‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواضيع منوعة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مواضيع منوعة. إظهار كافة الرسائل

11.4.09

فضيحة الـ29 مليون دولار: من البلدية إلى «الإنماء والإعمار»

بات الاستثناء أن تمر صفقة ما في لبنان من دون فضيحة كبرى، ومن دون روائح تفيض بهدر المال العام، فتحويل الـ29 مليون دولار أخيراً من الحكومة إلى موازنة بلدية بيروت ومن ثم إلى مجلس الإنماء والإعمار لم يكن بريئاً، لا بل جاء من دون إجراء المجلس مناقصة، وبعد سحب مطالعة المراقب المالي في البلدية التي تشير إلى عدم قانونية هذه العملية!

رشا أبو زكي
أثار موضوع تحويل 29 مليون دولار من مجلس الوزراء إلى بلدية بيروت ومن ثم إلى مجلس الإنماء والإعمار الكثير من التساؤلات عن سبب تحويل هذا المبلغ، وفي هذه فترة بالذات، مع تنامي قضية الصناديق ودخولها مرحلة المساءلة والمحاسبة من أكثر من جهة... ليتبين أن تحويل الـ29 مليون دولار كان بطريقة تخالف الأصول المعتمدة، لا بل يتعدى موضوع الشفافية في ما يتعلق بإجراء مناقصة عامة وتحديد أسماء الملتزمين وكلفة التلزيمات في المشاريع التي لم يباشر بتنفيذها بعد! وتؤكد جهات وزارية عدم قانونية تحويل هذا المبلغ إلى مجلس الإنماء والإعمار، لا بل تشير إلى أن الملف الذي رفع إلى مجلس الوزراء سحب منه المراقب العام المالي في البلدية مطالعة تشير إلى أن هذا التحويل غير مكتمل العناصر الحيثية، لأن مجلس الإنماء والإعمار لم يلتزم بتقديم كشف مفصل عن المشاريع وكلفة إنجازها، وكيفية تلزيم الأعمال، وأسماء الملتزمين، ليصار بعد ذلك إلى تحويل الأموال من البلدية وفق الأصول القانونية، وبعد إجراء مناقصة عامة!
وتشير المادة 55 من قانون المحاسبة العمومية إلى أن «عقد النفقة هو القيام بعمل من شأنه أن يرتب ديناً على الدولة»، كما تنص المادة 75 من القانون نفسه، فيما المادة 49 من المرسوم الرقم 2981 المتعلق بالنظام المالي لمجلس الإنماء والإعمار تنص على أن «التصفية تبنى على المستندات التي من شأنها إثبات الدين»، ومن هنا ترى المصادر الوزارية أن تحويل مبلغ الـ29 مليون دولار يجب أن يتم بعدم أن يزوّد مجلس الإنماء والإعمار إدارة بلدية بيروت بمحضر التلزيم الذي يحدد اسم الملتزم وقيمة الصفقة...
إلا أن عضو البلدية طوني خوري، ينفي هذا الموضوع، معتبراً أن هناك «ملفاً شاملاً واستملاكات، وقد درس مجلس الإنماء والإعمار وكذلك البلدية كيفية صرف الأموال، وفق معايير ومواصفات وخرائط تدل على المشاريع». وتابع أن «نائب رئيس الحكومة عصام أبو جمرة مطلع بدقة على موضوع تحويل الـ29 مليون دولار وموافق عليها بالكامل».
ويضيف خوري أن «هذا المشروع حيوي للمنطقة وخاصة لبيروت، نحن بلدية واعية، وجميع أعضاء البلدية لديهم خبرة، ليس هناك أي إشكالية في ما يتعلق بطريقة صرف الأموال ووجهتها، فنحن ندرس الملفات ومجلس الإنماء والإعمار يدرس الملفات أيضاً». إلا أن خوري لا ينفي وجود مطالعة قانونية للمراقب المالي في البلدية يشير في متنها إلى عدم قانونية تحويل الأموال، إذ يقول «الذي قام بالمطالعة ليس لديه اطلاع دقيق على المشاريع والبيانات المرفقة، وأي شخص غير مطّلع كفاية على الملف يمكن أن يرفع مطالعة ويعتبر أن تحويل الأموال غير قانوني»!
إلا أن الدراسات والبيانات ومحاضر التلزيم وأسماء الملتزمين التي يشير إليها خوري، لا يبدو أن لها أثراً يذكر، إذ عند سؤال «الأخبار» رئيس بلدية بيروت عبد المنعم العريس عن ماهية المشاريع التي ستُنفّذ، أرسل عبر الفاكس جزءاً من كتاب مجلس الإنماء والإعمار الذي على أساسه حُوّل مبلغ 29 مليون دولار من بلدية بيروت إلى مجلس الإنماء والإعمار، وفي تفاصيل المبالغ ووجهاتها يرد في الكتاب أن المبالغ ستحول إلى:
أ ــــ الجزء الثاني من مشروع تأهيل البنى التحتية لمدينة بيروت، المجموعة الثانية، وتشمل أشغال الجزء الثاني شوارع محمد علي بيهم، سليمان البستاني، محمد الفاخوري، حبيب أبي شهلا، معاوية، الجزء الجنوبي من شارع مار الياس ومتفرعاته، بشير جنبلاط، الجزء الغربي من شارع المزرعة، فريد طراد وتوماس أديسون).
ب ــــ الجزء الثاني من المجموعة الثانية للمرحلة الثالثة لأشغال مشروع تأهيل البنى التحتية لمدينة بيروت وتشمل شوارع جلول، حميد فرنجية، عمر بيهم، عبد الله اليافي، محمد الحوت، حبيب باشا السعد، يوسف السودا وشارع غواتيمالا... وتقدر كلفة هذه الأعمال بمبلغ قدره 23 مليون دولار أميركي.
ج ــــ تقاطع بشارة الخوري شارع الاستقلال بكلفة تقريبية 8 ملايين دولار أميركي.
د ــــ البنى التحتية في شارع غورو وشارع باستور، أشغال بنى تحتية وفوقية في شارع المصيطبة مطلوبة من جمعية المؤسسات التجارية والصناعية في سوق المصيطبة بكلفة قدرها مليون دولار أميركي. فضلاً عن خمسة ملايين دولار أميركي لزوم أشغال تكميلية من الجزء الأول من مشروع تأهيل البنى التحتية لمدينة بيروت (المجموعة الثانية من المرحلة الثانية) زيادة على قيمة المشروع الأساسية.
ومع انتفاء واقعة وجود تقارير مفصلة عن المشاريع ودفاتر الشروط والتلزيمات وكلفتها، كان لا بد من سؤال أعضاء البلدية عن قضية تحويل الأموال، فرفض عضو البلدية سعد الدين الوزان الإجابة عن السؤال وأحال «الأخبار» إلى رئيس البلدية، فيما قال عضو البلدية عصام برغوت «لا أريد الحديث عن الموضوع، مش فاضي مشغول، وفي انتخابات»!
أما عضو البلدية سليم سعد، فقال «عرفنا بموضوع تحويل الأموال من وسائل الإعلام، وأرى أن قرار مجلس الوزراء في تحويل الأموال هو كرم يفيد منطقة بيروت كلها»! وأضاف «شخصياً لا أعرف شيئاً عن الموضوع فهو من اختصاص لجنة الأشغال في البلدية»!

3.4.09

عيب

محمد زبيب

28.6% من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر بأقلّ من 4 دولارات يومياً.51.9% من الأسر اللبنانية لا تكفيها مداخيلها الشهرية لتغطية احتياجاتها الاستهلاكية.30.9% من المقيمين في لبنان يعانون أوجُه حرمان مختلفة، ولا سيما خارج المدن.51% من المواطنين غير مشمولين بأيّ شكل من أشكال التغطية الصحية الدائمة.75% من القوى العاملة المحلية لا تشملهم أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية.40% من الأجراء غير نظاميين ولا تُطبّق عليهم قوانين العمل والأجور والضمان.45% من الناشطين اقتصادياً لا توجد لهم وظائف في لبنان.35% من اللبنانيين العاملين اضطرّوا إلى الهجرة بحثاً عن فرص العمل.0.05% من السكّان يستأثرون بأكثر من 34 مليار دولار (45%) من الودائع المصرفية.60 مليار دولار حجم دين الدولة الفعلي وهو الأعلى على المستوى العالمي قياساً إلى الناتج المحلي.90% من الضرائب والرسوم تُستخدم في تمويل الفوائد التي يستفيد منها الأثرياء.38 مليار دولار سدّدها المقيمون بين عامي 1993 و2008 لخدمة الدين العام بمعدّل وسطي قيمته 9500 دولار من كل فرد. وسيضاف في هذا العام 1080 دولاراً لتسديد 4.3 مليارات دولار كأرباح للمكتتبين في الدين العام.50% من اللبنانيين لا يستهلكون إلا 20% من فاتورة الاستهلاك على المستوى الوطني، فيما 20% يستهلكون نصف هذه الفاتورة.102% قيمة فاتورة الاستهلاك قياساً إلى الناتج المحلي الإجمالي (الإنتاج أقل من الاستهلاك).12.8 مليار دولار عجز لبنان التجاري والصادرات (3.4 مليارات دولار) لا تغطي إلا 20% من المستوردات (16.2 مليار دولار).8 ساعات تقنين في اليوم بعد عقد ونصف من إطلاق مشروع إعادة تأهيل قطاع الكهرباء وإنفاق مليارات الدولارات على التجهيز والدعم. ويُتوقع أن يرتفع معدل التقنين إلى 16 ساعة في اليوم بعد 5 سنوات.70% من اللبنانيين لا يستفيدون من خدمات الاتصالات نظراً لكلفتها الخيالية، ولا تزال كلفة الاتصال الخلوي من أعلى الأكلاف عالمياً، على الرغم من خفضها أخيراً وهي أصبحت بمثابة ضريبة لا سعراً مقابل خدمة.50% من سعر صفيحة البنزين هو عبارة عن رسوم وضرائب تجبيها الحكومة على الرغم من أنها لا توظّف أي قرش في إنشاء نظام مقبول للنقل العام.66.66% من السلع والخدمات في الأسواق المحلية تخضع للاحتكارات.16% فقط من المهجّرين عادوا إلى قراهم على الرغم من إنفاق 1.6 مليار دولار على التعويضات (65% منها للمحتلّين).15% هي نسبة الضريبة على القيمة المضافة التي التزمت الحكومة باعتمادها في برنامج باريس 3، بالإضافة إلى زيادة رسوم البنزين (من دون الضريبة على القيمة المضافة) إلى 12 ألف ليرة على كل صفيحة، على أن يتم تجميد الأجور وتفكيك الضمان الاجتماعي وبيع الهاتف والكهرباء... والحبل على الجرار!كل هذه النسب والأرقام «رسمية 100%»، وهي واردة في تقارير حكومية، ولا تشكّل إلا عيّنة بسيطة عن الواقع المالي والاقتصادي والاجتماعي في لبنان بعد 16 عاماً من هيمنة «الحريرية» على القرار السياسي ـــــ الاقتصادي بدعم من معظم مكوّنات الطبقة السياسية الحالية (ولا سيما تيار المستقبل ـــــ حركة أمل ـــــ الحزب التقدمي الاشتراكي...) ومعظم مافيات القطاع الخاص (المصارف، شركات النفط، الكسّارات، سوليدير، الشركات العقارية، المقاولون، محتلّو الأملاك العامة البحرية والنهرية، المستشفيات، شركات الأدوية، المدارس الخاصة، أصحاب الوكالات التجارية الحصرية، المطاحن والأفران...)بعض السياسيّين لا يقيم أي اعتبار لمفهوم «العيب»، وهذا ينطبق على من يحذّر اليوم من أن الاقتراع لفريق معين يعني الخراب... وكأنّ هناك خراباً أكبر من هذا الخراب، إلا إذا كان هذا البعض شجاعاً إلى درجة المجاهرة بأن كل ما سبق يمثّل إنجازات تستحق الدفاع عنها.

1.4.09

الخوف على الاقتصاد!

خالد صاغية


لم يتوانَ النائب سعد الدين الحريري عن الإعلان أنّ وصول فريق 8 آذار إلى السلطة ستكون له نتائج سلبيّة على الوضع الاقتصادي. قد يكون الحريري على حق. لكن هذا نصف الحقيقة التي يحتاج استكمالها إلى الحديث عمّا ستكون النتائج الاقتصاديّة لوصول فريق 14 آذار إلى السلطة.
لقد كرّس اغتيال الرئيس رفيق الحريري كذبة لا تزال تتناقلها الألسُن كما لو أنّها حقائق، وهي كذبة تضرب عرض الحائط بالواقع الاقتصادي والمعيشي الماثل أمامنا.
فقد أُريدَ للشعب اللبناني أن ينسى مليارات الدولارات المتراكمة عليه وعلى أبنائه وأحفاده جرّاء سياسة الاستدانة الظالمة. وقد أعطيت مختلف التبريرات لحجم الدين، من كلفة الإعمار إلى قنوات الهدر والفساد إلى المشاريع التنمويّة، فيما الجميع يعلم أنّ الحصّة الأعظم من هذا الدين ذهبت فوائد حصل عليها مَن لم يكن بعيداً عن السلطة وحلفاؤه في القطاع المصرفي.
وأريدَ للشعب اللبناني أن ينسى جنون نظريّة الجنّة الضريبية التي تحوّلت إلى فرض رسوم أثقلت كاهل المواطنين.
وأُريدَ للشعب اللبناني أن ينسى واحدة من أكبر عمليات السطو التي جرت في البلاد، والتي تمثّلت باستملاك أراضي وسط المدينة وتحويلها إلى مساحة تشبه كلّ شيء إلا «وسط مدينة».
ليس هنا المجال للغوص في تفاصيل السياسات الاقتصادية لتيار المستقبل. يكفي القول إنّ هذه السياسات التي لا تزال قوى 14 آذار تدافع عنها (باستثناء وليد جنبلاط حين يهبّ عليه الهوى اليساري فجأة فيطالب بالتأميم وبالاشتراكية الإنسانيّة)، هي جزء من رزمة سوِّقَت في العالم خلال العقود الأخيرة، وما زالت المؤسسات الدولية التي سوّقتها لأهداف طبقيّة معروفة، تبحث عن مخرج يحفظ لها ماء وجهها، فتقرّ بالخطأ حيناً، وتعتذر أحياناً، وتتأتئ متمتمةً أشياء غير مفهومة في أحيان ثالثة...
لم يعد بإمكان أحد أن يغشّ الآخرين بعد كلّ ما جرى. لقد طُبِّقت السياسات النيوليبرالية في العالم، والسياسات الحريريّة في لبنان، لخدمة تحالف طبقيّ بقيت أكثريّات الشعوب، ومنها الشعب اللبناني، خارجه.
اليوم، وفيما تجري التحضيرات لانتخابات نيابيّة، ينبغي رفع الصوت ضدّ المعارضة التي لا تملك برنامجاً بديلاً تطرحه في وجه البرنامج الاقتصادي الحريري، وخصوصاً أنّ بعض أطرافها كان قد شارك في الحكم خلال الحقبة السابقة. إلا أنّ هذا لا ينفي أنّ أسوأ ما يمكن أن تقدم عليه المعارضة هو الاستمرار في النهج الحريريّ نفسه.
فالخوف ليس من وصول المعارضة إلى الحكم. الخوف هو من الخضوع للترهيب الذي مارسه الحريري الأب في السابق ويمارسه الحريري الابن حالياً من أنّ ما يطرحانه من سياسات اقتصادية منحازة طبقياً هو السبيل الوحيدة للحياة.
صحيح أنّ «المجتمع الدولي» كان يرفض الأخذ بجدية أي سياسات لا تتلاءم والرزمة النيوليبرالية، إلا أنّ هذا الوضع تغيّر. فحتّى التسلّط الطبقي المطلوب له الاستمرار على المستوى العالمي، بات يبحث عن سياسات مغايرة بعدما وصلت سياساته السابقة إلى حائط مسدود.
ولا بدّ من التسجيل هنا للنائب ميشال عون أنّه كان أوّل من أسقط «تابو» الحريريّة، رافضاً أن يقف الاستشهاد حاجزاً أمام مساءلة المرحلة السابقة، والإفادة من أخطائها، ومنع تكرارها.
صحيح أنّ عون فعل ذلك من دون امتلاك رؤية مغايرة (حتّى هذه اللحظة)، وانطلاقاً من التنافس السياسي ليس إلا، غير أنّه يبقى له فضل إسقاط المحرّمات في محاكمة السياسات الاقتصادية السابقة. وهو دور ما كان يمكن حلفاء عون في المعارضة القيام به، إمّا لشراكتهم في قبول تلك السياسات ما دامت تصلهم فتات موائدها، وإمّا تجنّباً لإثارة نعرات سنّية ــ شيعيّة، ما دامت الطوائف باتت تختزل بأشخاص زعاماتها.
وصول فريق 8 آذار إلى السلطة ستكون له نتائج سلبيّة على الوضع الاقتصادي؟ ربّما. لكن السؤال هو ماذا أبقى فريق 14 آذار أصلاً من هذا الوضع؟

14.3.09

النفط العربي: لو يَنْـضب

وثة النفط ماذا جلبت للإنسان العربي؟ ماذا يمكن أن نقول عن المليارات المُكدّسة التي ذهبت إما لدعم المصارف والشركات الغربيّة المعادية لمصالحنا، وإما لشراء أسلحة كي تستخدمها أميركا لدعم تلك الأنظمة الخانعة، أو من أجل تطويع من يرفع الصوت في وجه إسرائيل. هل هناك منّا من سيشتاق للنفط العربي ومفاعيله السياسيّة، لو نضب النفط؟
أسعد أبو خليل*
لو نضب النفط العربي لتغيّر الكثير الكثير في عالمنا العربي. لو نضب النفط، لما تقاطرت جموع الرجال زرافاتٍ زرافات إلى مهرجان الجنادريّة الفاقع الذكوريّة مُسبغين المديح والألقاب على ملك يصعب عليه النطق العربي السليم. لو نضب النفط، لما كان الداعية القومي العربي، معن بشّور، ليتجشّم عناء السفر كي يساهم في تعظيم حكمٍ امتهن محاربة القوميّة وتعزيز القطريّة والعشائريّة والقبليّة والشلليّة. لو نضب النفط، لما حضر مهرجان الجنادريّة إلا عبد الله وبنوه ـــــ مُرغمين. لو نضب النفط، لتحوّلت هيئة كبار العلماء في المملكة إلى أضحوكة تلفزيونيّة ومدعاة للتشنيع وهدفاً لأدعياء التنوير المزيد

11.3.09

سميح شقير أيضاً... يغنّي محمود درويش

«قيثارتان» تعلنان انبعاث الأغنية الملتزمة السوريّة
الألبوم يطغى عليه منحى ملحميّ، تولّى توزيع أغنياته عاصم مكارم وزياد حرب، وشاركت في أدائها سهير شقير. تحيّة إلى صاحب «قصيدة بيروت» من الفنان السوري الذي يمضي في اتجاه سياسي وإبداعي رسمه لنفسه قبل ربع قرن

بشير صفير
إذا أردنا أن نكتب باختصار سيرة الأغنية الملتزمة (السياسية، الاجتماعية، الثورية...) في الوطن العربي عبر أبرز محطاتها ورموزها، وأكثرها انتشاراً وتأثيراً منذ النكبة، فيمكن القول إنّ الانطلاقة كانت مع فنانين لم ينحصر نتاجهم في هذا النمط. في المقابل، وَلّد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية حالة خاصة وغنيّة من الفن الملتزم (اليساري تحديداً)، لأسباب عدّة باتت معروفة، وأنتجت قُبَيلها وخلالها عدداً لا بأس به من الأسماء التي التزمت القضية الفلسطينية خصوصاً أو القضايا الإنسانية عموماً: غازي مكداشي، خالد الهبر، مرسيل خليفة، زياد الرحباني، أحمد قعبور، سامي حوّاط، مخول قاصوف، وغيرهم. وفي مصر يبدو الثنائي الشيخ إمام عيسى/ أحمد فؤاد نجم طاغياً على كل ما عداه، رغم كثرة التجارب الشبابيّة والمخضرمة المهمّة وغيرها منذ أكثر من قرن... أما بالنسبة إلى سوريا، فيمكن حصر المشهد في اسم واحد، هو سميح شقير.
لاعتبارات عدّة خاصة بالوضع السوري، يمكن وصف خيار سميح شقير بالاستثنائي بل بالجريء إلى حدٍّ ما، وذلك لأن صاحب «زهر الرمان» لم يكن ذاك الفنان الذي تحاشى «الشُبهَة» أو «الصبغة» في توجّهاته، وإنْ لم يتناول قضايا داخلية أو ممارسات محدَّدة. صحيح أنّه التزم غناء الحرية ومعاناة الإنسان عموماً، والقضية الفلسطينية أولاً وأخيراً، لكنه لم يُحسَب على اليسار فحسب بل على الشيوعيين في الدرجة الأولى. والدليل على ذلك يأتي من لبنان. إذ إنّ «صوت الشعب» أي إذاعة الحزب الشيوعي اللبناني، هي الوحيدة (على الأرجح) التي كانت وما زالت تبثّ أغاني سميح شقير بوتيرة تختلف نسبةً إلى ظروف الصراع العربي/ الإسرائيلي. وإذا لم يكن هذا دليلاً كافياً، نضيف إليه مشاركة شقير في احتفالات الحزب الشيوعي اللبناني في الذكرى الثمانين لتأسيسه (2004) حيث غنّى في الجنوب وبيروت (قصر الأونيسكو).
بدأ سميح شقير مسيرته الفنية عام 1982 وأصدر مجموعته الغنائية الأولى «لمَن أغنّي» عام 1983، تلتها جولة حفلات في سوريا ولبنان. في 1984، صدر ألبومه الثاني «بيَدي قيثارة» وبعده «حناجركم» (1985) و«وقْع خطانا» (1987) و«زهر الرمان» (1990). بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، غاب سميح شقير نسبياً عن الساحة الفنيّة العربية، فغادر إلى أوكرانيا حتى عام 1994، وقدم معظم حفلاته في الخارج قبل أن يعود إلى وطنه ويكتب موسيقى عدد من الأعمال المسرحية والدرامية السورية. وفي 1998، أصدر أسطوانة «زماني» وقدّم خلال السنوات الأخيرة حفلات عدة في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والوطن العربي، أبرزها المشاركة الغنائية ضمن «مهرجان إيقاعات الخريف» في رام الله التي بُثَّت مباشرة عبر الأقمار الاصطناعية (2006).
شأنه شأن معظم الفنانين الملتزمين اللبنانيين (سامي حواط، أحمد قعبور، زياد الرحباني،...) وظّف سميح شقير فنّه في خدمة الأطفال، فأصدر «تنورة» و«تفاحة» (2001)، و«يا باح ويا باح» (2007) ووضَع موسيقى فيلم «من العين إلى القلب» (2007).
أما جديد سميح شقير، فهو ألبوم «قيثارتان» (إنتاج سميح شقير والتوزيع في لبنان لـ «نادي لكل الناس»). بعد أكثر من عشر سنوات على صدور عمله الأخير (باستثناء تسجيلاته للأطفال)، يضيف الفنان السوري مجموعة غنائية جديدة إلى رصيده، أرادها تحيةً إلى الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش. في «قيثارتان» لحّن شقير وغنّى 11 قصيدة من شعر درويش، تولى توزيعها موسيقياً عاصم مكارم وزياد حرب، وشاركت فيها غناءً شقيقته سهير شقير. «تنسى» و«شجر السَرو» و«بيروت خيمتنا» و«سقط القناع» و«قيثارتان» وغيرها من القصائد، تنضم إلى العديد من كتابات الشاعر الفلسطيني التي أصبحت أغنيات بأصوات فنانين عرب، بعضها سبق أن لحنه آخرون (مرسيل خليفة، خالد الهبر، إيلي شويري...).
ما زال صوت سميح شقير مميّزاً بما يحمل في نبرته من آثار الإحساس بالمعاناة التي يغنيها، وما زال يسير في الخط الذي رسمه منذ أكثر من ربع قرن. لكنّ جديده يتخذ منحىً ملحمياً عاماً، ويعطي الصدارة للقضايا الكبرى، لحناً وتوزيعاً، على حساب الحميمية والبساطة. وهذه التجربة التي تقترب من ألبوم «خالد الهبر يغني محمود درويش» (1996)، ربّما تستند في خلفيّاتها إلى النصوص التي لا يشبه بنيانها نص الأغنية بشكلها الكلاسيكي. ليس في هذا مشكلة، لكن التوزيع الموسيقي الذي أتى أوركسترالياً ضخماً (يأخذ فيه عود شقير حيزاً ضيقاً)، طغَتْ عليه الأصوات المبرمَجة (باستثناء أغنية «قيثارتان» التي اقتصرت فيها المرافقة الموسيقية على آلتَيّ غيتار). وعلى رغم كلاسيكية الكتابة الهارمونية التي يمكن اعتبارها محافظة نسبة إلى النِتاج الغربي، وغير جديدة إنّما غير مستهلَكة في الشرق، تخلّلت التوزيع جملٌ جيدة ومناسِبة (وأخرى عادية)، لكن طبيعة صوتها خفّفت من حضورها. تماماً بخلاف الهبر الذي رافقته أوركسترا «حقيقية» (التوزيع الموسيقي لزياد الرحباني)، مقدماً في تجربته نموذجاً أعقد شكلاً وأدقّ تنفيذاً.


7.3.09

أمـن العـرب

سليمان تقي الدين
دعا وزير خارجية المملكة العربية السعودية إلى اتفاق العرب على مواجهة «التحدي الإيراني». رئيس لجنة العلاقات الخارجية الأميركية (جون كيري) لمس «رغبة غير مسبوقة للتعاون بين البلدان العربية المعتدلة وإسرائيل وقد تبدّل موقفهم وتحول تجاه إيران وخطر السلاح النووي وتدخلها وهيمنتها». لكن كيري نوّه بسياسة أوباما لجهة «رغبته بالحوار مع إيران والتعاون معها في أفغانستان».
بعض العرب استشعر «التحدي الإيراني» وخاصة في الخليج، منذ اللحظة الأولى للثورة الإسلامية وتولى دعم العراق في حربه ضدها لثماني سنوات. لم تكن إيران بصدد برنامج نووي ولا كانت بنفوذها جزءاً مهماً من التفاعلات الإقليمية.
من منظور الأمن القومي العربي كل قوة إقليمية يجب ان يحسب لها الحساب ولنفوذها ولمصالحها. لكن بعض العرب لم يحسبوا حساباً للاحتلال الأميركي للمنطقة وإعلانها عن «مشروع الشرق الأوسط الجديد». هم الآن يدفعون ثمن شراكة أميركية إيرانية تبلورت في العراق وأفغانستان نتيجة فراغ القوة العربي. الحوار الأميركي الإيراني يتطور باتجاه ملفات فلسطين ولبنان. لقد نجحت إيران في إرساء تفاهمات مع سوريا وتركيا لمواجهة المشروع الإسرائيلي في سعيه للعبث بكيانات المنطقة وإشاعة الفوضى. لكن أميركا تحت شعار مواجهة النفوذ الإيراني شنت الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة، وهي التي تحرك ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني.
من المؤكد أن أزمة السودان قديمة العهد مع الجنوب، لكن أزمة «دارفور» جرى افتعالها وتضخيمها في سعي أميركي إسرائيلي لتقسيم السودان وفصل أجزائه عن بعضها وتعطيل كل محاولات السلام التي جرى الاتفاق عليها لقيام دولة اتحادية. لا يمكن عزل ما يجري في السودان، من تشجيع للفوضى ومن اعتداء على سيادته، عن مجمل المخطط الأميركي الإسرائيلي. ان إعادة النظر في السياسة الخارجية الأميركية والحوار مع سوريا وإيران ليسا إلا محاولة لتحقيق الأهداف السياسية بواسطة التعامل مع المصالح لا بواسطة القوة والإملاءات. لكن النتيجة واحدة. السلاح النووي الإيراني، كما يقول جون كيري، يشكل «خطراً وجودياً» على إسرائيل. الهم الأميركي هو نفسه في كل الظروف «أمن إسرائيل».
لكن الأمن الإسرائيلي هو التحدي الأخطر على الأمن العربي، بل على أمن المنطقة تستشعره إيران وتستشعره تركيا ويمتد إلى وسط آسيا على حدود روسيا ويتغلغل في أفريقيا. ما زال الغرب ينظر إلى إسرائيل كوكيل أول محلي لمواجهة تحرر المنطقة وتقدمها واستقلالها الفعلي والتنمية فيها. إسرائيل تجدد الآن مشروعها من أجل حل القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار. هذا ما يقوله قادتها ويقوله جون بولتون وإليوت أبرامز. لا دولتان إسرائيلية وفلسطينية. بل إن إسرائيل تمد اليد لدعم مشروع دولة كردية تهدد وحدة العراق وإيران وتركيا وسوريا، وتسعى إلى تشجيع كل حركات الانفصال والتفكك في كيانات المنطقة حتى شمال أفريقيا. لا يمكن المقارنة بين «تحدٍ إيراني» و»خطر إسرائيلي» بهذا المستوى لديه السلاح النووي ويعلن بعض قادته انه قد يكون «الحل الأخير» للمشكلات!
ما نحن بصدده الآن في الدفاع عن أمننا العربي يحتاج إلى تصحيح الوجهة. إن الغرب قد «استوطى حيط العرب» ويسعى لإعادتهم إلى مرحلة الوصاية والاستعمار. ليس هناك من يحاسب إسرائيل على جرائمها الكبرى التي ما زالت تتوالى فصولاً ولكن هناك من يصدر قراراً باعتقال رئيس جمهورية عربي. لا محاكمة لجرائم بوش في العراق ولا جرائم إسرائيل في غزة ولا محاكم خاصة بذلك. لكن هناك محكمة خاصة بلبنان مع سلطات وصاية غير مسبوقة تدار بواسطتها البلاد وسياستها وأمنها، وربما خلق الفوضى فيها. ثمة حاجة إذن للحوار والتفاهم على «أمن العرب» في إطاره الإقليمي الصحيح وليس بوصفه انضواء تحت جناحي «أمن الهيمنة الإسرائيلية الأميركية».

3.3.09

بين المثقّف والأديب

يصادف في هذه الايام رحيل الروائي و المترجم والناشر "سهيل ادريس" مؤسس "مجلة الاداب" . نضع بين يدي القارىء مساهمة سماح ادريس في التكريم الذي اقامته وزارة الثقافة المغربية للراحل.

سماح إدريس*

يخيَّل إليَّ أنّ الصفةَ الأبرز في سهيل إدريس هي صفةُ المثقّف الملتزم بقضايا مجتمعه. بل إنّ مجمل إنتاجه في الرواية والقصة والترجمة والتأليف المعجميّ، وفي ميدان النشر، وفي «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» و«الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب» و«الاتحاد العام لأدباء آسيا وأفريقيا»... كان الحافزُ الأوّلُ إليه الالتزامَ بتطوير المجتمع العربي في اتجاه الحريّة والوحدة والعدالة.
لنبدأ من زيارته إلى باريس مطلع الخمسينيات. صحيحٌ أنه ذَهَبَ لنيل درجة الدكتوراه من السوربون، ولتنشّقِ نسائم التفلّت الاجتماعي من قيود المجتمع العربي؛ إلا أنّه حرص، في قلب باريس نفسها، على اكتساب الوعي السياسي. فكان أن التقى بعدد من المثقفين العرب ــ وكثيرٌ منهم ينتمون إلى حزب البعث ــ الأمرُ الذي أسهم في تكوّن وعيه القوميّ. ولا ريب في أنّ قارئ روايته الأولى «الحيّ اللاتينيّ» (1953)، لن يفوتَه أنّ شخصيّة فؤاد (القومي العربي) ترخي بظلالها على هذا العمل برمته، وتَرسم للبطل خياره: العودة إلى لبنان والعمل من هناك على تطوير المجتمع العربي واستقلاله.
وإذا انتقلنا إلى مجلة «الآداب»، برز لنا قوله في افتتاحيته الأولى (1953): «تؤمن المجلة بأن الأدب نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة هي غاية الأدب الفعال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثِّرُ فيه بقدر ما يتأثر به». ويضيف أنّ على الأدب، كي يكون صادقاً، ألّا يكون منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه.
فإذا عرجنا إلى ترجماته الأولى، وبخاصة ترجمته للفكر الوجودي، لفتنا اعترافه بأنّ اهتمامه بترجمة هذا الفكر «نابعٌ من اهتمام كبارهم، ولاسيما سارتر، بالنضال القوميّ». ويُضيف في حواره مع يسري الأمير («الآداب»، 10، 2000) أنّ ما حفّزه على حب سارتر كان موقفه الشاجبَ للاحتلال الفرنسي للجزائر، وأنه «كان طبيعياً بعد ذلك أن أحب هذا الكاتب، وأن أترجم عدداً من مؤلَّفاته، وقد كنت أطمع إلى أن نكتسب هذا المفكر العالمي إلى صفنا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين». ولعلنا نتفهم بعد ذلك، ندمه على ترجمة سارتر بعد زيارته الكيان الصهيوني.
وإذا انتقلنا إلى معجم «المنهل» الفرنسي ــــ العربي، فسنرى أن هذا العمل نفسه قد كان ثمرة شعور إدريس بلا جدوى الكتابة الإبداعية عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967. لقد هالَه مقدار الأكاذيب التي روجت نصر العرب قبيل النكسة الماحقة، فاكتشف أنّ «السبيل الأفضل للتصدي والمقاومة» بعد تلك النكسة «إنّما هو سبيلُ اللغة ووعينا الحقائق والمفاهيم لسانياً قبل كل شيء»! وقد فتح المجال في مجلة «الآداب» لمواصلة الاحتجاج: فكان «بيانُ 5 حزيران» لأدونيس، و«هوامش على دفتر النكسة» لنزار قباني، وعشراتُ المقالات ـــ المباضع في جسد الهزيمة.
بيْدَ أنّ أكثر ما كتبه سهيل كان مقالاته في مجلة «الآداب»، وفيها تتخلق نظرية متكاملة في الالتزام، قوامها عناصر خمسة: أولاً، المواكبة والشهادة؛ ففي رأيه أنّ على الأديب والمثقف أن يكون شاهداً على عصره وكاشفاً لمعاني أحداثه. ثانياً، التغيير؛ فدور الأديب والمثقف هو تغيير المجتمع العربي باتجاه الوحدة والحرية والاشتراكية. ثالثاً، رفض الهتاف والدعاية في الأدب الملتزم، بل العمل على إرهاف نواحيه الفنية. رابعاً، نبذ الإلزام الحزبي والسلطوي؛ فإدريس لا يؤمن بعبارة «واجبات المثقف» لأنّها توحي بأنّ هناك «إلزاماً له بأن يقوم بعمل ما»، في حين أنّ الكاتب الحقيقيّ «لا يلتزم إلّا بضميره ووعيه». خامساً، إنكار تقديم الحريات الديموقراطية على مذبح المشاريع القومية.
ولكن كيف يوفِّق الأديب بين مواكبة الحدث، وإرهاف الناحية الفنية التي تتطلّب وقتاً طويلاً؟ تلك مسألة أقضّت مضجع سهيل. وكان أن أَوجَد تمييزاً طريفاً بين الحدث من جهة، والزمن من جهة أخرى: «فإذا لم يتمكن الأثر الأدبي الذي يعقب الحدث من أن يكون له تأثير في هذا الحدث، فإنّه مُطلق الطاقة والقدرة لممارسة هذا التأثير في أحداث لاحقةٍ قد تُشبه هذا الحدث أو لا تشبهه». مبدأ الالتزام هو المهم إذاً، لا توقيته، وفي هذا التمييز ردّ على من يدين الالتزام جزافاً فيحصره بالانفعال الآني.
غير أنّ سهيلاً لا يريد من الأديب والمثقف أن يصمت حين تقع «الأحداث»، ولا سيَّما إذا كانت من نوع مقاومة بورسعيد أو هزيمة حزيران أو مجزرة أيلول. فكيف التوفيق وتلك الأحداث من الكثرة بحيث تكاد تأتي على كامل التاريخ العربي المعاصر... وكامل وقت المثقف لو شاء الالتزام بها؟ أطرح هذا السؤال وفي بالي أنّ سهيلاً، بالإضافة إلى عمله الأدبي والنشري والمعجمي والترجمي، تولى رئاسة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» أربع دورات، أي ما مجموعه عشر سنوات، رسم لنفسه خلالها مهمات أساسية: الدفاع عن الوحدة العربية، وعن حرية التعبير، وعن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. وقد دفعه ذلك إلى خوض المعارك، وإصدارِ البيانات، وحشد «المناصرين»... وكلها مشاغل لا تترك للأديب مجالاً واسعاً لإرهاف فنّه.
وأحسب أنه عاش طوال عمره نزاعاً داخلياً مريراً بين شخصية الأديب، وشخصية المثقف. فالمثقف يدعوه إلى الحركة، والتحريض، والصراخ، وتصدُّر التظاهرات، وعقد الاجتماعات، وتسطير البيانات والافتتاحيات. والأديب يهتف به أن اجلس، تأمَّل، اهدأ، هذِّب، تخيَّل، اشطُب، وسّع. ولم يكن إدريس من طبيعة تَهرب من المعارك، ولذا فضَّل في أكثر سنوات عمره أن يُغلِّب صورةَ المثقف على صورة الأديب. ذلك أنه لم يُطق الصمت والجلوس طويلاً، حتى حين انكبَّ على العمل المعجمي الأول (المنهل) بين عامي 1967 و1970.
والحق أنّ سهيل إدريس لم يَصمُت حتّى بعد رحيله! وهو سيَبرز قريباً أمام قرّائه مثقفاً وأديباً ولغوياً ونهضوياً، بكلّ ما لهذه الكلمات من معنى، مع صدور قاموسه الجديد، المنهل العربي ــــ الفرنسي الذي تعمل عايدة ورنا على إنجازه في أبهى صورة (وكان الشهيد د. صبحي الصالح قد شارك فيه جزئياً). ثم يصدر قاموسه الأضخم، المنهل العربي ـــ العربي، في سبعة آلاف صفحة كبيرة، وهو عمل شَرَّفني بأن أسهم فيه منذ سنة 1985 إلى جانبه وإلى جانب الشهيد الصالح. وسهيل ما يزال إلى جانبي، حتى اللحظة، في عملي هذا. وإليكم هذه الحادثة التي جرَتْ معي قبل يومين. فقد اتّصلت أحلام مستغانمي بأختي رائدة لتسألها إن كنت أتذكر صَدْر بيت المتنبي الذي عَجُزُه هو التالي: «وما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ». حاولتُ أن أتذكر، فلم أُفلح. عدتُ إلى عملي الذي أعكِفُ عليه منذ ثلاثة شهور، وهو ضبط ما أنجزه سهيل بخط يده من حرف الهاء. وفجأةً، رأيتُ سهماً، بخطّ سهيل، يُشير إلى نهاية الصفحة، حيث كلمةُ «هوان». وهناك قرأت: «مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عَلَيْهِ/ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ»!
لم تخذلني يا صديقي الأعزّ مرّةً، لا في حياتك، ولا بعد رحيلك الجسدي.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»

تصبحون على وطن...

رامي سلامي

في بلادي، نولد كلَّ يوم على قَارعة الطريق، نحمل عذاباتنا بطاقة هويَّة، وتقذف بنا الأقدار إلى مصيرنا الرمادي..
في بلادي، نتسوَّل وطناً طَوالَ النَّهار، ونرجع في المساء بلا وطن..لا تسَلني كيف نعيش، لعلَّ الموتَ يشفق علينا أو يهرب منَّا ألف مرَّة في اليوم.
نرجع في المساء حفاةً جياعاً إلى حيث انطلقنا، ونراقب بكسلٍ سقوط الشَّمس في هاوية المجهول. تصفعنا عتمة اللَّيل، ويقرصنا البرد في عيوننا. لا يبقى لنا إلا الله، وحسبنا الله وإن اختلفنا فيه..
يمدُّنا بقنديل أمل نشعله بزيت قلوبنا، ونستمع بخشوع إلى بوح قمر عاشق لغيمة مطر عابرة، فنتخيَّل فيها شبحَ وطن لم نرَه إلاَّ في أوطان غيرنا..
ثم تؤول كل الأشياء من حولنا إلى سواد، حتى لون الأمل وبوح القمر.

نلتهم جوعنا على عجل ونحاول أن نغفو.
في وحشة اللَّيل، نسمع صراخ سعالنا فيدرك كلٌّ منَّا أنَّه ليس المشرَّد الوحيد في هذا الوجود. نحاول اقترافَ جريمة الكلام، فتشيخُ في فمنا الكلمات وتخرَف، ويخنقُ حناجرَنا الصدأُ من طول ما هجرتها أغنيات الطفولة.
نغرق في شبر من النَّوم، ونعلك حلماً واحداً احترفناه من ألف عام، لا تتغير فيه إلا اللَّحظة التي نُمنَى فيها بهزيمتنا اليوميَّة، حين تمَسُّ أجسادَنا حرارة ُالشَّمس ببرودةٍ مخيفة..
في بلادي لا نغسِل وجوهنا عند الصَّباح، فلعلَّ بها بريقاً من أمل نخاف عليه أن يزول..
لا تسلني تفصيلَ ما نحلمُ كلَّ ليلةٍ من ألف عام. لا نكاد نذكر شيئاً عند الصَّباح، كأنَّ لنا ذاكرةً من نعاس تتسلَّل إلينا في اللَّيل، و تبدأ بالهروب مع طلوع الفجر..
نعم، يحدث أن يزورنا في أحلامنا طفل عجيب، تِربٌ لنا لا نراه إلاَّ نادراً، اعتدنا أن نسمَّيه «حنظلة» رغم حلاوة خفيَّة في مرارة ما يقول.
حنظلة هذا زوَّادة الدفءِ في حلمنا البارد، يقول لنا بعد توزيع الحلوى وقطع الأمل، تعالوا لأروي لكم عن فلسطين..
يحكي لنا حكايات ننتبه فجأة إلى أنها حكاياتنا. ينقل لنا حمّىً تنتابنا من المحيط إلى الخليج، كلَّما اغتسلت زنبقة أمل بدموع طفل في غزَّة، أو فاحت زهرة ليمون بعبق الشَّهادة في بيَّارة وجعنا الذي لا نعرف له حدّا ولا نهاية.
يعلمنا الشِّعر والحبَّ والثَّورة، وأبجديَّة العروبة ...
يحكي لنا عن أبيه ناجي العلي، وعن أمِّه بيروت. يسمِّي لنا أمَّهاتنا اللَّاتي لم نرَهنَّ واحدةً واحدة، ويروي لنا قصَّة استشهادِ آبائنا..
يحكي لنا باللَّهجة الجنوبيَّة قصَّة قانا وأخواتِها، وباللَّهجة العراقيَّة الحزينة قصَّة سقوط بغداد وقصَّة حذاءٍ صارَ أشهرَ من حذاءِ «سندريلاَّ».
ولاينسى أن يقرأ لنا كلَّ مرَّة قصيدةً من قصائدِ محمود درويش..
عجيب هذا الصَّبيُّ، يجيد كلَّ لهَجَاتِنا، ويعرف كلَّ جهاتِنا ويحفظُ كلَّ تواريخِنا...ويكرهُ كلَّ حكَّامِنا!!
نعم، يحدث أن يزورنا حنظلة، وقبل أن يغادرنا في عتمة اللَّيل تطلُّ من بين كتفيه هالة من نور، تمطرُنا أشعَّةً دافئةً تخترق جليد عيوننا وتَخِز وعينا النَّائم فيستفيق..
نتثاءَب قليلاً، نودِّعه ... يديرُ لنا وجهه للمرَّة الأخيرة ويقول: ناموا الآن بسلام..
تصبحون بخير..تصبحون على وطن.

الرأي الأخر


8.2.09

ورقة من غرة - قصة ناديا

غسَّان كنفاني

في عام ١٩٥٦ كتب الشهيد غسَّان كنفاني قصته الرائعة "ثلاث أوراق من فلسطين". كانت جراح النكبة ما تزال تزرعُ في الأرض العربية المرارة والحزن، وتزرعُ إلى جانب ذلك بذور الثورة والتمرد على الفاجعة. وهذا مقطع من تلك الأوراق يصور فيه الكاتب في قالب رسالة بداية الشعور بالمسؤولية التاريخيَّة، بداية المقاومة العربيَّة التي حملت السلاح لتنقذَ الأرضَ والأطفالَ، وتختم قصة أبشع جريمة ارتُكِبتْ بحق الأرض والأطفال في تاريخ الإنسان.


عزيزي مصطفى:
تسَلَّمتُ رسالتَكَ الآن، وفيها تُخبرُني أنَّكَ أتْمَمْتَ لي كُلَّ ما أحتاجُ إليهِ لِيدعمَ إقامتي معك في جامعةِ "كاليفورنيا". لا بُدَّ لي يا صديقي من شكرِكَ. لكنْ، سيبدو لكَ غريباً بعضَ الشيءِ أنْ أحْمِلَ إليكَ هذا النبأ. وثقْ يا مصطفى أنني لا أشعرُ بالتردُّدِ أبداً، بل أكادُ أجزِمُ أنني لم أرَ الأمورَ بهذا الوضوحِ أكثرَ مني الساعةَ. لا، يا صديقي.. لقد غيَّرتُ رأي، فأنا لن أتْبعكَ إلى حيثُ "الخُضرةُ والماءُ والوجهُ الحَسَنُ" كما كتبتَ، بل سأبقى هنا، ولن أبرحَ أبداً.

عندما أخذتُ إجازتي في حَزيرانَ، وجمعتُ كلَّ ما أملُكُ توقاً إلى الإنطلاقةِ الحلوةِ، إلى هذه الأشياء الصغيرةِ التي تُعطي معنىً لطيفاً مُلوَّناً، وجدْتُغَزَّةَكما تَعهدُها تماماً، بأزقَّتِها الضيقةِ، ذاتِ الرائحةِ الخاصة، وبيوتِها ذواتِ المشارفِ الناتئةِ. هذه غَزَّةُ. لكن، ما هذهِ الأمورُ الغامضةُ، غيرُ المحدّدةِ، التي تجذُبُ الإنسانَ لأهلهِ، لبيتهِ، لذكرياتهِ، كما تجذبُ النبعةُ قطيعاً ضالاًّ من العول؟ لا أعرفُ. كلٌُ الذي أعرفُ أنني ذهبتُ إلى أمي في دارِنا ذلكَ الصَّباحَ. وهناكَ قابلَتْني زوجةُ المرحوم ساعةَ وصولي، وطلبتْ إليَّ، وهي تبكي، أن ألبّيَ رغبة نادية، ابنتِها الجريحِ في مستشفى غَزَّةَ، فأزورها ذلكَ المساءَ. أنتَ تعرفُ ابنةَ أخي الجميلةَ، ذاتَ الأعوامِ الثلاثةَ عشرَ.


في ذلكَ المساءِ اشتريتُ رطلاً من التُفّاحِ، وَيَمَّمتُ شطْرَ المستشفى أزورُ نادية. كنتُ أعرفُ أنَّ في الأمرِ شيئاً أخْفتْهُ عني أمي وزوجةُ أخي، شيئاً لم تستطيعا أن تقولاه بألسنتِهما، شيئاً عجيباً لم أستطعْ أن أحدِّدَ أطرافه البتَّة. لقد اعتدتُ أن أحبَّ نادية. اعتدتُ أن أحبَّ كل ذلكَ الجيلِ الذي رضعَ الهزيمة والتشرُّدَ إلى حدٍّ حسبَ أنَّ الحياةَ السعيدةَ ضربٌ من الشذوذِ الاجتماعي.
ماذا حدثَ في ذلكَ الساعة؟ لا أدري.

لقد دخلتُ الغرفةَ البيضاء بهدوءٍ جمٌٍ. إنَّ الطفلَ المريضَ يكتسبُ شيئاً من القداسة، فكيفَ إذا كان الطفلُ مريضاً إثرَ جراحٍ قاسيةٍ مؤلمةٍ؟

كانت نادية مستلقيةً على فِراشِها، وظهرُها معتمدٌ على مسندٍ أبيضَ انتثَرَ عليه شعرُها كفروةٍ ثمينةٍ. كان في عينيها الواسعتينِ صمتٌ عميقٌ، ودمعةٌ هي أبداً في قاعِ بُؤبُئِها الأسودِ البعيدِ، وكان وجهُها هادئاً ساكناً، لكنَّهُ مُوحٍ كوجهِ نبيٍّ مُعَذَّب.

ما زالت نادية طفلةً.. لكنها تبدو أكثرَ من طفلةٍ، أكثرَ بكثيرٍ وأكبرَ من طفلةٍ، أكبرَ بكثيرٍ.
ـ ناديةً !
لا أدري، أأنا الذي قلتُها، أم إنسانٌ آخرُ خلفي؟ لكنها رفعت عينها نحوي، وشعرتُ بهما تُذيباني كقطعةٍ من السكر سقطتْ في كوبِ شايٍ ساخن. ومع بسمتها الخفيفة سمعتُ صوتَها:
ـ عمي وصلتَ من الكويت!
وتكسَّرَ صوتُها في حنجرتِها، ورفعتْ رأسَها متكئةً على كفيها، ومدَّتْ عُنقها نحوي، فربَّتُ على ظهرِها، وجلستُ قُربَها:
ـ ناديةً ! لقد أحضرتُ لكِ هدايا من الكويت، هدايا كثيرةً سأنتظركِ إلى حين تنهضينَ من فراشكِ سالمةً معافاةً، وتأتين داري فأسلِّمكِ إياها. ولقد اشتريتُ لكِ البنطالَ الأحمرَ الذي أرسلتِ تطلبينهُ مني. نَعمْ.. لقد اشتريتُهُ.

كانت كذبةً ولَّدَها الموقفُ المتوترُ. وشعرتُ وأنا ألفظُها كأنني أتكلَّمُ الحقيقةَ أولَ مرَّة. أمّا نادية فقد ارتعشتْ كمن مسَّهُ تيٌارٌ صاعقُ. وطأطأتْ رأسَها بهدوءٍ رهيبٍ، وأحسستُ دمعَها يُبلِّلُ ظاهرَ كفيّ:
قولي يا نادية.. ألا تُحبين البنطالَ الأحمرَ؟

ورفعتْ بصرَها نحوي، وهمَّتْ أنْ تتكلمَ. لكنَّها كفَّتْ، وشدَّتْ على أسنانها. وسمعتُ صوتَها مرةً أخرى من بعيد:
يا عمِّي!

ومدَّتْ كفَّها، فرفعتْ بأصابعها الغطاء الأبيضَ، وأشارت إلى ساقٍمبتورةٍ من أعلى الفخدِ..

يا صديقي!

لن أنسى ساقَ نادية المبتورةَ من أعلى الفَخِذِ. لا، ولن أنسى الحزنَ الذي جلَّلَ وجهَها، والدمعَ في تقاطيعه الحلوةِ إلى الأبدِ. لقد خرجتُ يومئذٍ من المستشفى إلى شوارعِ غَزَّةَ وأنا أشدُّ باحتقارٍ صارخٍ على "الجُنيهين" الّلذين أحضرتُهُما معي لأعطيَ نادية إياهما. كانت الشمسُ الساطعةُ تملأ الشوارعَ بلون الدَّمِ. كانت غَزَّةُ، يا مصطفى، جديدةٌ كلُّ الجدَّةِ. لم نرها هكذا قطٌّ أنا وأنت. غَزَّةُ هذه التي عشنا فيها، ومع رجالِها الطيبين، سبعَ سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً. كانت تلوحُ لي أنها بدايةٌ.. بدايةٌ فقط. لا أدري لماذا كنتُ أشعرُ أنها بدايةٌ فقط. كنتُ أتخيَّلُ الشارعَ الرئيسَ الذي أسيرُ فيهِ عائداً إلى داري لم يكن إلاّ بدايةً صغيرةً لشارعٍ طويلٍ يصلُ إلى صفَدَ. كلُّ شيء كان في غَزََّةَ هذهِ ينتفضُ حزناً على ساق نادية المبتورة، حُزناً لا يقفُ على حدودِ البُكاءِ. إنّهُ التحدِّي. بل أكثر من ذلك. إنّهُ شيءٌ يُشبهُ استردادَ الساقِ المبتورة!

لقد خرجتُ إلى شوارع غَزَّةَ. شوارعُ يملؤها ضوءُ الشمسِ الساطع. لقد قالوا لي: إن نادية فقدتْ ساقَها عندما ألقتْ بنفسِها فوقَ إخوتِها الصغار تحميهم من القنابلِ واللهبِ، وقد أنشبا أظفارهما في الدار. كانت ناديةُ تستطيعُ أن تنجو بنفسِها.. أن تهربَ.. أن تُنقذَ ساقَها. لكنها لم تفعل. لماذا؟
لا، يا صديقي، لن آتيَ إلى "كاليفورنيا"، وأنا لستُ آسفاً البتَّةَ. هذا الشعورُ الغامضُ الذي أحسستهُ وأنتَ تغادرُ غَزَّةَ.. هذا الشعورُ الصغيرُ يجبُ أن ينهضَ عملاقاً في أعماقكَ، يجبُ أن تبحثَ عنهُ كي تجدَ نفسكَ، هنا بين أنقاضِ الهزيمةِ.

لن آتيَ إليكَ.. بل عُدْ أنتَ إلينا. عُدْ لتتعلَّمَ من ساقِ نادية المبتورةِ ما الحياةُ؟ وما قيمةُ الوجود؟
عُدْ يا صديقي. . فكلنا ننتظركَ.

7.2.09

شكراً ...لكم

رفيق نصرالله
شكراً... للمقهى لأنه لا يزال يتحمل ثرثراتنا المبعثرة، ولم يعلن إفلاسه بعد...
مع ان نصف زبائنه من المفلسين... شكراً للكراسي... التي لا تزال قادرة على الصمود تحت أقفيتنا المترهلة، وشكراً لهذا الذي يرمي زماننا بفنجان الإكسبرس، ويسمع هلوساتنا دون ان يتدخل ويقلب الطاولة علينا وعلى رؤوسنا ورؤوس الذين خلفونا...
شكراً لهذا الزمن الذي لا يزال يمنح وجوهنا فرصة قبل ان يتجمع الأصدقاء والأقارب ليقدموا فينا العزاء، ويقيموا لنا ذكرى اسبوع، ويقدموا عن أرواحنا أردأ أنواع اللحم بعجين واللبن المغشوش...
شكراً للمدينة التي لا تزال قادرة وبإمكانها ان تصبر علينا ونحن الذين تفوح منا رائحة القرى...
شكراً لليل الذي يصبر على شتائمنا بعد ان صارت احلامنا برسم التقنين...
شكراً لبائع الصحف الذي يحمل العناوين ويبيعها رغم انه يعرف بأن الصفحات وإن صارت بالألوان... هي مجرد كلام يتداوله بعض الذين امتهنوا صياغة المراحل...
شكراً لهذه المحطات التي تسلي مساءاتنا وتعيد خلط قناعاتنا وتعمم علينا ثقافة السيليكون وتفاهة الزمن الموجع... ونتبادل وسياسيينا بلاهة التحليل... شكراً لشاشاتنا التي تشغل نساءنا عنا قليلاً حتى لا ننجب الكثير من الأولاد لهذا الوطن المؤجل...
شكراً لمطربينا ومطرباتنا وفنانينا وفناناتنا الذين صاروا أكثر عدداً حتى من شهدائنا وجنودنا وأجدادنا وأقاربنا... ويزاحمونا في شفط أوكسيجين المرحلة... ويتقنون فن الإرهاب الصوتي الذي يخرق مسامعنا.. وها هم يعممون صورهم الجميلة على مراهقينا الذين أتعبتهم العادة السرية...

شكراً لتيري رود لارسون على ما بذل من جهود وما سيبذل وكم سيرسم في رئتينا من خطوط زرق وحمر وخضر وصفر...
شكراً للنظام الدولي الجديد ، للشرق الأوسط الواسع والموسع، بكل ما سيضم من عرقيات ودويلات وبلديات ومحميات... وأمراء وكلاب حراسة.
شكراً للجامعة العربية وكل متنوعاتها وبنات خالاتها وعماتها على كل ما فعلت لنا...
وعلى جواز السفر العربي المشترك، وعلى نجاحها في ان يتنقل الإنسان العربي بالبطاقة والهوية من المحيط الى الخليج بين الماء والماء...
شكراً للبحر الذي سيستقيل من كل نفاياتنا ومجاريرنا وأنهارنا...
شكراً... لصديقي الذي اعتزل صداقتي لأنه ملّ من وجعي وقهري وهاجر الى البرازيل فصادق هناك تمساحاً بلا أسنان... يتقاسم معه الغابة قبل ان يصل موفد الأمم المتحدة ليتفحصه ما إذا كان لا يزال فحلاً ام نضب خيره...
شكراً لرفيقي الوطني الذي عاداني... لأنه بدّل فجأة ثيابه وربطة العنق...
صديقي صار وطنياً ، ولكن ليس رفيقي ... فقد عالج نفسه وتحسن وضعه لأنهم حقنوه بكورتيزون المرحلة... فتحول الى رجل واقعي فاستدعاني وشتمني وشتم كل نضالاتنا (الخشبية)... ونشر عرض كل شعاراتنا وكاد ان يشتم كل شهدائنا... ولعن أخت الساعة التي كان فيها مناضلاً...
صديقي الوطني السابق عندما ودعني... بكى... ثم ضحك... وقال: ... بشرفك لا تشتمني كثيراً...
انا مضطر لأن أعود الى طائفتي...
عذراً... هكذا نحن في العائلة... بعد الخمسين ننحرف...
نتحول... نتبدل... نلبس ثيابنا (دوبل فاس)...
وطني طائفتي يا صاحبي...
فأرجوك دع كل واحد منا يصلي كما يشاء...
فلكل منا ربه... وزعيمه وصحيفته وحتى المطعم الذي يقصد...
صلي يا صديقي وسأصلي...
وأدعو الله لك ولي... ان يلهمنا وطناً... هو اكبر منا جميعاً...
أن يلهمنا الصبر على ما نرى ونسمع من كل هذه (الأرطه)...
وكل هذا الزمن الذي أجمل ما فيه... أنه زمن بشع...
لا نملك فيه حتى الخجل الوطني!...

5.2.09

حنظلة يُعرّف بنفسه


عزيزي القارئ اسمح لي ان اقدم لك نفسي .. انا وأعوذ بالله من كلمة أنا ..
اسمي : حنظلة ،
اسم أبي مش ضروري ،
امي .. اسمها نكبة
وأختي الصغيرة فاطمة ..
نمرة رجلي :ما بعرف لاني دايماًً حافي ..
تاريخ الولادة : ولدت في (5 حزيران 67)
جنسيتي: انا مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا .. الخ ،باختصار معيش هوية ولا ناوي اتجنس .. محسوبك انسان عربي وبس ..

التقيت بالصدفة بالرسام ناجي .... كاره فنه لانه مش عارف يرسم .. وشرحلي السبب .. وكيف كل ما رسم عن بلد .. السفارة بتحتج ..الارشاد والانباء ( الرقابة) بتنذر ..
قلي الناس كلها اوادم .. صاروا ملايكة .. وآل ما في أحسن من هيك .. وبهالحالة .. بدي ارسم بدي اعيش .. وناوي يشوف شغلة غير هالشغلة ..
قلتله انت شخص جبان وبتهرب من المعركة .. وقسيت عليه بالكلام ، وبعدما طيبت خاطرو .. وعرفتو على نفسي واني انسان عربي واعي بعرف كل اللغات وبحكي كل اللهجات معاشر كل الناس المليح والعاطل والادمي والازعر .. كل الانواع .. اللي بيشتغلوا مزبوط واللي هيك وهيك .. وقلتله اني مستعد ارسم عنه الكاريكاتير . كل يوم وفهمته اني ما بخاف من حدا غير من الله واللي بدوا يزعل يروح يبلط البحر .. وقلتلو عن اللي بيفكروا بالكنديشن والسيارة وشو يطبخوا اكتر من مابفكروا بفلسطين ..

وياعزيزي القارئ .. انا اسف لاني طولت عليك .. وما تظن اني قلتلك هالشي عشان اعبي هالمساحة .. واني بالاصالة عن نفسي وبالنيابة عن صديقي الرسام اشكرك على طول .. وبس ..


التوقيع (حنظلة)