‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل

22.6.09

اليسار اللبنانيّ والانتخابات : الأبيض لوناً من ألوان التغيير

سماح إدريس *
بعد انقضاء أكثر من ثلاثة أسابيع على الانتخابات النيابيّة اللبنانيّة، ما زالت التحليلاتُ تتوالى عن أسباب خسارة المعارضة وفوز الموالاة. ثمة فريقٌ من المعارضة لا يَعتبر أنها هُزمتْ أصلاً؛ وهذا ما قد يسمّى في التحليل النفسيّ «حالةَ إنكار». وثمة مَن يعتبره «مقصوداً» لإبراز عدم تدخّل سوريا، أو لخشية حزب الله من أن يكون في الواجهة الرسميّة في المرحلة المقبلة «المحفوفة بالمخاطر الإسرائيلية ــــ الأميركيّة».

■ ■ ■

مهما يكن الأمر فإنني، بصراحة، لم أذرف الدمعَ السخينَ لخسارة المعارضة. فعلى إجلالي للمقاومة، وتأييدي الحاسم لها ولسلاحها، ولبقائهما إلى ما بعد بعد تحرير شبعا والغجر (نعم، حتى تحرير فلسطين والجولان)، فإنني لا أرى فارقاً كبيراً بين المعارضة (في جسمها الرئيس ممثَّلاً بحزب الله والتيّار الوطني الحرّ) والموالاة. وقد كتبتُ في هذا الموضوع غيرَ مرّة (راجع مثلاً مقالي في جريدة الأخبار في 28/12/2008)، وأُوجزُ عيوبَ المعارضة في العناوين السريعة التالية: التشدّق الكلاميّ بالرغبة في بناء «الدولة» في مقابل التقوقع العمليّ في الأطر الطائفيّة، وعدمُ التأسيس للعلمنة الشاملة، وإهمالُ الحقوق المدنيّة للشعب الفلسطينيّ في لبنان. لكنّ ما أحزنني فعلاً هو النتائجُ الهزيلةُ التي حصدها «اليسارُ» في هذه الانتخابات، وتحديداً حركة الشعب في بيروت، والحزب الشيوعيّ في غير مكان، والتنظيم الشعبيّ الناصريّ في صيدا، حتى بلغ الفارقُ بين بعض مرشّحي اليسار ومرشّحي اليمين أكثرَ من... خمسين ألف صوت.

■ ■ ■

بدايةً، أشعر أنّ اليسار خسر المعركة «المبدئيّة» قبل أن يخوض المعركة الفعليّة. رُبّ قائلٍ إنّ المعركة الانتخابيّة ليست معركةَ مبادئ. ولكنّ هذا القولَ، ببساطة، على خطأ. ذلك أنّ الانتخابات هي، في واقع الأمر، من أكثر أشكال المشاركة السياسيّة علنيّةً. ومن ثمّ، فإنها امتحانٌ فعليّ وعلنيّ لصلابةُ المرشّح (ولا أقول تحجّره)، ولمدى انسجام أفكاره مع أفعاله. إنّ إشعاع المبادئ والمُثل، في معركة الانتخابات تحديداً، يجب أن يكون أحدَ أهمّ أسلحتنا في مواجهة الانتهازيّة وسوء استخدام الأفكار الكبرى.
لقد رفض اليسار قانون الستّين لأنه، بحقّ، قانونٌ متخلّفٌ يَضْرب عرض الحائط بمطالب القوى الوطنيّة والتقدميّة المزْمنة، وأهمُّها: التمثيلُ النسبيّ، ومشاركةُ الشباب بدءاً بسنّ الثامنة عشرة اقتراعاً وترشّحاً، واعتبار لبنان دائرةً انتخابيّةً واحدةً بما يتيح للأكفأ حقّ التمثّل في الهيئة التشريعيّة. لكنّ هذا اليسار سرعان ما هرول إلى خوض الانتخابات، وسطَ استغراب مناصريه وذهولهم واستنكارهم أحياناً: فكيف يرضى يساريّ أن يواصل الترشّح سنوات بعد سنوات عن المقعد «الشيعيّ» أو «السنّيّ» على سبيل المثال لا الحصر؟ بل تناهى إلينا أنّ قسماً من اليسار سعى أوّلَ الأمر إلى أن «يتكرّمَ» عليه معسكرُ المعارضة الملتبسة بمرشّح على لائحته؛ حتى إذا استُبعد، ارتدى زيَّ المبادئ القويمة، وتباهى بالترشّح... منفرداً!
وفي كلّ الأحوال، فلو أنّ اليسار ثَبَتَ على موقفه المبدئيّ منذ البداية، رافضاً دخول معمعة الانتخابات المبنيّة على الطائفيّة والزبائنيّة (الداخليّة والخارجيّة)، لعَزّز ــــ في أقلِّ تقدير ــــ رؤيةََ الناس إليه بوصفه بديلاً حقيقيّاً أو محتمَلاًً، لا يفتّش عن المناصب كيفما أتت. وللمرء أن يتساءلَ، في هذا الصدد، جملة تساؤلات:
أصلاً، ما معنى أن يفوزَ اليسارُ بمقعد أو اثنين، إذا انثلمتْ ثقةُ مناصريه بمبدئيّته، أو شكّكوا في استقلاله الذاتيّ عن الاستقطابات كلها؟ وما تراه سيفعل اليومَ لو فاز، وهو شبهُ أعزل، في مجلس يكتظّ ــــ أكثرَ من أيّ وقت مضى ــــ بالطائفيين والمذهبيين والإقطاعيين والرأسماليين وأمراء الحرب السابقين والإمّعات، غيرَ الصراخ بلا طائل؟ ثم ألن يأتي فوزُه الهزيلُ نفسُه مَديناً لأصوات حزب الله أو التيّار العونيّ، لا لقاعدة اليسار الوطنيّ والقوميّ (المشتّتةِ لأسباب كثيرة)، بحيث يغدو رفيقُنا، النائبُ العتيدُ، «لاجئاً سياسيّاً» عند ذلك الحزب أو هذا التيّار، أسوةً بالياس عطا لله اللاجئ السياسيِّ عند آل الحريري (مع الفارق الشاسع، طبعاً، بين الحريري «السلاميّ» وحزب الله المقاوم)؟
ألن يَصْعب عليه، أخلاقيّاً في الحدّ الأدنى، أن يتّخذ موقفاً موضوعيّاً ومستقلاً إزاء أيّ قضيّة لا تحظى ببركة «الحزب» أو «التيّار»، وإلاّ عُدّ خائناً لمن أوصله إلى الندوة البرلمانيّة، كما هو حالُ بعض النوّاب الذين جاؤوا عام 2000 على القاطرة الحريريّة ثم انقلبوا عليها، فاستحقّوا لعنةَ الحريريين؟
باختصار، افتقر اليسارُ في هذه المعركة إلى شيء من مبدئيّته (ومن مثاليّته؟ بالتأكيد! ومَنْ قال إنّ المثاليّة أمرٌ معيب، أو غيرُ قابل للتحقّق، ولو بعد حين، إنْ ثَبَتَ المرءُ عليها؟). الحقّ أنّ المبدئيّة هي من أكثر ما يَنْشده، في المرشَّح، عددٌ كبيرٌ من الطلاب والمثقّفين والفنّانين والمحامين وأساتذة الجامعات والناشطين في مؤسّسات المجتمع الأهليّ و«المتردّدين» (والأخيرون بمئات الآلاف).
لقد انجرّ اليسارُ إلى ملعب اليمين والطوائف، بعدما تيقّن من فشله في تغيير القانون الانتخابيّ المتعفّن، فانزلق في الانتخابات، بحساباتها وأرقامها المضلّلة وتكتيكاتها التي لا قدرة له عليها. وكان أجدى به أن يجترحَ وسائلَ أحدثَ وأكثرَ إبداعاً للوصول إلى الناس مباشرةً، بدلاً من محاولة الوصول (شبه) المستحيل إلى البرلمان من أيّ طريق كان.
وزاد الطينَ بلّةً أنّ اليسار، بعدما حزم أمرَه بخوض الانتخابات على أساس لامبدئيّ وغير مقْنع، قد خاضها بعدّةٍ هزيلةٍ لا تَضْمن له إلاّ الخسارةَ... غيرَ البطوليّة: فقانونُ الستين ضدّه، والموالاةُ ضدّه، وجمهورُ الطوائف كلّه ضدّه، والمعارضةُ الملتبسة نفسُها ضدّه (وإنْ على استحياء وخَفر)، والمالُ السياسيُّ ضدّه، ورجالُ الدين ضدّه (إذ لا بطريركَ لليسار اللبنانيّ يَحْقنه بجرعة فياغرا، كما حقن بطريركُ الموارنة، المكتظُّ بعروبته المفاجئة، معسكرَ 14 آذار)، والأنظمةُ الرجعيّةُ العربيّةُ ضدّه. يضاف إلى ذلك أنّ النظام السوريّ نفسَه بدا بالغَ الحرص على «تسوية» مؤتمر الدوحة بين الموالاة والمعارضة؛ بل ظهر أنه لم يحرِّضْ بعضَ الجماعات التي «يَمون» عليها في لبنان على التصويت لليسار، ولم يَدفعْ (كعادته؟) بآلاف «المجنّسين» اللبنانيين القاطنين في البلدات السوريّة إلى الذهاب للتصويت الكثيف في لبنان لمصلحة هذا اليسار المأزوم في غير موقع.

■ ■ ■

إذاً، لم يكتفِ اليسارُ بإهدار شيء كبير من مبدئيّته حين انخرط في قانون جائر سبق أنْ رفضه بحزم، بل أخطأ أيضاً في حساباته ورهاناته السياسيّة، فاستحقّ (للأسف) هزيمةً كبرى. فقد راهن على أن تَحْشد المعارضةُ الملتبسة، وبخاصّة حزب الله والعونيّون، أنصارَها دعماً له. وقد تبيّن في 7 حزيران أنّ «دعمَ» المعارضة لليسار اقتصر، في أحسن الأحوال، على «رفْع العتب».
خذْ دائرة بيروت الثالثة مثلاً: فهنا لم يَقترع «الشيعةُ» (وجُلّهم من المعارضة) إلا بنسبة لا تتجاوز 40% تأييداً للائحة «قرار بيروت الوطنيّ» المدعومة من حركة الشعب! وربّ قائلٍ إنّ هذه نسبةٌ مرتفعة، لكنها في الحقيقة ليست كذلك، ولا تعبِِّّر عن شغفِ حزب الله بأعضاء اللائحة المذكورة (وضِمْنهم الرفيقان نجاح واكيم وإبراهيم الحلبي والزميل رفيق نصر الله). طبعاً لم يكن ممثّلا حركة الشعب وحلفائها سيرْبحون في كلّ الأحوال، نظراً إلى تعاظم التجييش المذهبيّ والمال الانتخابيّ وعوامل أخرى يضيق بها هذا المقال. ولكنْ أن يصوِّتَ لهم 22 ألفاً من «شيعة المعارضة» (أيْ 70% من شيعة هذه الدائرة) بدلاً من 12 ألفاً مثلاً، فذلك سيكون أقلَّ وطأةً عليهم، وأحفَظَ لماء وجه اليسار الوطنيّ والقوميّ الذي كان ــــ للتذكير ــــ أبرزَ حلفاء حزب الله أثناء عدوان تمّوز 2006 وبعده وقبله! والحال أنّ خطأ بعض اليسار في المراهنة على الأرقام والاستطلاعات «الموثّقة» قد أحبط اليومَ آلافَ الشباب المتطلّعين إلى التغيير. كما أنّ رهانَه على دعم المعارضة الملتبسة لا يُغتفر: فقد سبق أنْ لُدغ من جحْرها مرّتين على الأقلّ (في الانتخابات النيابيّة والبلديّة قبل سنوات قليلة)، وكان يُفترض أن يعي أنّ الثالثة... ثابتة!

■ ■ ■

ولنعترفْ، أيضاً، بأنّ بعضَ اليسار (والمعارضة الملتبسة) لم يقدِّمْ أحياناً نماذجَ تستحقّ أن تكون بدائلَ فعليّةً من مرشّحي الموالاة المنافسين. وذلك، في رأيي، أحدُ أسباب عدم اجتذاب يسارنا للكتلة «المتردّدة» الضخمة. تُرى، ما الذي يَجْمع مناضلاً شيوعيّاً نزيهاً ومناضلاً ناصريّاً علمانيّاً عريقاً بممثّلين عن الطوائف والإقطاع العائليّ... في لائحة «معارضة» واحدة؟ ومَنِ استمع إلى خُطَب بعض مرشّحي حلفاء حركة الشعب على لائحة بيروت الثالثة مثلاً، أَدركَ سريعاً أنهم لا يستحقّون أن يَبذل الإنسانُ العاديّ كبيرَ جهد لدعمهم. تصوّروا أنّ أحدَهم صَرف جزءاً من خطابه لشتم الشعارات العامّيّة للموالاة من قبيل «ما بيرجعوا والسما زرقا» (قائلاً بصوتٍ جهير: «العامّيّةُ ليست منّا ولسنا منها»)، ولرجْمِ «الدعارة» في لبنان، وكأنّ مشكلةَ بلدنا هي مع العامّيّة والمومسات! وتصوّروا أنّ مرشّحاً آخر أَقرّ على إحدى المحطّات التلفزيونيّة بأنه كان يأمل أن «يأخذَه» سعد الدين الحريري على لائحته! وهناك أكثرُ من مرشّح مدعوم من اليسار يخْطئ في قواعد العربيّة أكثرَ ممّا يخطئ الحريري وكارلوس إدّة (مَنْ قال، بالمناسبة، إنّ اللغة الصحيحة والثقافة الراقية هما خارجَ معايير النائب الجيّد، أو إنّ باكويّة آل فرنجيّة وطائفيّةَ وليد جنبلاط وعنصريّةَ آل الجميّل وهضمنةَ مصطفى علّوش وجمالَ مصباح الأحدب وشراسةَ علي عمّار وأموالَ محمّد الصفدي... أهمّ؟).
على مَنْ يريد أن يَهزم الحريري والسنيورة، وأمثالَهما من حيتان المال والضرائب والرجعيّة، أن يأتيَ بنماذجَ أفضلَ بكثير: موقفاً، وتاريخاً، وتحليلاً، وتقدّميّةً... ولغةً.

■ ■ ■

علاوةً على ما سبق، فقد خاض اليسارُ معاركه الانتخابيّة مفكّكاً، بدلاً من أن يخوضَها في لوائحَ (أو لائحة) موحّدة في طول البلاد وعرضها. وقد كان رأيي الشخصيّ قبل شهور أن يخوضَها بأوراق بيضاء، شجباً للقانون الانتخابيّ الرثّ، ولا سيّما أنّ هذه الأوراق باتت تُحتسب عند الفرز (ولم أكن أعلمُ ذلك حين أدليتُ بصوتي!)، وصار في مقدور مَن يَعتبر نفسَه خارجَ الاصطفافات الطائفيّة والزبائنيّة أن يدليَ بصوته الأبيض الناصع الشاجب للّعبة التزويريّة برمّتها. بمعنًى آخر، كان على اليسار أن يمثّل رأسَ حربة لمقاطعة هذه الانتخابات: فيسيّر المسيرات، وينظّم الاعتصامات، ويجْمع التواقيعَ الكثيفةَ على العرائض (كان الرفيق ألبير فرحات قد صاغ إحداها في الدعوة إلى قانون انتخابيّ بديل)، وينقلَ المعركة من مستوى التراشق الإعلاميّ بين المرشّحين إلى مستوى الجامعات والثانويّات والمنظّمات الشبابيّة والمنابر الثقافيّة... والسلك القضائيّ (إذ إنّ قانون الستّين، كما بات معروفاً، مخالفٌ لاتفاق الطائف الذي نصّ على أنْ تجري الانتخاباتُ على أساس المحافظة لا القضاء).
نعم، كان على اليسار في الانتخابات الأخيرة أن يقفَ إلى جانب (بل أمام) ما يزيد على 11 ألف ورقة بيضاء يحْلم أصحابُها بتمثيل ديموقراطيٍّ حقيقيٍّ، قائم على النسبيّة. الورقة البيضاء كانت ورقة موقف لا قعود، ومواجهة لا استسلام لمنطق «لبنان هيك». ورُبَّ ضارّة نافعة: فلعلّ الصفعة الانتخابيّة الجديدة التي تلقّيناها، كيسار وطنيٍّ وقوميٍّ وعلمانيٍّ داعم للمقاومة الشاملة، أن تدفعنا إلى أن نغيّر مسارَنا، فنستندَ اليوم وفي الغد إلى تلك الأصوات الناصعة التي تؤشّر على حالات متنامية من القرف... والرغبةِ العنيدةِ في التغيير الجذريّ.
* رئيس تحرير مجلة الآداب
(يُنشَر هذا المقال في العدد المقبل من المجلة)

3.5.09

الاشتراكية في القرن الواحد والعشرين

دياب أبو جهجه

قبل ان ينزعج اللليبراليون والمتتلمذين على أيديهم ويبدأون بالهجوم على هذه المقالة واتهامها باللغة الخشبية أطمئنهم بأنني أفضل الخشب على المطاط الذي تتكون منه مواقفهم
ولن أقبل بان أغير الأسماء لأن بعض الناس ينزعج من وقع كلمة اشتراكية فيريد أن يستبدلها بعدالة اجتماعية أو بصدقة أو زكاة.... الاشتراكية نظام اقتصادي علمي حديث لا علاقة له لا بمفهوم مطلق مثل العدالة ولا بلفتة انسانية مثل الصدقة ولا بواجب ديني مثل الزكاة
الاشتراكية هي نظام اقتصادي بديل للرأسمالية وأقدر منه على ادارة دفة الاقتصاد العالمي والمحلي وعلى توزيع الثروة الذي هو ضرورة لخلق استقرار في هذا العالم
ويقول الكثيرون بأن الاشتراكية جربت وفشلت ولذلك فلنجرب الطريق الرأسمالي... ونوافقهم الرأي بأن التجربة السوفييتية في الاشتراكية فشلت، ولكن ماذا عن التجربة الصينية؟
هل الصين تفشل اقتصاديا اليوم؟ وهل كانت الصين لتكون بهذه القوة لو اتبعت نظاما رأسماليا؟
ثم اين هو نجاح النظام الرأسمالي؟ النظام الرأسمالي يعم الكوكب بأسره فاين النجاح؟
الرأسماليون يجربون نظامهم منذ قرون ولم ينتج سوى الاستعمار ومجازره، ونهب ثروات الشعوب في أفريقيا واسيا أمريكا اللاتينية باسم التجارة وانتشار الامراض والأوبئة والحروب وعدم الاستقرار السياسي
والاشتراكيون جربوا في وطننا العربي واسقطت تجربتهم في مصر مع أنها بنت اقتصـــادا تصنيعــــيا منتجا ووزعت الأراضي على المزارعين وارتفع مستوى المعيشـــة وتقلصـــت الأمية وزادت الصادرات على الواردات وكل ذلك بالرغم من ظروف الحرب وانعدام الاستقرار
ثم لنرى ماذا أنتجت رأســــمالية الســـادات ومبــــارك وانفتاحهما ولنقارن
علما أن السادات أخرج مصر من الصراع العربي الصهيوني وعم السلام المزعوم الربوع
فأين هي الرفاهية والتقدم والازدهار والنمو؟ ومن يجرؤ من الليبراليين أن يتحدى مقارنة مصر عبد الناصر بمصر مبارك اقتصاديا؟
الاشتراكية هي نظام القرن الواحد والعشرين ووجهته.... فها هي الأزمة الاقتصادية العالمية تجبر حتى الولايات المتحدة وأوروبا على انتهاج التأميم وسيلة في ادارة اقتصاداتها
انهم يؤممون
الأزمة والديون ولكن عندما كان القطاع المصرفي في ازدهار رفضوا تأميم الرفاهية
ولكن الحيلة بدات بالانكشاف وها هو ألن غرينسبان الأب الروحي للنظام المالي الأمريكي يقول كلاما مثل ' كنا نعمل بالايديولوجية الغلط طيلة اربعين عاما' وفرانسيس فوكويوما منظر نهاية التاريخ وانتصار الليبرالية النهائي يكتب في مجلة نيوزويك ' هنالك أعمال لا يستطيع أن يقوم بها الا القطاع العام' ونقرأ له أيضا في نفس المجلة رفضه ' للدوغمائية الليبرالية' ونقول سبحان مغير الأحوال
منذ سنة فقط كان القول بالتأميم كفرا مطلقا وكانت توجيهات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كلها تفرض 'اصلاحات' أساسها الخصخصة ورفض تدخل الدولة في تنظيم الحركة الاقتصادية وها هي أمريكا وأوروبا تنقض هذه المبادئ المقدسة وتتخلى عنها
الاشتراكية ستنتصر في القرن الواحد والعشرين لأنها تنتصر في فنزويلا بتشافيز المنتخب ديمقراطيا والذي يؤمم ويوزع الثروة ويبني بناء اشتراكيا من دون قمع الحريات ولا الغاء الأحزاب ولا زج المعارضين بالسجون
انها الاشتراكية اللاتينية التي تشبه جدا الاشتراكية العربية الناصرية وذلك بشهادة تشافيز نفسه الذي ما برح يلوح بصورة ناصر وكتبه ويؤكد على ضرورة احياء الحركة الناصرية
وفكر ناصر الذي سخر منه الرأسماليون والاشتراكيون 'العلميون' على حد سواء ينتصر في الصين ايضا حيث تبني الصين قطاعها العام ورأسماليتها الوطنية في اطار خطة اشتراكية ونظام مخطط وموجه وتتحول الى قوة اقتصادية عظمى على هدي نظام اشتراكي مختلط كذلك الذي دعا اليه ناصر وليس نظاماً أحادي البعد لا وجود فيه للسوق
ولذلك نقول وبكل فخر، الاشتراكية العربية التي طرحها عبدالناصر ليست فكرا طوباويا بل هي نابعة من واقعها العربي وبذلك أكثر علمية من الاشتراكية الوهمية الدوغمائية التي سقطت الى غير رجعة
الاشتراكية العربية تعني ان الشعب العربي يسيطر على موارده وثرواته ويجيرها لبناء مستقبله ونهضته.... والاشتراكية العربية تعني أن لا تستحوذ فئة صغيرة على المقومات الاقتصادية لبناء الامة وان تبعثر مليارات الدولارات بينما المواطن العربي يجوع ويذل ويهاجر قسرا بحثا عن لقمة العيش
الاشتراكية العربية تعني قطع دابر الفساد بأن يسيطر الشعب العربي عبر هيئاته المنتخبة ديمقراطيا على قناته ومياهه ونفطه وغازه وفوسفاته ومنغنيزه , وان يتم توزيع الربح الناتج عن تجارته بها على الشعب العربي في اطار مشاريع دراسية وصحية وتنموية وثقافية ورياضية وطبعا عن طريق فرص عمل واستثمارات صناعية وزراعية ونظام ضمان اجتماعي فعال يحفظ للمواطن كرامته دوما
الاشتراكية العربية تعني ان يحصل الفلاح على ارض يزرعها وان لا تتشكل ملكيات احتكارية للارض تستعبد الناس وتبني اقطاعية جديدة
الاشتراكية العربية تعني ان يحصل العامل العربي على عقد عمل محمي من قبل الدولة ويضمن حقوقه وواجباته وان يكون هنالك حد ادنى للأجور وحد أقصى لساعات العمل وحق في وقت عطلة وفراغ يخصص للراحة ولنشاطات اخرى
الاشتراكية العربية لا تعني كف يد المبادرة الفردية وبناء بيروقراطية اقتصادية كريهة تجمد الحركة الاقتصادية وتقتل السوق
كلا الاشتراكية العربية ليست ضد الملكية الفردية ولا ضد ان يكون هنالك أغنياء، انها ضد ان يكون هنالك فقراء وضد التمركز المفرط لرأس المال الذي يتحول حكما الى هيمنة سياسية واحتكار اقتصادي وهي بالتالي تعتبر ان توزيع الثروة والتكافل الاجتماعي شرط واجب لبناء مجتمع صحي
لقد سقط التطبيق السوفييتي للأشتراكية الى غير رجعة لأنه تجاهل حرية الفرد وحقوق القوميات وبنى دولة بوليسية مغلقة واستبدل الطبقة المخملية البرجوازية بمخملية بيروقراطية من الرفاق في الحزب الواحد الأوحد
سقطت الاشتراكية الشكلية في موسكو لأنه ليس بالخبز وحده يحيى الانسان وستسقط الرأسمالية لأن الانسان يحيى ايضا بالخبز، وهي تسلبه لاكثر من خمس مليارات فقير على وجه هذا الكوكب بينما يعيش في نعيمها مليار واحد فقط
ليس للفقراء ما يخسرونه سوى فقرهم، وليس للعبيد ما يخسرونه سوى قيودهم

' كاتب عربي لبناني مقيم في بلجيكا

10.3.09

سـرّ العجـز العربـيّ

في البداية كانت أوساطُ المعارضة العربيّة هي التي تتداول تعبيرَ "العجز" العربيّ كتهمةٍ توجّهها إلى الأنظمة الحاكمة، لإخلالها بحماية الحقوق الوطنيّة عمومًا والحقوق الفلسطينيّة خصوصًا، الأمرُ الذي كان يستفزّ هذه الأنظمة. إلاّ إنّ الأخيرة ـ كما يبدو ـ تبيّنتْ في النهاية ما لهذا التعبير من منافعَ أدبيّة: فهو يُشْبه أن يكون "عذرًا" لها باعتبارنا "دولاً ضعيفةً مسكينة" في إزاء قوًى دوليّة غاشمة، وبالتالي فإنّ علينا طاعةَ الأخيرة وإلاّ سحقتْنا! وهكذا انتقل تعبيرُ "العجز العربيّ" إلى الأوساط الرسميّة، تردّده بلا خجل، وبإجماع لافت، في مؤتمرات القمّة العربيّة نفسها. وبات هذا التعبيرُ جدارًا يستند إليه النظامُ العربيّ لتبرير سلبيّته في القضيّة الفلسطينيّة، مقابلَ الفاعليّة والنجاح اللذيْن يبديهما المشروعُ الصهيونيّ. بل إنّ التسليم بضعف الكيان العربيّ إزاء القوى الدوليّة المهيمنة صار أشبهَ باللغة الرسمية للجامعة العربيّة وأعضائها. ويتم التساهلُ إزاء ترويجه في الإعلام أيضًا، وذلك بقصد تثبيط المطالبة الشعبيّة واليساريّة بنصرة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته.

التساؤل الذي تطرحه هذه المقالةُ هو: ما مقدارُ الحقيقة ومقدار الوهم في حكاية "العجز العربيّ" فلسطينيّاً ودوليّاً؟ والاستنتاج الذي تخرج به هو أنّ هذا العجز قديم، ولكنه ليس من صنع العرب بشكلٍ رئيس. إنّ الوضع الراهن عبارةٌ عن وَصْفٍ يقوم به الغربُ الرأسماليّ للحالة التي صنعها بنفسه منذ ما قبل الحرب العالميّة الثانية وقطعَتْها سلسلةُ الاستقلالات للبلدان العربيّة والانقلابات ذات الصبغة القوميّة منذ خمسينيّات القرن العشرين. أيْ إنّ هذه الحال الراهنة مصنوعة، لا تلقائيّة، ولا بريئة.
* * *
عندما كان المخطَّط الدوليّ لإنشاء إسرائيل جاريًا على قدمٍ وساقٍ، لم يكن الغربُ الإمبرياليّ، وعلى رأسه بريطانيا، غائبًا عن ردود الفعل المتوقّعة للشعوب العربيّة. ولمّا كان إنشاءُ إسرائيل ضرورةً إستراتيجيّةً لا سبيلَ إلى التراجع عنها، فقد كان المطلوبُ آنذاك تهيئةَ البيئة المناسبة، المأمونة، لردّ الفعل العربيّ وبأقلّ ما يمكن من الخسائر. ومن حسن حظّ بريطانيا آنذاك أنّ هذا المخطَّط كان يتّفق وحِرْصَها ـ الذي يعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية ـ على عدم السماح بوجود جيش قويّ أو مستقلِّ الإرادة في أيٍّ من الدول التي تهيمن عليها. فقد كان عسيرًا، ووخيمَ العواقب، منعُ الجماهير العربيّة، بشكلٍ سافرٍ، من التعبير عن غضبها الطبيعيّ على سرقة بلدٍ شقيقٍ وتدنيسِ مقدَّساته؛ لذا لم يتبقَّ سوى اتخاذ التدابير اللازمة لتجنّب عواقب عاصفة الغضب العربيّ بأن يُسمح لها بالمرور من دون أن تُحدِث خسائر. وعلى الأرض عنى هذا اصطناعَ مسرحيّةٍ تذهب فيها الجيوشُ العربيّةُ إلى الحرب في فلسطين؛ لكنْ في الواقع ليس هناك جيوشٌ بالمعنى الحقيقيّ، ولا حربٌ بالمعنى الحقيقيّ، وبالتالي لن تعود بعد الحرب ثمة فلسطين بالمعنى الحقيقيّ.
ابتداءً من فشل حركة الجيش العراقيّ ضدّ الوجود البريطانيّ (1941)، تعمّدتْ بريطانيا ووكيلُها الوصيّ عبد الإله، على سبيل الانتقام، جَعْلَ الجيش العراقيّ اسمًا خاليًا من المعنى: لا أسلحة، ولا تجهيزات، ولا طعام، ولا ما يكفي من جنود، إذ أُمِر بعدم ملاحقة الهاربين من الجيش وقد بلغوا الآلاف. حتى إذا ما أعلنتِ الدولُ العربيّةُ، تحت ضغط الغضب الجماهيريّ، الحربَ في فلسطين، كان فشلُ الجيش العراقيّ في مهمّته متوقَّعًا: فقد كان "سيِّء الإعداد، رديءَ القيادة، ليس مسلّحًا بالشكل المناسب، ويعاني من نقصٍ في الخبرات، ونقصٍ في الإمداد، نتيجةً للسياسة التي كان يتَّبعها الإنجليزُ."1 ومن ثم كان إرسالُه الى فلسطين مأمونَ العواقب.
أما الجيش الأردنيّ المشارك في الحرب، فكان المطلوبُ منه أن يُبْدي الخضوعَ للدولة الكبرى التي أسَّستْه. وبلغتْ سخريةُ البريطانيين بالعرب حدَّ تصوير الجيش الأردنيّ، الذي صنعه البريطانيون، وكأنّه ذاهبٌ، بقيادة جنرالٍ بريطانيّ (غلوب باشا)، لمقاتلة الدولة التي قرّر البريطانيون أنفسُهم إنشاءها! ومع ذلك، فإنّ ما انطوت عليه القياداتُ السياسيّةُ والعسكريّةُ شيء، ومشاعرَ المقاتلين شيءٌ آخر: فهؤلاء لم ينقصهم الإيمانُ بعدالة حربهم، ولا الحماسةُ في القتال. ولقد أصاب المقاتلون الأردنيون والعراقيون الجيشَ الصهيونيَّ بخسائرَ موجعةٍ، بل كادوا يهزمونه لولا تواطؤ الحكّام العرب ودعمُ الغرب للصهاينة.
ولم يكن الوضعُ في الجيش المصريّ أفضل: فالخبرة العسكريّة هنا كانت معدومةً، وكذلك القياداتُ، والسلاحُ كان متخلّفًا بسبب أوامر بريطانيّة (منذ معاهدة 1936). كما كان الجيشُ البريطانيّ على علمٍ بكلّ قطعة عسكريّة مصريّة تتوجّه إلى فلسطين لأنها كانت ستمرّ ـ كما يروي أحدُ المشاركين في الحرب ـ بالمعسكرات البريطانيّة التي كانت تحتلّ سيناء!2
واضحٌ، إذن، أنّ الرثاثة التي كانت عليها الجيوشُ العربيّةُ مقصودةٌ، بل كانت عنصرًا رئيسًا من عناصر مخطَّط إنشاء إسرائيل وبقائها. فلم يكن مصادفةً أنّه لم يوجد آنذاك جيشٌ عربيٌّ واحدٌ مستقلُّ القيادة أو ذو مستوى جيّد إداريّاً وفنيّاً. ورغم ذلك فإنّ مقاتلي هذه الجيوش أنجزوا ما فاق كلَّ توقّعات الدول التي أرسلتْهم، الأمرُ الذي اضطَرَّ هذه الدولَ إلى التدخّل العلني لكي تُلْحق الهزيمةَ بجيوشها. فكانت الأوامرُ السلبيّة ـ أو الخيانيّة بالمعيار العسكريّ والوطنيّ ـ الصادرةُ إلى الجيش العراقي؛ وكانت الأسلحةُ الفاسدةُ للجيش المصريّ؛ وكانت الموافقةُ على الهدنة التي غيّرتْ مجرى الحرب كليّاً، إذ استغلّت الدولُ الداعمةُ للصهيونيّة كلَّ دقيقة من هذه الهدنة لمدّ الصهاينة بكميّاتٍ كبيرة من الأسلحة الحديثة. وهكذا، بحسب الخطّة السالفة الذكر، يكون الغضبُ الجماهيريّ العربيّ قد استنفد مداه وأدّى ما عليه، وتكون الجيوشُ العربيّةُ قد "حاربتْ" فخسرتْ، وتكون دولةُ إسرائيل قد قامت.
بكلمةٍ أخرى، أتّفقُ مع الاستنتاج الذي خَرجتْ به هيام عبد الشافي3 من أنّ إنشاء دولة إسرائيل كان عمليّةً دوليّةً بالدرجة الأولى. ولو لم يَلْقَ هذا المطمحُ الصهيونيّ توافقًا مع المطامح الغربيّة الإمبرياليّة البعيدة المدى، لما وُجدتْ هذه الدولةُ ذاتَ يوم. وأؤكّد أنّه، لتمرير هذا المشروع، عَمَدتْ بريطانيا إلى شلّ القدرات العربيّة بكلّ أنواعها، وترتيب ترجيح كفّة الصهاينة في فلسطين قبل حرب 1948 وأثناءها وبعدها. وقد تحقَّقَ هذا المخطَّطُ بالكامل بفضل إخلاص الأنظمة العربيّة لبريطانيا، التي كانت توفِّر لها الحمايةَ من شعوبها. طبعًا كان من السهل على الإعلام العربيّ الرسميّ وقتَها القولُ بأنّ سبب الهزيمة يعود إلى عدم تناسب القوى العسكريّة؛ وهذا بحدّ ذاته صحيح، ولكنّ أصحابُ ذلك الإعلام لم يخبرونا لماذا وُجد عدمُ التناسب هذا أصلاً؛ ولم يقولوا إنّ العملية برمّتها، والواقعَ العربيَّ الذي أنتجها، من صنعٍ غربيّ.
* * *
نقف اليومَ بعد زمن طويل من تلك الحرب لنرى عدمَ كفاية ذلك المخطَّط الدوليّ رغم ما يميّزه من إتقانٍ وسعةٍ جغرافيّةٍ ودقّةٍ تفصيليّة. وإذا شئنا رسمَ صورةٍ رمزيّةٍ للعواقب التي غفل عنها ذلك المخطّط فهي صورةُ جمال عبد الناصر ورفاقه محاصرين في قرية الفالوجة في غزّة. هؤلاء الضبّاط سيَعْرفون الحقائقَ الدامغةَ التي تَكْشف أنّ حكوماتهم قد تعمّدتْ إذلالَ الجيش والوطن. فالحقّ أنّ المرارة التي أحسّ بها ضبّاطُ الجيوش العربيّة بسبب النكبة، ووقوفَهم على الدور الخيانيّ الذي لعبتْه الأنظمة ُالحاكمةُ، سيؤسِّسان لتمرّدهم القادم ولتخليص بلدانهم من تلكم الأنظمة. ومنذ ذلك الوقت سيبدأ النفوذُ البريطانيُّ في المنطقة بالانكماش، وسيتتابع استقلالُ الدول العربيّة. حتى إذا ما اشتعلت الحربُ الباردة، وحضر السوفييتُ إلى المنطقة، غدا التحكّمُ الغربيُّ بأقدار البلدان العربيّة حكايةً من الماضي، بما في ذلك التحكُّمُ بالجيوش العربيّة وبتسليحها. والنقطة الأخيرة خطٌّ أحمر، لأنه يعني خطرًا على المشروع الدوليّ الإستراتيجيّ: إسرائيل. وفي هذه الحالة، حيث لم يعد بمقدور الغرب الإمبرياليّ خلقُ حالة "العجز العربيّ" كما كانت الحال أيّامَ النكبة، فقد عَوَّض من ذلك بخلق التفوّق الإسرائيليّ في المنطقة. وهكذا كانت إسرائيلُ أقوى ما تكون فجرَ يوم 5 يونيو (حزيران) 1967 عندما هَزَمَتْ كلَّ الجيوش العربيّة مجتمعةً، وفي ثلاث جبهات، محتلّةً أراضيَ إضافيّةً. السلاح الحديث، المعرفة العسكريّة، الدعم المادّيّ والمعلوماتيّ والسياسيّ القادم من أقوى دول العالم: كلُّها كانت في خدمة إسرائيل في ذلك اليوم... وهي تحارب دولاً أسيرةً لصراعاتها الداخليّة، ولهشاشة علاقاتها الدوليّة، ولتخبّطها الفكريّ، ولتخلّفها الإداريّ، ولضعفها الاقتصاديّ، ولتأخّرها العسكريّ. كانت هزيمةً مدوّيةً هزّت الجماهيرَ، كما الأنظمة الحاكمة. وعلى أثرها جَرَتْ تغييراتٌٌ ملموسةٌ في السياسة العربيّة: فسقطتْ أنظمة، وأجْرَتْ أخرى مراجعةً ذاتيّةً. غير أنّ النظامَ الحاكمَ في مصر كان الوحيدَ الذي أقرّ علنًا بمسؤوليّته عن الهزيمة وبعدم أهليّته لقيادة البلاد، كما عَبّرتْ عن ذلك استقالةُ عبد الناصر، الذي لم تكن مرارةُ الهزيمة الأولى قد فارقتْ فمَه لتحلَّ الهزيمةُ الثانيةُ القاصمة. لكنْ يُحسب لهذا الرجل أنه لم يستسلمْ، وبدأ على الفور بمراجعة عوامل الهزيمة ومعالجتها، وبتأسيسِ عناصر القوّة (مع كلّ ما شاب ذلك من تجاوزاتٍ منه ومن المحيطين به)، ليَشْرع بَعد سنتين فقط في خوضِ ما عُرف بحرب الاستنزاف. ولم يَبْلغ هذا البناءُ عمرَه السادسَ حتى أثمر أولَ اختراقٍ عسكريّ عربيّ في تشرين الأول (أكتوبر) 1973، رغم أنه لم يكن كلّه حكايةً جميلةً (ربما بسبب تولّي القيادة يومَها أناس أقلّ كفاءةً من عبد الناصرَ، وربّما لأسباب أخرى).
حرب 1973 كانت الذروةَ التي بلغتْها الإرادةُ العربيّةُ المستقلّة. فإلى جانب أنّها كانت ثمرةً للجهود المتواصلة والمكثّفة التي كان عبدُ الناصر قد بذلها، فقد آزرتْه بيئةٌ عربيّةٌ ثوريّةٌ. كانت الاحتكارات النفطيّة في المنطقة تَخْسر مواقعَها بفعل التأميم في العراق (1972) الذي ألهم الآخرين (إذ ستؤمِّم الكويتُ أيضًا نفطَها بعد الحرب بسنتين مثلاً)، وبفعل نجاح التحالف بين اليسار والقوميين في سوريا والعراق ولبنان على أساس النضال ضدّ الإمبرياليّة والصهيونيّة، وبفعل صعود التجربة التنمويّة الجزائريّة. لكنْ إذا كان الاختراقُ العربيّ الكبير ضدّ إسرائيل قد جاء من مصر، فإنّ الاختراق الغربيّ لمنطقتنا قد جاء من مصر أيضًا: فبعد الحرب مباشرةً، وبفضل أنور السادات، استعاد الغربُ مصرَ، وتمّ التخلّصُ نهائيّاً من أخطر جبهةٍ عربيّة!
لقد شاء الساداتُ أن يُحلَّ محلَّ الصداقةِ مع الاتحاد السوفييتيّ، وهو أكبرُ داعمٍ دوليّ للعرب ولم تُعْرف عنه مطامعُ مادية، الصداقةَ مع أمريكا، أكبرِ داعم دوليّ لإسرائيل والطامعة العلنيّة بخيرات العالم كلّه. وطبعًا جاءت العواقبُ متوقَّعةً، إذ أخذت الأوضاعُ الاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ في الانحدار، الأمرُ الذي مَهّد لظاهرة الديون والمعونات الأمريكيّة إلى مصر لسنواتٍ متتاليةٍ كانت كافيةً لبلوغ حالة "الاعتماد" على هذه المعونات، وهو المطلوبُ بالضبط.
بعد خروج الجبهة المصريّة من الصراع جرى إشغالُ بقيّة الجبهات بهذا الشكل أو ذاك ولزمن طويل: حربُ لبنان الأهليّة؛ الحرب العراقيّة ـ الإيرانيّة. ثم اقتيدت المنظومةُ العسكريّةُ العراقيّةُ بكاملها إلى فخّ الكويت وجَرَتْ تصفيتُها هناك. أما الجيش السوريّ فلم يعد يشكّل خطرًا: فهو، من جهةٍ، ظلّ عالقًا في لبنان لسنوات؛ وهو، من جهةٍ أخرى، معروفٌ بأنّه لا يَنْشط ضدّ إسرائيل بمفرده وإنما ـ كما حَصَلَ في كلّ الحروب العربيّة ـ يَشْترط توفّر دعمٍ من جيشٍ عربيٍّ آخر، الأمرُ الذي لم يعد له وجود!
* * *
قد يَخْطر في بال القارئ أنّ السطور السابقة تَختزل التاريخَ القريبَ للمنطقة بمنظور ضيّق مسبَّق. لكنْ بدلاً من المماحكة أقترحُ إجراء عمليّات حسابيّة لهذه الحروب الجانبيّة للوقوف على مقادير الربح والخسارة فيها، وهويّةِ الرابحين والخاسرين.
كان أكبرَ خطرٍ على إسرائيل، بعد قيام الثورة الإيرانيّة، أن يتكوّن حلفٌ إيرانيٌّ ـ عراقيٌّ ـ سوريّ (كما بشّر في حينه ياسر عرفات). وللنجاة من هذا المصير، لم يكن أمام إسرائيل حلٌّ أفضلُ من توجيه قوى هذه الدول بعضِها ضدّ بعض. وإذا لم تتسرّبْ حتى اليوم أسرارُ الجهد الاستخباراتيّ الغربيّ المزروع في داخل هذه الأنظمة من أجل إدامة حالة الاحتراب في ما بينها، فإنّ الصفقات الاقتصاديّة والعسكريّة التي كانت تغذّي كلَّ الأطراف بأسباب مواصلة التقاتل باتت اليوم معروفةً. لقد دامت الحربُ العراقيّة ـ الإيرانيّة ثماني سنوات (1980 ـ 1988)، وعندما نتذكّر أنّها انتهت بالعودة الى نقطة الصفر (اتفاقيّة الجزائر 1973) حيث "لا غالب ولا مغلوب،" حُقَّ لنا أن نتساءل: عِلامَ إذنْ أُحرِقتْ كلُّ هذه المليارات وخَسِرْنا كلَّ هذه الأرواح؟ يلخّص مهدي الحافظ المغانمَ الحقيقيّةَ لهذه الحرب ويحدِّد هويّةَ المنتصر الحقيقيّ فيها بالقول: "لم تكن هذه الحربُ الغاشمةُ في مصلحة أحدٍ بقدْر الأطماع الأمريكيّة ـ والغربيّة عمومًا ـ وإسرائيل كذلك. كما كانت فرصةً ذهبيّةً لتجّار السلاح، والصناعات العسكريّة الأمريكيّة والأوروبيّة لجني الأرباح وفوائدَ لا تقدَّر. فضلاً عن أنها أتاحت الفرصةَ لإضعاف الجبهة العربيّة في مواجهة إسرائيل، وإلحاق الأذى بالقضيّة الفلسطينيّة والعربيّة بوجه عامّ."4 وهذا الأمر يفسِّر لغزَ بيع الغرب للسلاح إلى كلا الدولتيْن المتحاربتيْن، ولغزَ بيع إسرائيل السلاحَ إلى عدوّتها إيران.
بالاتفاقات الثنائيّة مع إسرائيل تارةً، وبتحديد القدرات العربيّة وبعثرتها في حروبٍ جانبيّةٍ تارةً أخرى، تمت حمايةُ إسرائيل طوال العقود التالية لحرب 1973.
طبعًا لا يمكن أن يراهن الغربُ إلى الأبد على اشتعال التوتّرات الداخليّة في المنطقة؛ إضافةً إلى احتمال استدارة أحد هذه التوتّرات ليتّجِهَ ضدّ إسرائيل نفسها! أما الأمان الحقيقيّ لإسرائيل فهو عدمُ وجود حلف لدولٍ عربيّةٍ قويّة. وما يَضْمن ذلك هو عدمُ السماح بوجودٍ دول عربيّةٍ قويّة اقتصاديّاً، وحرّة سياسيّاً واقتصاديّاً، ومقتدرةٍ عسكريّاً. وهذا هو مجالُ عمل الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل في الوقت الراهن: إنه إدامةُ حالة العجز العربيّ. وبمقارنة هذا السعي الحاليّ مع ذلك الذي قام به الغربُ أثناء التحضير لإنشاء دولة إسرائيل، فإننا نرى أنّ التاريخ لا يعيد نفسَه وحسب وإنما هو مستمرّ على المنوال نفسِه أيضًا... سوى أنّ ميكانيزم هذه الاستمراريّة يتطلّب تبديلاً في الأساليب بين فترة وأخرى: فبينما كانت هذه الأساليبُ تتّسم آنذاك بالعنف والإخضاع بواسطة القوة العسكريّة، فقد صارت اليوم تتألّف من قيود وتبعيّات ماليّةٍ وأخرى سياسيّة، وصار التهديدُ بالعقوبات الاقتصاديّة والحرمان من المساعدات بقوّة الإملاء السياسيّ. في السابق كان رفعُ الدعم العسكريّ البريطانيّ عن بعض الأنظمة العربيّة يعني تعريضَها للخطر؛ وأمّا اليوم فرفعُ الدعم الماليّ الأمريكيّ عن بعض الأنظمة العربية يعرِّضها للانهيار الأكيد. والقصدُ في كلتا الحالتين هو إبقاءُ الدول العربيّة عاجزةً من جميع النواحي عن تحمّل تحدّ كبير مثل الحرب مع إسرائيل المدعومة مسبّقًا من الغرب في أيّ حربٍ تخوضها.
في أحد مؤتمرات القمّة العربيّة (وهي تسميةٌ ساخرةٌ في رأيي، ولا أدري لماذا لا تُدْعى مؤتمرات الهاوية العربية)، برّر حاكمٌ عربيٌّ خنوعَه وخنوعَ زملائه الحكّام العرب بأنّ "هناك دولاً عربيّةً عائشةً على المساعدات." وهو بذلك يقرّ بأنّ سياسةَ "المساعدات" والعلاقات الاقتصاديّة، التي اتّبَعَتْها أمريكا مع بعض الدول العربيّة لشراء ولائها، قد أدّت غرضَها. لكنّ المرءَ يتساءل: هل كانت مصرُ مثلاً (وهي المقصودةُ في كلامه) جائعةً قبل عهد الاستثمارات والمساعدات الأمريكيّة؟ هل الاعتمادُ على المساعدات حالةٌ تطلَّبَها تطوّرُ الاقتصاد في مصر؟ هل الاقتصاد هو الذي فَرَضَ على الدولة تقبُّلَ المساعدات، أمْ أنّ الدولة هي التي فَرَضَتْه على الاقتصاد؟ ما حصل أنه، لكي يتمّ تقييدُ القرار المصريّ بقيد الحاجة الدائمة إلى العلاقات الطيّبة مع أمريكا، توجَّبَ أن يكون الاقتصادُ المصريُّ ضعيفًا أو مهدَّدًا بالضعف. إنه مخطّط سياسيٌّ صرف، والاقتصادُ منه براء. وإذا كان أحدُ الحكّام العرب يروِّج أنّ مصر "عائشةٌ على المساعدات،" فلننتبهْ إلى أنّ مجملَ قيمة هذه المساعدات لا يتعدّى نصفَ العائد السنويّ لقناة السويس! وبالإضافة إلى القناة، فإنّ لدى مصر مصادرَ أخرى غنّيةً للدخل وللتنمية، ولكنّ هذا كلَّه يُنهب من قِبل فئةٍ تستحوذ على المال والسلطة معًا وتَحْرص على إدامة حالة "العجز" المطلوبة أمريكيّاً وإسرائيليّاً. إنّ الدول العربية "العائشة على المساعدات" ذاتُ موارد لا تكفي فقط لمعيشة مواطنيها وإنما للشروع بعملية تنمية حقيقيّة أيضًا، بشرط القضاء على الفساد والنهب وتحقيق الشفافيّة في الحياة السياسيّة.
من ناحية أخرى ثمة دولٌ عربيّةٌ تعاني التخمةَ الماليّة، لكنّها ترسل أموالَها إلى الولايات المتحدة وأوروبا لتُستثْمَرَ هناك! في الولايات المتحدة وحدها يَستثمر الخليجيون 300 مليار دولار، وفي أوروبا يستثمرون 100 مليار. أما في المنطقة العربيّة فالاستثمارات القليلة لرأس المال الخليجيّ لا تساهم في أيّ حركيّة إنتاجيّة وإنما تتوجّه غريزيّاً إلى المجال السياحيّ والترفيهيّ، وكأنّ هناك اتفاقًا على حرمان المنطقة من فرصة النهوض الحضاريّ.
إنّ أيّ متأمِّلٍ لأحوال المنطقة العربيّة لا بدّ أن يتساءل عن سرّ "المصادفة" التي جعلتْ جميعَ البلدان العربيّة القريبة من إسرائيل، أو ذات التاريخ السياسيّ النشط في المنطقة، تخلو من أي تنمية حقيقيّة، أو معدَّلِ نموٍّ يُعتدّ به، أو اقتصاد تنافسيّ في عالم اليوم، أو تقدّم معرفيّ، أو ظاهرة إنتاجيّة تبعث على الفخر. إنّ أيَّ متأمّل للبلدان العربيّة لا بدّ أن يستوقفَه الإصرارُ الحكوميّ على بقاء حالة التخلّف المعرفيّ، بل الجهل العامّ، رغم المآسي التي تسبّبتْ فيها حتى اليوم. إنّ الطريقَ الواضحَ للتقدّم هو الطريقُ القائمُ على خطّة تنميةٍ شاملةٍ، تنتجها حياةٌ سياسيّةٌ صحيّةٌ، وتنفِّذها حكومةٌ منتخَبةٌ، وتَضْمنها شفافيّةٌ ماليّةٌ وسياسيّةٌ وقضائيّة. وكلّها أمور يجري التهربُ منها بشتّى الذرائع والوسائل، ويُسجَن الداعون إليها. وإنّ الطريق الواضح للاستقلال الاقتصاديّ يُذبَحُ فداءً لشروط البنك الدوليّ والشركات المعولمة. لا وجودَ لـ "دول غنيّة" في المنطقة، وكلُّ ما يوجد حكّامٌ أغنياء لشعوبٍ فقيرة، بل لا يوجد إلاّ لصوصٌ فيما لو طُبقت عليهم أحكامُ القضاء في قوانينهم المحلّية نفسها، أو كما عبّر الجواهري منذ زمن بعيد: "ساكنُ القَصْرِ ـ لو إلى ذمّةِ الحقِّ احتكمْنا ـ لكان يَسْكن سجنا!"
* * *
الخلاصة، إننْ، أنّ ما يسمّى بـ "العجز العربيّ" ليس حالةً ذاتيّةً ومنعزلة، ولا هو "مصادفةً،" وإنما هو بيئة سياسيّةٌ ــ اقتصاديّةٌ مصنوعةٌ دوليّاً، وبإحكام، لحساب المشروع الصهيونيّ، وبتنفيذ الأنظمة العربيّة القائمة مقابلَ خدماتٍ متنوّعة: ماليّة واقتصاديّة لأنظمة الدول "الفقيرة"، وخدمات سياسيّة (حماية، ضمان،...) لأنظمة الدول "الغنيّة." هكذا كانت الحال عشيّةَ تأسيس دولة إسرائيل، وهكذا ستبقى الحالُ حتى اكتمال المشروع الصهيونيّ: إكمال التوسع الاستيطانيّ وتصفية القضيّة الفلسطينيّة.

ستوكهولم

1. حنّا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعيّة والحركات الثوريّة، ط 1، ص 94.
2. مقابلة مع إبراهيم بغدادي في جريدة القاهرة
3. في رسالتها للماجستير، مصر وحرب فلسطين 1948، ملخّص منشور على الشبكة العالميّة
4. مساهمة إلى ندوة "مستقبل العراق والخيار الديمقراطيّ"، بيروت 82/2/2002

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 3-2-1 /2009

26.2.09

إعلان مبادئ حركة الشعب

هذه المبادئ صدرت عن حركة الشعب في 20-3-2008 . لكننا ارتأينا نشرها على مدونة الشباب و الطلاب لارشفة كافة الاوراق السياسية التي صدرت عن الحركة لتشكل مرجعا للمهتمين بمبادىء الحركة و نهجها السياسي .


في خضم الأزمة الوطنية الراهنة وما تنذر به من احتمالات خطيرة، وبعيداً من السجالات التي يتقاذفها أطراف "الصيغة اللبنانية" عن التوافق والوفاق والارتباط بهذا المحور الدولي – الإقليمي أو ذاك...بات من الضروري جداً طرح السؤال: لبنان إلى أين؟

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسية يكفي لحلها هذا الذي يدعون إليه دائماً، الحوار، واللقاءات بين الأطراف، و"مساعي الخير" التي تنهال علينا عبر زيارات الموفدين، العرب وغير العرب؟
هي في الحقيقة أزمة النظام السياسي، وأزمة "الصيغة" التي يستند إليها هذا النظام.
نريد الحل؟...لنبدأ بالحقيقة.
إن هذه "الصيغة" الطائفية أتاحت في ظروف تاريخية معروفة إقامة كيان، ولكنها منعت تحول الكيان إلى وطن. وجمعت في هذا الكيان جماعات رعايا، رعايا طوائف، ولكنها منعت تحول الجماعات إلى مجتمع وتحول الرعايا إلى شعب.
وفي ظروف تاريخية معروفة أيضاً أتاحت استقلالاً، ولكنها في كل الظروف منعت السيادة.
وأقامت سلطة، ولكنها منعت قيام الدولة.
وأتاحت، في بعض الظروف استقراراً ووفرت أمناً ولكنها منعت تحول الاستقرار إلى سلم أهلي راسخ وتحول الأمن المؤقت إلى أمان دائم.
وفي ظل هذه "الديمقراطية التوافقية" تكرست طبقة سياسية لم تتبدل مرة عن طريق الانتخابات، ولكنها كانت تتغير نحو الأسوأ بعد كل حرب أهلية.
أما المؤسسات الدستورية التي أنشأت لهذا النظام فهي لم تستطع مرة أن تحل أزمة سياسية، ولكنها كانت تنحل وتتهاوى عند كل أزمة سياسية.
في ظل هذا النظام كان لبنان دائماً ساحة ولم يكن مرة وطناً. واللبنانيون رعايا في طوائف ولم يكونوا مرة شعباً.
وعلى هذه الأزمات كلها تنهال أعباء استراتيجية هائلة يفرضها موقع لبنان في خارطة المنطقة وصراعاتها. ويتمزق ما بين خيارات متناقضة حيال هذه الأعباء، تحددها له أطراف هذه الصراعات عبر أدواتها الطائفية في الداخل.
ما العمل؟

1-هذا النظام السياسي.
لم نعد نقبله.
نريد نظاماً علمانياً، متحرراً من قيود الطائفية وقواعدها. في الدولة، والمجتمع. نريد نظاماً يتحرر فيه الوطن من مفهوم الساحة. وتتحرر فيه الدولة من هذا المزيج القاتل بين العصبية والعصابة. ويتحرر فيه المواطن من الارتهان.
نظاماً يرتقي فيه الوطن، ينمو ويتطور، فلا يبقى تاريخه دوامة تدور على نفسها تنتج حروباً أهلية ودولة قناصل، تتكرر كل حقبة، وتتكرر معها طبقة سياسية فاسدة وتابعة.
نريد، ونعمل بثقة وثبات من أجل إقامة هذا النظام الجديد.
2-في الخيارات الاستراتيجية.
يقع لبنان في دائرة حساسة جداً في قلب الأمة العربية، على تخوم فلسطين حيث يقوم الكيان الصهيوني بكل مطامعه المعروفة وعدوانيته، وعلى ثغور بلاد الشام، حيث يحتدم صراع دولي – إقليمي شرس.
على تقاطع خطوط الزلازل هذه يقع لبنان. وهو لا يستطيع أن يتجاهل الخطر الإسرائيلي عليه من جهة، وانعكاسات الصراعات الدولية والإقليمية التي تدور في محيطه من جهة أخرى.
منذ الاستقلال لم تكن للدولة سياسة دفاعية واضحة، ذلك بسبب التركيبة الطائفية للدولة وتعقيدات النفوذ الخارجي المتداخلة فيها عبر الطوائف السياسية. ولقد عمدت الطبقة السياسية إلى التستر على هذا الواقع المفجع والاختباء وراء مقولة "قوة لبنان في ضعفه".
هذه المقولة لم تصمد أمام موجات الغزو الصهيوني المباشر للبنان منذ العام 1978. وكان من الطبيعي أن تنشأ في مواجهة الغزو والاحتلال مقاومات تأخذ على عاتقها مهمة القيام بالواجب الوطني عندما تخلت الدولة عن القيام بهذا الواجب.
من هنا نشأت الاشكالية بين الدولة والمقاومة، وهي إشكالية لا يمكن حلها إلا بقيام الدولة السليمة – الدولة المتحررة من الطائفية – ووضع سياسة دفاعية تتكامل فيها طاقات الجيش والشعب في مهمة الدفاع عن الوطن.
لقد آن الأوان لإخراج لبنان من ضياع خياراته. من طائفياته المفخخة ومن منطق المحاصصة والشراكة والغبن والخوف...
آن لنا أن نقيم وطناً ونبني دولة ومجتمعاً ومواطناً.
3-أما كيف؟
الطائفيون لا يبنون الوطن. التابعون لا يحققون السيادة. الفاسدون لا يبنون الدولة ولا يحصنون المجتمع.
إن الخطأ الكبير الذي وقعت فيه قوى لاطائفية عديدة هو أنها في مراحل دقيقة وهامة تخلت عن مشروعها والتحقت بمشاريع القوى الطائفية.
هذه القوى والفاعليات العلمانية، العاملة في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد والفكر، عليها أن تخرج من عقدة ذلك الخطأ، ومن استكانتها وانكفائها، لكي تشكل قوة التغيير، قوة النهضة الجديدة، القوة الديناميكية الشجاعة المبادرة القادرة على حمل المشروع الوطني العصري الحديث.
عليها أن تدرك دورها التاريخي وتقدم بوعي وشجاعة وثبات على التقاط الدور والسير فيه نحو الأهداف الوطنية الكبرى.

بناءً على ما تقدم
قررنا نحن الموقعين أدناه، رفض الصيغة الطائفية وكل "التسويات" التي تكرس هذه الصيغة، ودعوة النخب الثقافية والشبابية والشعبية إلى تبني هذا الرفض وتشكيل قوة تغيير تعمل من أجل:
1-صون وحدة لبنان والسلم الأهلي، ورفض كل دعوات التفرقة والفتنة والحرب الأهلية.
2-قيام دولة على أساس المواطنة والمساواة والوحدة.
3-رفض أي توزيع طائفي في السلطات الدستورية والإدارية، ووضع برنامج زمني لتجاوز الطائفية وإلغائها وإطلاق آلية عمل لتحقيق هذا البرنامج.
4-قيام سلطة قضائية مستقلة تكفل الحريات العامة وحقوق الإنسان.
5-وضع قانون انتخاب ديمقراطي خارج القيد الطائفي يعتمد نظام التمثيل النسبي، وتحديد سقف للإنفاق الانتخابي ووضع ضوابط لتنظيم الإعلام والإعلان الانتخابيين، واتاحة حق الاقتراع لمن بلغ 18 عاماً.
6-تعزيز المشاركة الديمقراطية وتحريرها من مفاسد المال السياسي، والفصل الكامل بين العمل السياسي والأعمال الخيرية، سواء كانت ممولة من أفراد أو مؤسسات أو دول.
7-إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية.
8-وضع نظام تربوي جديد تخضع فيه المؤسسات التربوية الخاصة للنظام التربوي الوطني العام الهادف إلى تثبيت وحدة المجتمع، ومنع أي توجيه طائفي.
9-بناء اقتصاد إنتاجي وطني يدعم مقومات السيادة والاستقلال ويحمي موارد لبنان البشرية والمادية، وتوفير الأمن الاجتماعي للمواطنين.
10-اعتبار المقاومة الوطنية حقاً شرعياً وضرورياً لتحرير الأرض اللبنانية، وتغزيز قدرة لبنان على ردع العدوانية الصهيونية.

10.2.09

المسألة الاجتماعية أو رأسمال اليسار المهدور



اليسار يقطع رحلة التيه في الأفق المجهول
د. عبد الاله بلقزيز

ما كان من رأسمال لليسار العربي أرفع قيمة وأجزل عطاء على الصعيد المعنوي من المسألة الاجتماعية.
بها عن غيره تميّز وتفرّد، ولها صرف الشّطر الأعظم من زمنه النضالي والتضحيات،حتى أنه ما عرّف - حين عرّف - إلا بها، وما أتى أحد على ذكرها إلا مقترنة باسمه. حال اليسار في هذا الاقتران الماهويّ بالمسألة الاجتماعية حال التيار الليبرالي مع مسألتي الحرية والديمقراطية، وحال التيار القومي مع مسألة الوحدة العربية، ثم حال التيار الإسلامي مع مسألة الهوية والأصالة. الفارق الوحيد اليوم أن الليبراليين ما تخلّوا عن المسألة الديمقراطية (وإن كان بعضهم لا يضيره أن تأتي صناديق الاقتراع محمولة في ركاب دبابات الاحتلال!)، وأن القوميين ما تخلّوا عن مسألة الوحدة (وإن كان لا يضير بعضهم أن تحمل بشائرها على أسنّة رماح الإسلاميين)، أما اليسار (الاشتراكي والشيوعي)، فتخلّى المعظم الأغلب من أحزابه وتنظيماته عن المسألة الاجتماعية التي لم يعد يؤتى على ذكرها في برامجه السياسية وأدبياته الحركية وخطابه الإعلاميّ، وإن حصل ذلك، فلرفع العتب... وفي النادر ما حصل والنادر لا حكم له.

لا بدَّ - هنا - من بعض الأمانة في التعيين وفي الحكم على كلّ فريق في اليسار حتى لا تضيع الموضوعية في شعاب الأحكام العامة. ثمة من تراجع لديه الاهتمام بالمسألة الاجتماعية ظنّا» منه بأن أمّ المسائل اليوم هي المسألة الديمقراطية. إذ لمّا كان تحقيق العدالة الاجتماعية - أو الاشتراكية - لم يعد يمرّ من طريق التغيير الثوري، على نحو ما كان اعتقاده قبل عقدين، وإنما من طريق التغيير الديمقراطي، فقد وطن في الأذهان أن جبهة المعركة انتقلت من ميدان الحقوق الاجتماعية للكادحين الى الحقوق السياسية للمواطنين. وثمة من طوى صفحة المسألة نهائياً»، ومعها أصحابها أيضاً (الطبقات الكادحة)، منصرفاً إلى مديح الليبرالية الاقتصادية وقيم المنافسة والملكية الخاصة، حتى من دون أن يبرّر لنفسه - قبل غيره - لماذا انتقل هذه الانتقالة الدراماتكية من عقيدة في السياسة إلى أخرى تناقضها. وثمة فريق ثالث تفرّغ لماضيه اليساري - ولمن بقي من الناس متمسكاً ببعض مواقفه - بالقدح والتقريع والجلد، ممارساً طقوس الاعتذار عنه أمام من كان لا يليق به - في ما مضى - حسبانهم في جملة مخاطبيه.

إن المرء ليحار فعلا» في فهم الأسباب الحاملة هذا اليسار العربي على الانصراف عن المسألة الاجتماعية، كلاًّ أو معظماً، والانصراف إلى غيرها من مسائل ليس له فيها سابقة عطاء وتقدمة: في الفكر وفي الممارسة على السواء. ولست أحسب من الوجاهة في التعليل ردّ الأمر إلى ما أصاب المشروع «الاشتراكي» العالمي من نكسة فادحة بانهيار ركيزته الكيانية والسياسية من نظام سوفياتي ومن ردائف له في شرق أوروبا، إذ الذي أصاب دولة/دولاً ومشروعاً سياسياً وأنهى عهدها، ما أنهى مشروعية مطلب وهدف العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وإنصاف الكادحين في حقوقهم الاجتماعية والحدّ من التفاوت الطبقي الفاحش في المجتمع، حتى لا نقول إنه رفع من معدّل الحاجة إلى التشديد على المطلب هذا بعد أن استعادت الرأسمالية مناطق من العالم فقدت سلطانها عليها منذ ثورة 1917 إلى الثورة المضادة لـ«البريسترويكا» قبل عقدين، ثم بعد أن تغوَّلت الرأسمالية أكثر فأكثر في طورها العولميّ الراهن وباتت أشدّ وحشيّة وأقلّ إنسانية وأخلاقية من ذي قبل. ففي النفس بعض اليقين (قل حتّى بعض الظّنّ) بأن الأهداف والقيم الكبرى لا تمّحي من الوجود لمجرّد أنه لا يوجد نظام سياسي يحميها أو يحدب عليها أو يتعهّدها بالرعاية: هذا على فرض أن المعسكر السوفياتي كان يفعل ذلك حيال هدف العدالة الاجتماعية، ولست شخصياً ممّن يذهبون هذا المذهب. الأفكار الكبرى لا تحملها النّظم السياسية الحاكمة، ولا هي تزول بزوال هذه، وإنما تحملها النخب الفكرية والنضالية والحركات الاجتماعية، وهي التي تكرّس بقاءها في التاريخ حتى وإن كان منالها في الواقع عسيراً. إن تفسير «نازلة» انصراف بقايا اليسار العربي عن مسألة العدالة الاجتماعية بردّه إلى زوال الاتحاد السوفياتي وانهيار «المشروع الاشتراكي» لا يملك أن يفسّر - مثلاً- لماذا فقد اللليبراليون العرب السلطة - التي كانت لهم جزئياً في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين الماضي - من دون أن يتراجعوا عن عقيدتهم الليبرالية وعن مطالبهم في الحرية والدستور والديمقراطية؟ ولماذا فقد القوميون العرب السلطة بعد رحيل جمال عبد الناصر، ثم بعد احتلال العراق، من دون أن يتراجعوا عن مبادئهم القومية والتحررية وعن دفاعهم العريق عن خيار الوحدة العربية؟ إن شيئاً ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن فكرة الاشتراكية لم تكن راسخة في وعي من حملوها، وإلا ما انهارت بهذه السرعة... وبهذه الصورة الدرامية! أخطأ اليسار العربي مرّتين وكان الخطأ في المرتين من نوع الأخطاء القاتلة التي لا تقبل التصويب إلا بالعودة عنها. أخطأ جيله الأول (الشيوعي) حين اتخذ موقفاً سلبياً ومخجلاً من المسألتين الوطنية والقومية،أي حين أيّد قرار تقسيم فلسطين تنفيذاً لتعليمات سوفياتية، وحين ناهض فكرة الاستقلال الوطني عن الاحتلال الأجنبي إلى حين «تتحرّر» البروليتاريا في الدول المستعمرة! (وذلك كان حال الأحزاب الشيوعية في بلدان المغرب العربي)، ثم حين ناهض فكرة الوحدة العربية وهاجم الداعين إليها ونَظّر لوجود أمم عربية (الحزب الشيوعي السوري)! وكان ثمن هذه الخطايا فادحاً، إذ نُظر إلى الشيوعيين كعملاء لموسكو وكأقلية مناهضة لقضايا الوطن والأمة ممّا انعكس على شعبيتهم وعلى دورهم في الحياة السياسية. وها هو الجيل الثاني (والثالث) من اليسار يرتكب الخطأ نفسه بتراجعه عن المسألة الاجتماعية وتحوّله إلى الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وهكذا من إسقاط حقوق الوطن إلى إسقاط حقوق الناس الاجتماعية يقطع اليسار رحلة التيه في الأفق المجهول، والأنكى من ذلك أنه ما زال يحسب نفسه يساراً!

4.2.09

عن الحرية

"الكتابة عمل انقلابي" هي مجموعة مقالات نشرت في مجلة "الاسبوع العربي" خلال اعوام 1973,1974,1975 . ننشرها في هذه المدونة لما فيها من افكار قيمة تستحق الاطلاع.


نزار قباني
١٩٧٣

أتصور، أنه لا بد من أن نتفق على تعريف مبدئي لمعنى الحرية، حتى لا تتداخل حدود الأشياء ، وتضطرب الرؤية، ويختلط اللون الأبيض باللون الأسود .
وأول ما أتصوره، هو أن الحرية هي حركة فردية داخل دائرة الجماعة. وهذه الجماعة يمكن أن تكون أسرة، أو قبيلة، أو جمعية، أو مدرسة، أو وطناً. ومعنى هذا أن الحرية هي خط هندسي ضمن دائرة ، وليست أبداً حركة في الفرا غ أو في المطلق .
وكما أن البحر محدود بالشواطئ ، والريح محدود بالجبال، والأنهار محدودة بضفافها، والطائرات محدودة بمدارج الصعود والهبوط .. والعصافير محدودة بمساحة أجنحتها، فإن الإنسان هو الآخر محدود بمسؤوليته .
واستعمال الحرية، كاستعمال المستحضرات والعقاقير الطبية، لا يمكن أن يكون بغير مقاييس ومعايير وضوابط. وإلا كانت الحرية قاتلة .
وللحرية دائماً جانبان متعادلان. جانب يختص بنا، وجانب يختص بالآخرين. وكل محاولة منا لنسيان الجانب الآخر، يفقد الحرية معناها الأساسي، ويجعلها طغياناً .
لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً بغير شك .. ولكنهن لم يلدننا في الغابة، وإنما ولدننا في إطار بيت، وأسرة، ونظام اجتماعي نشترك في تأسيسه مع الآخرين .
إن بريطانيا مثلاً، بلد حر، ولكن الفرد البريطاني، أثناء مزاولته لحريته، يبقى ملتزماً باحترام حرية الآخرين، ولا يقفز فوقها. وبمعنى آخر أن المواطن البريطاني ليس سوى نغمة في السمفونية الانكليزية .
وقد عرفت الأنظمة الاشتراكية، كيف تصقل حرية الفرد، وكيف تمنع تجاوزاته، وكيف تسيطر على غريزة الطمع المركبة فيه .. بحيث تأتي حرية المجموع أولاً، وحرية الفرد ثانياً .
أما في الأنظمة الليبرالية، فإن الفرد يتصرف كوحش لا يتورع عن أكل كل ما يصادفه من أرض ومصانع وبر .. وهو يعتقد أن الحرية التي يتيحها له النظام الليبرالي، تمنحه الحق في أن يمد ساقيه على رقبة البشرية، ويسحق برأسماله الخرافي واحتكاراته عظام المعذبين في الأرض ... إن الحرية بحر لا ساحل له .. يركبه الرواد والمكتشفون، ويركبه القراصنة وسمك القرش .. ونحن بالطبع نرفض الحرية التي ينادي بها سمك القرش .. لأنها تقوم أساساً على الجريمة، والنشل ، والمتاجرة بلحوم الآخرين ..
إن التاجر الذي خبأ في حرب تشرين أكياس السكر والرز والطحين، وباعها بضعف أسعارها هو سمكة قرش ..
وصاحب مستودع الأدوية الذي ضاعف أسعار القطن، والشاش، والمصل التي احتاج إليها الجرحى خلال حرب تشرين، هو سمكة قرش ..
وأصحاب مستودعات الخشب، والحديد، والورق، الذين جمعوا خلال الشهور الأخيرة ثروات خرافية لم يجمعها روكفلر، ولا أوناسيس، ولا آغاخان، ولا أي مهراجا هندي .. هم أسماك قرش لا زالت تتنزه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط .. هذه أتفه أنواع الحريات وأحقرها .
إن الحرية عندنا، تفترض أنه لا يوجد على ظهر الأرض سوانا ...
فنحن نقود سياراتنا على أساس أن البشر لم يخلقوا بعد .. وأن مصانع السيارات لم تُنتج سوى سيارة واحدة هي التي نركبها نحن ..
والحرية عندنا، معناها أن نجعل العالم كله أملاكاً خصوصية لنا، وأن نشتري جميع تذاكر السينما ونمدد أرجلنا على جميع المقاعد .. ونشتري كل الأدوية الموجودة في الصيدليات .. وكل الخبز الموجود في الأفران .. وكل السمك الموجود في البحر .. وكل النساء الجميلات في العالم، ونعلقهن كالفراشات المحنطة، على جدران أنانيتنا ...
إن الحرية هي محصول حضاري لا يعرفه إلا المتحضرون .

فالثعبان لا يعطى الحرية لأنه لا يحسن التصرف بها ..
والذئب لا يمكن أن يدعي الحرية لأن تكوينه الأساسي تكوين عدواني .
والقرصان لا يمكن أن يتكلم عن الحرية، لأن غايته الأساسية هي أن يغتال البحر والمسافرين ...
والرجل الذي يذبح شقيقته، أو زوجته ، أو ابنته، بتفويض من مجتمع الثأر والعقد الجنسية لا يمكنه أن يصرخ أمام المحكمة: " أنا حر ". لأن الحرية لا تعطينا تفويضاً بالقتل .
وكذلك الكاتب، والشاعر، والروائي، والصحافي، لا يمكنهم أن يقامروا بالكلمة، ويبيعوها جارية في سوق النخاسة، بدعوى أنهم أحرار. لأن الكتابة ميثاق شرف ثلاثي بين الكاتب، وبين ضميره، وبين من يقرأونه. وكل خيانة لهذا الميثاق تسقط شرف الكاتب والكتابة معاً ..

إننا مع الحرية بدون تردد .. ومع الأحرار إلى آخر الشوط .. شريطة أن يكون لهذه الحرية ضابط أخلاقي، وعقلاني، وثقافي، وقومي، يجعلها في خدمة الإنسان، وفي خدمة المثل العليا .. إنه لا يكفي أبداً أن نكون أحراراً .. وإنما لا بد لنا من أن نستحق حريتنا ..


25.1.09

السيْر بين الألغام: واقعُ اليسار النقديّ القوميّ العلمانيّ ‏في لبنان


سُئل أبو تمّام يوماً: «لِمَ تَكتبُ ما لا يُفهم؟» فأجاب: «لِمَ لا ‏تَفهمون ما يقال!». وحال الكتّاب والناشطين النقديين اللبنانيين، القوميين ــ اليساريين خاصّة، شبيهة بحال أبي تمّام في زمنه. ‏إلا أنّ مشكلة أولئك الكتّاب والناشطين مع مجتمعهم اليوم لا تعود ‏إلى صعوبة لغتهم، كما كان وضعُ أبي تمّام، بل إلى دقّة المواقف ‏التي يتّخذونها
سماح إدريس *
ثمة قرّاء كثيرون لا يَفهمون، وبعضُهم يسيئون الفهم عمداً، أين ‏نحن! فإذا كنا ضدّ إسرائيل وأميركا والرأسماليّة، ومع المقاومة ‏والعروبة، فلماذا لا نكون مع 8 آذار؟ وإذا كنّا ضدّ ممارسات النظام ‏السوريّ داخل سوريا، وضدّ سياساته في لبنان، وضدّ الهيمنة ‏الإيرانيّة على العراق، ومع مجتمع مدنيّ لا سلطة ثيوقراطيّة تستبدّ ‏به، ومع الحريّة والسيادة والاستقلال، فلماذا لا نؤيّد معسكر 14 ‏آذار أو نتقاطع معه في الأقلّ؟ وينسى أو يَجْهل قرّاءٌ كثيرون أنّ ‏مقاربات اليساريين النقديين العلمانيين لمفاهيم المقاومة والهويّة ‏والوحدة العربيّة تختلف (وأحياناً تتناقض تناقضاً تاماً) مع مقاربات ‏حزب الله والنظام السوريّ مثلاً، وأنّ مقارباتهم لمفاهيم الحريّة ‏والسيادة والاستقلال تتناقض دائماً مع مقاربات تيّار المستقبل ‏والقوات اللبنانيّة.‏
فعلى سبيل المثال، فإنّ المقاومة التي ننادي بها تشْمل مقاطعة ‏الشركات الداعمة للعدوّ الإسرائيليّ، مهما كانت جنسيتها؛ وهو ما يغْفله ‏حزب الله للأسف حين لم يتبنَّ مقاطعة شركات أوروبيّة تدعم ‏إسرائيل مثل نستله، على الرغم من أنّ حملتنا (حملة مقاطعة داعمي «‏إسرائيل») قدّمتْ لعدد كبير من عناصره وكوادره معلومات موثّقة ‏عن دعم هذه الشركات لدولة العدوّ (يمكن مراجعة وثائق الحملة ‏على موقع مجلة الآداب). كما أننا لا نوافق على تحويل الصراع ‏ضدّ الصهيونيّة والإمبرياليّة إلى صراع طائفيّ (ضدّ اليهود) أو ‏عنصريّ/ «حضاريّ» (ضدّ أميركا والغرب)، لا لأننا لا نرى قسمة ‏العالم إلى فسطاطيْن على الطريقة البنلادنية/البوشيّة أمراً لاأخلاقياً ‏فحسب، بل لأنّ في «أميركا» وبين «اليهود» أيضاً منْ هم أكثر تأييداً ‏لقضايانا من آلاف المسلمين والعرب (ينبغي القول، مع ذلك، إنّ ‏خطاب حزب الله تطوّر تطوّراً مذهلاً في الأعوام الخمسة الأخيرة ‏على صعيد الوعي بالفوارق الواضحة داخل اليهود والأميركيين). ‏كما أنّ الهوية التي نطمح إليها ليست أمراً حصل وانقضى، بل ‏هي مشروع متطوّر متحرّك غير ناجز، وإنْ كان ذا أصول راسخة ‏في التراث العربيّ ــــ الإسلاميّ. ثم إنّ الاستقلال الذي ننادي به إنما ‏هو استقلال عن التبعيّة للمنظومة الرأسماليّة المتوحّشة ككلّ، لا عن ‏النظام السوريّ وحده (على ما ينادي 14 آذار)؛ بل هو سعي إلى ‏ارتباط أكبر بسوريا الشعب والاقتصاد، إذ لا استقلالَ حقيقيّاً للبنان ‏في واقع الأمر إلاّ بمزيد من التكامل الثقافيّ ــــ السياسيّ ــــ الاقتصاديّ ‏مع محيطه العربيّ.‏

■ ■ ■

‏على أنّ ذلك كلّه لا يعني أننا على الحياد بين المعسكريْن اللذيْن ‏يكادان يشْطران المجتمعَ والدولة في لبنان شطريْن (رغم اتفاقهما ‏‏»تكتيكاً»، كما كان زياد الرحباني سيقول، أي انتهازيّةً ونفاقاً، في ‏محطّات «مفصليّة»، من قبيل قرار السعوديّة وإيران «ترطيبَ ‏الأجواء»). فنحن، كعلمانيين قوميين نقديين، أقرب إلى معسكر 8 ‏آذار بالطبع في ما يخصّ قضايا المقاومة والعداء للصهيونيّة ‏والسياسات الأميركيّة (رغم التحفّظات الجذريّة التي أوردنا بعضها ‏أعلاه). لكنّه يَصْعب، في القضايا التي تخصّ بناء الوطن وعلمنة ‏الدولة تحديداً، أن نميّز كثيراً ما بين 8 آذار و14 آذار، وإنْ كانت ‏مطالب 8 آذار وحلفائه في التيّار الوطنيّ الحرّ تأتي من قيادات ‏يُفترض أن تمثّل فئات تعرّضتْ للقمع والحرمان السياسيّ ‏والاجتماعيّ والدولتيّ عقوداً طويلة، بما يجعل أنصار التحرّر ‏والعدالة الاجتماعيّة أقرب موضوعيّاً إلى 8 آذار وحلفائه.‏
‏ نعم، إنّ «المعارضة» (وأفضّل أن نضيف إليها صفة «الملتبسة») ‏لا تختلف كثيراً عن القوى الطائفيّة والمذهبيّة الأخرى في ما يخصّ ‏معظم الأمور الداخليّة. فطموحها الأبرز، في قطبيْها الأساسيّيْن، أي ‏حزب الله والتيّار الوطنيّ الحرّ، هو «المشاركة». والمشاركة، يا ‏سادة يا كرام، تعبير ملتو نوعاً ما عن المحاصصة، أو عن تقاسم ‏الغنيمة الطائفيّة، عبر الثلث الضامن، على أساس أنّ هذه هي صيغة ‏لبنان منذ الأزل، وأنّ «لبنان هيك» أو «هيْدا لبنان» كما قال السيّد ‏حسن نصر الله غير مرّة. لاحظوا، بالمناسبة، أنّ حزب الله يخيّرنا ‏بين «الواقعيّة» السياسيّة (أي الاستسلام للصيغة اللبنانيّة ‏المحاصصاتيّة الأبديّة) والعنف، وكأنْ لا إمكانية لتغيير النظام ‏عبر آليّات نقابيّة وشعبيّة، ناهيكم بالآليّات الدستوريّة، من قبيل ‏إرساء قانون انتخابيّ جديد يقلّص الطائفيّة ويعطي تمثيلاً أكبر ‏للشباب والنساء، بدلاً من القانون الحاليّ الذي يمهّد لاصطدامات ‏طائفيّة جديدة ولحروب أهليّة جديدة. صحيح أنّ خطاب المعارضة ‏الملتبسة، في قطبيْها الأساسييْن، مطعّم بتعبيرات العدالة الاجتماعيّة ‏والمساواة والحرمان (صدقاً أحياناً على أساس أنّ الشيعة أكثر ‏المحرومين الاجتماعيين، والعونيين أشدّ المحرومين السياسيين، ‏على امتداد عشرات السنين الماضية). إلا أنّ تلك التعبيرات تحاول ‏أن تطمس حقيقة التفكير الطائفيّ/المحاصصاتيّ عند المعارضة ‏المذكورة، وهو تفكير لا يبني بلداً جديداً بل يرقّع صيغة متهرّئة ‏أظهر التاريخ وجوب زوالها نهائيّاً لمصلحة صيغة قائمة على ‏المواطنيّة.‏
والحق أنّ ذروة ما يطمح إليه حزب الله تحديداً في هذا المجال ليس ‏تغيير الصيغة الطائفيّة من أساسها، بل «تظبيطها» عبر استبدال ‏رموز برموز: فالحزب يفضّل أن يأتي الأفندي (رشيد) مكان الشيخ‏‏ (سعد)، وربما المفتي الطرابلسيّ (الشعّار) محلّ المفتي البيروتيّ ‏‏(قبّاني)، والجنرال (عون) مطرح الشيخ (أمين) والحكيم (سمير)، ‏والمير (طلال) بدلاً من البيك (وليد). وقد لا يمانع الحزب في أن «‏يتنازل» لليسار في الانتخابات النيابيّة المقبلة عن حصّة ضئيلة من ‏مقاعده، قد لا تتجاوز مقعداً واحداً؛ فيتحوّل النائب اليساريّ العتيد «‏لاجئاً سياسيّاً» (والتعبير الموفّق هو لنجاح واكيم) عند حزب الله، ‏يكون بمثابة إلياس عطا الله شيعيّ (يوازي إلياس عطا الله اللاجئ ‏السياسيّ المارونيّ الحاليّ عند سنّة الحريري). المهمّ أن تبقى ‏الصيغة «زيّ ما هيّ» (باستعارة عبارة شهيرة لرفيق الحريري، ويا ‏للمفارقة، أوردَها في معرض آخر). وهذا ما تعبّر عنه إحدى أغاني ‏المعارضة الملتبسة أيّام الاعتصام الشهير، الذي أدّى في النهاية إلى ‏مشاركة المعارضة في الحكومة فعلاً، ولكنه أسهم في بلوغ البلاد ‏وضعاً كارثيّاً أيضاً: ألا وهو استعداء عشرات آلاف السُّنّة، ونقلهم ‏‏(موقّتاً كما نرجو)، وبمساعدة المال السياسيّ، من الولاء للمقاومة ‏وفلسطين والعروبة (الملتبسة بالإسلام السنّيّ الأكثريّ على ما ينبغي ‏أن نضيف)، إلى خانة السعوديّة والرجعيّة العربيّة. تقول الأغنية: «كِلّتنا لِبنانيّة/بالدّمِ وبالهويّة/شيعة وسنّية ودروزْ/إسلام ومسيحيّة». ‏وهذه الأغنية، كما يتبين لكلّ ذي عين بصيرة، لا تختلف قيد أنملة ‏عن أغاني ثورة الأرز، ولا عن المغزى الكامن في صور تعانُقِ ‏الصليب والهلال في تظاهرات هذه الثورة: ففي الحاليْن يُختزل ‏المواطن اللبنانيّ إلى طائفته، وتُختزل هويّته إلى رمزيْن دينييْن ‏شهِدا من التصادم والاشتباك والتذابح عبر التاريخ اللبنانيّ أكثر ‏بكثير مما شهداه من العناق... والنفاق!‏
أما في ما يخصّ قضايا داخليّة أخرى، كالقضايا الاقتصاديّة ــــ‏ الاجتماعيّة، وفلسطينيّي لبنان، فلا تمييزَ كبيراً يتعدّى مستوى اللفظ ‏بين 8 و14 آذار. خذْ قضيّة الوجود الفلسطينيّ في لبنان مثلاً. فالتيّار ‏العونيّ يكاد يبزّ القوات اللبنانيّة في خطابه المعادي للفلسطينيين. ‏وأذكر أنّ أحد البرامج التلفزيونيّة على الأي. أن. بي. جَمَعَ بين أشدّ ‏غلاة اليمين، السيّد المتعجرف روجيه إدّه، وأحد ممثّلي التيّار ‏العونيّ (وقد فاتني اسمُه للأسف، ولكنّه يَحمل لقبَ دكتور)، فاختلفا ‏في كلّ شيء، نعمْ كلّ شيء... باستثناء اتّفاقهما الحاسم والجازم على ‏أنّ أساس الحرب اللبنانيّة هو الوجود الفلسطينيّ (قال إدّه للعونيّ: «ببصمْلك بالعشرة على موقفك من الفلسطينيّه!»).‏
‏ وأما في معارك نهر البارد، فالموقف العونيّ كان مخيفاً من حيث ‏التأييد الأعمى الذي مَحَضَه للجيش اللبنانيّ بحجّة محاربة الإرهاب ‏‏(وهذا قبل إبرام صفقة الميغ الروسية... الله يستر) وكأنه لم يكن ‏يمكن التخلّص من «فتح الإسلام»، الذي يمثّل الفلسطينيون أقليةً ‏ضئيلةً فيه، والذي بتنا اليوم نعْلم الكثير عن كيفيّة دخوله إلى لبنان ‏وعن تسليحه وتمويله، إلاّ بتدمير المخيّم. أما حزب الله فلم يتخطّ ‏التحذيرَ اللفظيّ البليغ الذي أطلقه أمينُه العامّ في أول أيام حرب «البارد» حين اعتبر المخيّمَ الفلسطينيّ والجيشَ اللبنانيّ «خطّيْن ‏أحمريْن» لا يجوز تجاوزُهما. لكنّ المخيّم تجووز عمليّاً، وهُدم على ‏رؤوس أصحابه، وطُليتْ جدرانه بالشتائم والشعارات العنصريّة ‏المقزّزة المعادية للفلسطينيين، وبقي التحذير حبراً على ورق، رغم ‏نوايا نصر الله الحسنة.‏
‏ ولا يختلف موقف المعارضة الملتبسة من معارك «البارد» كثيراً ‏عن موقفها من الحقوق المدنيّة للشعب الفلسطينيّ في لبنان. ‏فالعونيّون، أسوةً بـالأطراف الأشدّ عداءً للفلسطينيين داخل 14 ‏آذار، يشْهرون فزّاعة التوطين خشية أن يؤدّي إقرار تلك الحقوق ‏إليه، مع أنّ الحقوق المذكورة لا تتضمّن تجنيس الفلسطينيين على ‏الإطلاق. كما أنّ حزب الله لم يبادر إلى حشد كتلته النيابيّة ووزرائه ‏وقاعدته الشعبيّة الهائلة من أجل تنفيذ هذا المطلب الإنسانيّ ‏والوطنيّ والقوميّ (والإسلاميّ كما يُفترض في عُرف الحزب) في ‏المؤسّسات التشريعيّة والتنفيذيّة اللبنانيّة، مراعاةً ربما لحليفه «المسيحيّ» (عون) الذي يروِّج أحد مسؤوليه (الوزير جبران ‏باسيل) أنّ الفلسطينيين باعوا أراضيهم لليهود (!)، أو مراعاةً ربما ‏لحليفه «الشيعيّ» (حركة أمل) الذي سبق أنْ خاض حروباً يندى لها ‏الجبين ضدّ المخيّمات الفلسطينيّة في الثمانينيّات. وبالمناسبة، فإنّ ‏قواعد حركة أمل، وهي أحد أطراف المعارضة المذكورة، لا تزال ‏للأسف، ورغم انقضاء عقديْن على حروب المخيّمات، مشحونةً ‏بالعداء ضدّ الفلسطينيين في لبنان. وأذكر أنّ مسؤولاً طلابيّاً في ‏الحركة حمّل مسؤولية ما حلّ بـ«البارد» للـ«فلسطينيين»؛ وقد ‏حدث ذلك في أحد الاجتماعات الشبابيّة/الطلابيّة التي حضرتُها ‏أثناء حرب البارد بهدف القيام بتحرّك ما تضامناً مع الضحايا ‏المدنيين في ذلك المخيّم.‏

■ ■ ■

وبالعودة إلى المقاومة ضدّ إسرائيل، وهي العامل الأبرز الذي يَجمع ‏العلمانيين الوطنيين إلى حزب الله، فإنه من البدهيّ القول إنّ‏
‏ حزب الله هو المرحلة الأكثر انتصاراً في مقاومة الشعب اللبنانيّ ‏للاحتلال الإسرائيليّ، والأبلغ تحقيقاً للنتائج المرجوّة، ليس فقط على ‏صعيد تحرير الأرض والأسرى، بل أيضاً على صعيد بناء توازن ‏رعبٍ يدفع العدوّ الصهيونيّ إلى التفكير مئة مرة قبل تكرار ‏غزواته. لكنْ، فليسمحْ لنا بعض المعارضين بتذكيرهم بأنّ مقاومة ‏إسرائيل بدأتْ قبل المقاومة الإسلاميّة الباسلة بسنوات: هل ننسى ‏الفدائيين اللبنانيين الذين انخرطوا في صفوف المقاومة الفلسطينيّة، ‏وعلى رأسهم سمير القنطار؟ هل ننسى الحرس الشعبيّ (اليساريّ)؟ ‏هل ننسى الشهيديْن إيّاد نور الدين المدوّر (إيهاب) وراجي من «جبهة المقاومة الشعبيّة لتحرير الجنوب من الاحتلال والفاشيّة» ‏اللذيْن استُشهدا على يد القوات الفرنسيّة عام 1978 أثناء توجّههما ‏لقتال العدوّ الإسرائيليّ في الجنوب؟ وهل ننسى جبهة المقاومة ‏الوطنيّة اللبنانيّة، المكوّنة أساساً من تحالف أحزاب اليسار العلمانيّ ــــ ‏القوميّ، وننسى شهداءها (يسار مروّة وسناء محيدلي وجمال ساطي ‏ومهدي مكاوي ونزيه قبرصلي...) وأسراها، لمجرد أنّ اليسار ‏اللبنانيّ (والعالميّ) انكفأ في نهاية الثمانينيّات أو قُمع (بل اغتيل ‏بعض قادته الميدانيين والإيديولوجيين أمثال محمد سليم وحسين ‏مروّة ومهدي عامل وكمال خير بك) على يد أطراف (مدسوسة؟) ‏داخل المقاومة نفسها أو في حروب صغيرة مشينة، أو لمجرد أنّ ‏النظام السوريّ شجّع حصر المقاومة في حزب واحد؟ هل ننسى ‏عمليّة بسترس في 20/9/82، وعمليّة الويمبي في 24/9/ 82 التي ‏قُتل فيها ضابط إسرائيليّ وجُرح جنديّان آخران باعتراف العدوّ، ‏وهما من العمليّات التي دشّنت مسار التحرير اللاحق؟ وهل ننسى ‏عمليّة كامد اللوز في21/12/82 (3 قتلى و3 جرحى)؟ وعمليّة ‏الحدث في 5/1/83 (قُتل جنديّان)؟ ووادي الزيْنة في 13/3/83 (4 ‏قتلى من العدوّ)؟ وكاليري سمعان في 8/6/83 (3 قتلى ‏إسرائيليين)؟ وعمليّة عاليه في 3/10/83 (6 قتلى إسرائيليين و22 ‏جريحاً)؟ ومئات العمليّات التي دفعت العدوّ إلى الانسحاب من ‏بيروت والجبل وصيدا، وأسهمتْ في إسقاط اتفاق 17 أيّار؟
والحديث يطول في هذا المضمار. والهدف ليس الحنين إلى أيام ‏مضت وانقضتْ، ولا مجرد الالتزام بالتوثيق الذي كان لـ«أنصار ‏جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة» شرفُ استهلاله عبر كتابيْن صدرا ‏بلغات وطبعات عدّة: «سنتان» (1984)، «والاحتلال والمقاومة» ‏‏(1986). بل إنّ مغزى الحديث هنا هو أنّ تأييدنا، كنقديين قوميين ــــ ‏يساريين، لمقاومة حزب الله العظيمة كان ويبقى في أساس تفكيرنا ‏وعملنا ووفائنا لتضحيات شهدائنا القوميين واليساريين والعلمانيين، ‏اللبنانيين والفلسطينيين (نعم، لا تنسوا الشهداء الفلسطينيين الذين ‏قضوا بين عامي 1982 و2000 دفاعاً عن المقاومة وعن عروبة ‏لبنان، والجبل خاصّة، من غير أن نرى ملصقاً واحداً يحمل ‏صور أكثرهم!). إنّ قضيّة مقاومة إسرائيل لا تحتاج إلى أن نبرّرها ‏اليوم بفتوى دينيّة من أيّ مرجع، أو ببيان سياسيّ من أيّ حزب ‏جديد، أو بتصريح لأحمدي نجاد أو لأيمن الظواهري: إنها في ‏صلب بنياننا، كيسار وقوى وطنيّة ــــ قوميّة ترى نفسها امتداداً للثورة ‏الفلسطينيّة ولحركة القوميين العرب وللحركة الناصريّة ولجبهة ‏المقاومة الشعبيّة ولجبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة. وتواريخنا ‏تتجاوز 8 (و14) آذار، لتعود إلى الأعوام 1936، و1952، ‏و1965، و1967، و1978، وأيلول 1982... بل إنّ المقاومة هي ‏مبرّر وجود اليسار الوطنيّ ــــ القوميّ أصلاً، ولا سيّما ذاك الذي لم ‏يلتحقْ بالأنظمة الممانعة لفظاً والراكدة فعلاً.‏

■ ■ ■

‏ولكنْ، مثلما أنّ المقاومة هي مبرّر وجودنا كوطنيين وقوميين، فإنّ ‏العلمانيّة والحريّة هما مبرّر وجودنا كيساريين. فلا معنى لوجودنا ‏إنْ لم نلتزم مبدأ العمل على الانتقال بأنفسنا من رعايا طوائف ‏وأذيال زعماء، إلى مواطنين أحرار ذوي إرادات حرّة وقامات ‏سامقة. ولا معنى لوجودنا إنْ لم نتنكّب الدفاع الأخلاقيّ الضروريّ ‏عن كلّ معتقلي الرأي وضحايا الاختلاف الفكريّ والإثنيّ والجنسيّ، ‏أيّاً كانوا، يمينيين أو يساريين أو إسلاميين أو مستقلّين، مثليين أو ‏نسويين، رجالاً أو نساءً، وأنّى كانوا، في سوريا أو لبنان أو الضفة ‏أو غزة أو تونس أو الأردن أو السعودية أو غوانتانامو أو مصر أو ‏العراق. ولا معنى لوجودنا إنْ لم نواجه الفكر السلفيّ التكفيريّ ‏والبطريركيّ من أيّ جهة أتى، وإنْ لم نتصدَّ لكلّ الذرائع التي تبرّر ‏الكبت والاضطهاد: من ذريعة «ضرورات المرحلة» إلى ذرائع «إثارة النعرات» و«المسّ بالذات الملكية أو الإلهية» و«قوانين ‏الطبيعة» و«احترام الكرامات». وفي ذلك كله لا يحتاج اليساريون ــــ ‏العلمانيون النقديون إلى تبرير مواقفهم باللجوء إلى منظّمات «آخر ‏زمن»، المنظّمات غير الحكومية التي تفرِّخ كالفطر وتتلقّى تمويلاً ‏سخيّاً (وأحياناً مشروطاً) من الغرب الحرّ هناك (وبدرجات ‏فحسب) /القامع هنا: فالاتجاه الوطنيّ النقديّ العلمانيّ ذو جذور ‏تضْرب عميقاً في الواقع الثقافيّ والنضاليّ العربيّ، من المعلّم ‏بطرس البستاني وشبلي الشميّل، مروراً برئيف خوري وياسين ‏الحافظ، وانتهاءً بعبد الرحمن منيف وسعد الله ونّوس وجوزيف ‏سماحة وسهيل إدريس وعشرات آخرين.‏

■ ■ ■

أدركُ أنّ موقفنا اليوم أشبه بالسيْر بين الألغام: بين تأييد المقاومة ‏ورفض بعض أساليبها وأفكارها وتكتيكاتها؛ وبين تثمين المواقف ‏العونيّة المناصرة للمقاومة وإدانة التصريحات «المسيحويّة» ‏والعنصريّة؛ وبين المطالبة بعلاقات لبنانيّة ــــ سوريّة متينة وشجب ‏الاعتقالات وإجراءات القمع في سوريا ولبنان؛ وبين دعوتنا إلى ‏الوحدة العربيّة ورفض السبل القسْريّة لتحقيقها؛ وبين حاجتنا ‏كمجتمع مقاوم إلى حليف استراتيجيّ كإيران وكرهنا للاستبداد ‏الثيوقراطيّ. المشكلة أنّنا قلّة، ولن يُحسب لنا حساب ما لم نتكتّلْ ‏ونوجِدْ قواسمَ مشتركةً بيننا للعمل... لا للتنظير وحده.

‏* رئيس تحرير مجلة الآداب