليته .
واستعمال الحرية، كاستعمال المستحضرات والعقاقير الطبية، لا يمكن أن يكون بغير مقاييس ومعايير وضوابط. وإلا كانت الحرية قاتلة .
وللحرية دائماً جانبان متعادلان. جانب يختص بنا، وجانب يختص بالآخرين. وكل محاولة منا لنسيان الجانب الآخر، يفقد الحرية معناها الأساسي، ويجعلها طغياناً .
لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً بغير شك .. ولكنهن لم يلدننا في الغابة، وإنما ولدننا في إطار بيت، وأسرة، ونظام اجتماعي نشترك في تأسيسه مع الآخرين .
إن بريطانيا مثلاً، بلد حر، ولكن الفرد البريطاني، أثناء مزاولته لحريته، يبقى ملتزماً باحترام حرية الآخرين، ولا يقفز فوقها. وبمعنى آخر أن المواطن البريطاني ليس سوى نغمة في السمفونية الانكليزية .
وقد عرفت الأنظمة الاشتراكية، كيف تصقل حرية الفرد، وكيف تمنع تجاوزاته، وكيف تسيطر على غريزة الطمع المركبة فيه .. بحيث تأتي حرية المجموع أولاً، وحرية الفرد ثانياً .
أما في الأنظمة الليبرالية، فإن الفرد يتصرف كوحش لا يتورع عن أكل كل ما يصادفه من أرض ومصانع وبر .. وهو يعتقد أن الحرية التي يتيحها له النظام الليبرالي، تمنحه الحق في أن يمد ساقيه على رقبة البشرية، ويسحق برأسماله الخرافي واحتكاراته عظام المعذبين في الأرض ... إن الحرية بحر لا ساحل له .. يركبه الرواد والمكتشفون، ويركبه القراصنة وسمك القرش .. ونحن بالطبع نرفض الحرية التي ينادي بها سمك القرش .. لأنها تقوم أساساً على الجريمة، والنشل ، والمتاجرة بلحوم الآخرين ..
إن التاجر الذي خبأ في حرب تشرين أكياس السكر والرز والطحين، وباعها بضعف أسعارها هو سمكة قرش ..
وصاحب مستودع الأدوية الذي ضاعف أسعار القطن، والشاش، والمصل التي احتاج إليها الجرحى خلال حرب تشرين، هو سمكة قرش ..
وأصحاب مستودعات الخشب، والحديد، والورق، الذين جمعوا خلال الشهور الأخيرة ثروات خرافية لم يجمعها روكفلر، ولا أوناسيس، ولا آغاخان، ولا أي مهراجا هندي .. هم أسماك قرش لا زالت تتنزه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط .. هذه أتفه أنواع الحريات وأحقرها .
إن الحرية عندنا، تفترض أنه لا يوجد على ظهر الأرض سوانا ...
فنحن نقود سياراتنا على أساس أن البشر لم يخلقوا بعد .. وأن مصانع السيارات لم تُنتج سوى سيارة واحدة هي التي نركبها نحن ..
والحرية عندنا، معناها أن نجعل العالم كله أملاكاً خصوصية لنا، وأن نشتري جميع تذاكر السينما ونمدد أرجلنا على جميع المقاعد .. ونشتري كل الأدوية الموجودة في الصيدليات .. وكل الخبز الموجود في الأفران .. وكل السمك الموجود في البحر .. وكل النساء الجميلات في العالم، ونعلقهن كالفراشات المحنطة، على جدران أنانيتنا ...
إن الحرية هي محصول حضاري لا يعرفه إلا المتحضرون .

فالثعبان لا يعطى الحرية لأنه لا يحسن التصرف بها ..
والذئب لا يمكن أن يدعي الحرية لأن تكوينه الأساسي تكوين عدواني .
والقرصان لا يمكن أن يتكلم عن الحرية، لأن غايته الأساسية هي أن يغتال البحر والمسافرين ...
والرجل الذي يذبح شقيقته، أو زوجته ، أو ابنته، بتفويض من مجتمع الثأر والعقد الجنسية لا يمكنه أن يصرخ أمام المحكمة: " أنا حر ". لأن الحرية لا تعطينا تفويضاً بالقتل .
وكذلك الكاتب، والشاعر، والروائي، والصحافي، لا يمكنهم أن يقامروا بالكلمة، ويبيعوها جارية في سوق النخاسة، بدعوى أنهم أحرار. لأن الكتابة ميثاق شرف ثلاثي بين الكاتب، وبين ضميره، وبين من يقرأونه. وكل خيانة لهذا الميثاق تسقط شرف الكاتب والكتابة معاً ..

إننا مع الحرية بدون تردد .. ومع الأحرار إلى آخر الشوط .. شريطة أن يكون لهذه الحرية ضابط أخلاقي، وعقلاني، وثقافي، وقومي، يجعلها في خدمة الإنسان، وفي خدمة المثل العليا .. إنه لا يكفي أبداً أن نكون أحراراً .. وإنما لا بد لنا من أن نستحق حريتنا ..


2.2.09

بطاقة هوية - محمود درويش

سجِّل
أنا عربي
ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْ
وأطفالي ثمانيةٌ
وتاسعهُم.. سيأتي بعدَ صيفْ!
فهلْ تغضبْ؟

سجِّلْ

أنا عربي
وأعملُ مع رفاقِ الكدحِ في محجرْ
وأطفالي ثمانيةٌ
أسلُّ لهمْ رغيفَ الخبزِ،
والأثوابَ والدفترْ
من الصخرِ
ولا أتوسَّلُ الصدقاتِ من بابِكْ
ولا أصغرْ
أمامَ بلاطِ أعتابكْ
فهل تغضب؟

سجل
أنا عربي
أنا إسمٌ بلا لقبِ
صبورٌ في بلادٍ كلُّ ما فيها
يعيشُ بفورةِ الغضبِ
جذوري
قبلَ ميلادِ الزمانِ رستْ
وقبلَ تفتّحِ الحقبِ
وقبلَ السّروِ والزيتونِ
.. وقبلَ ترعرعِ العشبِ
أبي.. من أسرةِ المحراثِ
لا من سادةٍ نجبِ
وجدّي كانَ فلاحاً
بلا حسبٍ.. ولا نسبِ!
يعلّمني شموخَ الشمسِ قبلَ قراءةِ الكتبِ
وبيتي كوخُ ناطورٍ
منَ الأعوادِ والقصبِ
فهل ترضيكَ منزلتي؟
أنا إسمٌ بلا لقبِ

سجلْ
أنا عربي
ولونُ الشعرِ.. فحميٌّ
ولونُ العينِ.. بنيٌّ
وميزاتي:
على رأسي عقالٌ فوقَ كوفيّه
وكفّي صلبةٌ كالصخرِ
تخمشُ من يلامسَها
وعنواني:
أنا من قريةٍ عزلاءَ منسيّهْ
شوارعُها بلا أسماء
وكلُّ رجالها في الحقلِ والمحجرْ
فهل تغضبْ؟

سجِّل!
أنا عربي
سلبتَ كرومَ أجدادي
وأرضاً كنتُ أفلحُها
أنا وجميعُ أولادي
ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي
سوى هذي الصخورِ
فهل ستأخذُها
حكومتكمْ.. كما قيلا؟
إذنْ
سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى
أنا لا أكرهُ الناسَ
ولا أسطو على أحدٍ
ولكنّي.. إذا ما جعتُ
آكلُ لحمَ مغتصبي
حذارِ.. حذارِ.. من جوعي
ومن غضبي!