رامي سلامي
في بلادي، نولد كلَّ يوم على قَارعة الطريق، نحمل عذاباتنا بطاقة هويَّة، وتقذف بنا الأقدار إلى مصيرنا الرمادي..
في بلادي، نتسوَّل وطناً طَوالَ النَّهار، ونرجع في المساء بلا وطن..لا تسَلني كيف نعيش، لعلَّ الموتَ يشفق علينا أو يهرب منَّا ألف مرَّة في اليوم.
نرجع في المساء حفاةً جياعاً إلى حيث انطلقنا، ونراقب بكسلٍ سقوط الشَّمس في هاوية المجهول. تصفعنا عتمة اللَّيل، ويقرصنا البرد في عيوننا. لا يبقى لنا إلا الله، وحسبنا الله وإن اختلفنا فيه..
يمدُّنا بقنديل أمل نشعله بزيت قلوبنا، ونستمع بخشوع إلى بوح قمر عاشق لغيمة مطر عابرة، فنتخيَّل فيها شبحَ وطن لم نرَه إلاَّ في أوطان غيرنا..
ثم تؤول كل الأشياء من حولنا إلى سواد، حتى لون الأمل وبوح القمر.
نلتهم جوعنا على عجل ونحاول أن نغفو.
في وحشة اللَّيل، نسمع صراخ سعالنا فيدرك كلٌّ منَّا أنَّه ليس المشرَّد الوحيد في هذا الوجود. نحاول اقترافَ جريمة الكلام، فتشيخُ في فمنا الكلمات وتخرَف، ويخنقُ حناجرَنا الصدأُ من طول ما هجرتها أغنيات الطفولة.
نغرق في شبر من النَّوم، ونعلك حلماً واحداً احترفناه من ألف عام، لا تتغير فيه إلا اللَّحظة التي نُمنَى فيها بهزيمتنا اليوميَّة، حين تمَسُّ أجسادَنا حرارة ُالشَّمس ببرودةٍ مخيفة..
في بلادي لا نغسِل وجوهنا عند الصَّباح، فلعلَّ بها بريقاً من أمل نخاف عليه أن يزول..
لا تسلني تفصيلَ ما نحلمُ كلَّ ليلةٍ من ألف عام. لا نكاد نذكر شيئاً عند الصَّباح، كأنَّ لنا ذاكرةً من نعاس تتسلَّل إلينا في اللَّيل، و تبدأ بالهروب مع طلوع الفجر..
نعم، يحدث أن يزورنا في أحلامنا طفل عجيب، تِربٌ لنا لا نراه إلاَّ نادراً، اعتدنا أن نسمَّيه «حنظلة» رغم حلاوة خفيَّة في مرارة ما يقول.
حنظلة هذا زوَّادة الدفءِ في حلمنا البارد، يقول لنا بعد توزيع الحلوى وقطع الأمل، تعالوا لأروي لكم عن فلسطين..
يحكي لنا حكايات ننتبه فجأة إلى أنها حكاياتنا. ينقل لنا حمّىً تنتابنا من المحيط إلى الخليج، كلَّما اغتسلت زنبقة أمل بدموع طفل في غزَّة، أو فاحت زهرة ليمون بعبق الشَّهادة في بيَّارة وجعنا الذي لا نعرف له حدّا ولا نهاية.
يعلمنا الشِّعر والحبَّ والثَّورة، وأبجديَّة العروبة ...
يحكي لنا عن أبيه ناجي العلي، وعن أمِّه بيروت. يسمِّي لنا أمَّهاتنا اللَّاتي لم نرَهنَّ واحدةً واحدة، ويروي لنا قصَّة استشهادِ آبائنا..
يحكي لنا باللَّهجة الجنوبيَّة قصَّة قانا وأخواتِها، وباللَّهجة العراقيَّة الحزينة قصَّة سقوط بغداد وقصَّة حذاءٍ صارَ أشهرَ من حذاءِ «سندريلاَّ».
ولاينسى أن يقرأ لنا كلَّ مرَّة قصيدةً من قصائدِ محمود درويش..
عجيب هذا الصَّبيُّ، يجيد كلَّ لهَجَاتِنا، ويعرف كلَّ جهاتِنا ويحفظُ كلَّ تواريخِنا...ويكرهُ كلَّ حكَّامِنا!!
نعم، يحدث أن يزورنا حنظلة، وقبل أن يغادرنا في عتمة اللَّيل تطلُّ من بين كتفيه هالة من نور، تمطرُنا أشعَّةً دافئةً تخترق جليد عيوننا وتَخِز وعينا النَّائم فيستفيق..
نتثاءَب قليلاً، نودِّعه ... يديرُ لنا وجهه للمرَّة الأخيرة ويقول: ناموا الآن بسلام..
تصبحون بخير..تصبحون على وطن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق