شكراً... للمقهى لأنه لا يزال يتحمل ثرثراتنا المبعثرة، ولم يعلن إفلاسه بعد...
مع ان نصف زبائنه من المفلسين... شكراً للكراسي... التي لا تزال قادرة على الصمود تحت أقفيتنا المترهلة، وشكراً لهذا الذي يرمي زماننا بفنجان الإكسبرس، ويسمع هلوساتنا دون ان يتدخل ويقلب الطاولة علينا وعلى رؤوسنا ورؤوس الذين خلفونا...
شكراً لهذا الزمن الذي لا يزال يمنح وجوهنا فرصة قبل ان يتجمع الأصدقاء والأقارب ليقدموا فينا العزاء، ويقيموا لنا ذكرى اسبوع، ويقدموا عن أرواحنا أردأ أنواع اللحم بعجين واللبن المغشوش...
شكراً للمدينة التي لا تزال قادرة وبإمكانها ان تصبر علينا ونحن الذين تفوح منا رائحة القرى...
شكراً لليل الذي يصبر على شتائمنا بعد ان صارت احلامنا برسم التقنين...
شكراً لبائع الصحف الذي يحمل العناوين ويبيعها رغم انه يعرف بأن الصفحات وإن صارت بالألوان... هي مجرد كلام يتداوله بعض الذين امتهنوا صياغة المراحل...
شكراً لهذه المحطات التي تسلي مساءاتنا وتعيد خلط قناعاتنا وتعمم علينا ثقافة السيليكون وتفاهة الزمن الموجع... ونتبادل وسياسيينا بلاهة التحليل... شكراً لشاشاتنا التي تشغل نساءنا عنا قليلاً حتى لا ننجب الكثير من الأولاد لهذا الوطن المؤجل...
شكراً لمطربينا ومطرباتنا وفنانينا وفناناتنا الذين صاروا أكثر عدداً حتى من شهدائنا وجنودنا وأجدادنا وأقاربنا... ويزاحمونا في شفط أوكسيجين المرحلة... ويتقنون فن الإرهاب الصوتي الذي يخرق مسامعنا.. وها هم يعممون صورهم الجميلة على مراهقينا الذين أتعبتهم العادة السرية...
شكراً لتيري رود لارسون على ما بذل من جهود وما سيبذل وكم سيرسم في رئتينا من خطوط زرق وحمر وخضر وصفر...
شكراً للنظام الدولي الجديد ، للشرق الأوسط الواسع والموسع، بكل ما سيضم من عرقيات ودويلات وبلديات ومحميات... وأمراء وكلاب حراسة.
شكراً للجامعة العربية وكل متنوعاتها وبنات خالاتها وعماتها على كل ما فعلت لنا...
وعلى جواز السفر العربي المشترك، وعلى نجاحها في ان يتنقل الإنسان العربي بالبطاقة والهوية من المحيط الى الخليج بين الماء والماء...
شكراً للبحر الذي سيستقيل من كل نفاياتنا ومجاريرنا وأنهارنا...
شكراً... لصديقي الذي اعتزل صداقتي لأنه ملّ من وجعي وقهري وهاجر الى البرازيل فصادق هناك تمساحاً بلا أسنان... يتقاسم معه الغابة قبل ان يصل موفد الأمم المتحدة ليتفحصه ما إذا كان لا يزال فحلاً ام نضب خيره...
شكراً لرفيقي الوطني الذي عاداني... لأنه بدّل فجأة ثيابه وربطة العنق...
صديقي صار وطنياً ، ولكن ليس رفيقي ... فقد عالج نفسه وتحسن وضعه لأنهم حقنوه بكورتيزون المرحلة... فتحول الى رجل واقعي فاستدعاني وشتمني وشتم كل نضالاتنا (الخشبية)... ونشر عرض كل شعاراتنا وكاد ان يشتم كل شهدائنا... ولعن أخت الساعة التي كان فيها مناضلاً...
صديقي الوطني السابق عندما ودعني... بكى... ثم ضحك... وقال: ... بشرفك لا تشتمني كثيراً...
انا مضطر لأن أعود الى طائفتي...
عذراً... هكذا نحن في العائلة... بعد الخمسين ننحرف...
نتحول... نتبدل... نلبس ثيابنا (دوبل فاس)...
وطني طائفتي يا صاحبي...
فأرجوك دع كل واحد منا يصلي كما يشاء...
فلكل منا ربه... وزعيمه وصحيفته وحتى المطعم الذي يقصد...
صلي يا صديقي وسأصلي...
وأدعو الله لك ولي... ان يلهمنا وطناً... هو اكبر منا جميعاً...
أن يلهمنا الصبر على ما نرى ونسمع من كل هذه (الأرطه)...
وكل هذا الزمن الذي أجمل ما فيه... أنه زمن بشع...
لا نملك فيه حتى الخجل الوطني!...


.jpg)

