7.3.09

أمـن العـرب

سليمان تقي الدين
دعا وزير خارجية المملكة العربية السعودية إلى اتفاق العرب على مواجهة «التحدي الإيراني». رئيس لجنة العلاقات الخارجية الأميركية (جون كيري) لمس «رغبة غير مسبوقة للتعاون بين البلدان العربية المعتدلة وإسرائيل وقد تبدّل موقفهم وتحول تجاه إيران وخطر السلاح النووي وتدخلها وهيمنتها». لكن كيري نوّه بسياسة أوباما لجهة «رغبته بالحوار مع إيران والتعاون معها في أفغانستان».
بعض العرب استشعر «التحدي الإيراني» وخاصة في الخليج، منذ اللحظة الأولى للثورة الإسلامية وتولى دعم العراق في حربه ضدها لثماني سنوات. لم تكن إيران بصدد برنامج نووي ولا كانت بنفوذها جزءاً مهماً من التفاعلات الإقليمية.
من منظور الأمن القومي العربي كل قوة إقليمية يجب ان يحسب لها الحساب ولنفوذها ولمصالحها. لكن بعض العرب لم يحسبوا حساباً للاحتلال الأميركي للمنطقة وإعلانها عن «مشروع الشرق الأوسط الجديد». هم الآن يدفعون ثمن شراكة أميركية إيرانية تبلورت في العراق وأفغانستان نتيجة فراغ القوة العربي. الحوار الأميركي الإيراني يتطور باتجاه ملفات فلسطين ولبنان. لقد نجحت إيران في إرساء تفاهمات مع سوريا وتركيا لمواجهة المشروع الإسرائيلي في سعيه للعبث بكيانات المنطقة وإشاعة الفوضى. لكن أميركا تحت شعار مواجهة النفوذ الإيراني شنت الحرب الإسرائيلية على لبنان وغزة، وهي التي تحرك ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية للرئيس السوداني.
من المؤكد أن أزمة السودان قديمة العهد مع الجنوب، لكن أزمة «دارفور» جرى افتعالها وتضخيمها في سعي أميركي إسرائيلي لتقسيم السودان وفصل أجزائه عن بعضها وتعطيل كل محاولات السلام التي جرى الاتفاق عليها لقيام دولة اتحادية. لا يمكن عزل ما يجري في السودان، من تشجيع للفوضى ومن اعتداء على سيادته، عن مجمل المخطط الأميركي الإسرائيلي. ان إعادة النظر في السياسة الخارجية الأميركية والحوار مع سوريا وإيران ليسا إلا محاولة لتحقيق الأهداف السياسية بواسطة التعامل مع المصالح لا بواسطة القوة والإملاءات. لكن النتيجة واحدة. السلاح النووي الإيراني، كما يقول جون كيري، يشكل «خطراً وجودياً» على إسرائيل. الهم الأميركي هو نفسه في كل الظروف «أمن إسرائيل».
لكن الأمن الإسرائيلي هو التحدي الأخطر على الأمن العربي، بل على أمن المنطقة تستشعره إيران وتستشعره تركيا ويمتد إلى وسط آسيا على حدود روسيا ويتغلغل في أفريقيا. ما زال الغرب ينظر إلى إسرائيل كوكيل أول محلي لمواجهة تحرر المنطقة وتقدمها واستقلالها الفعلي والتنمية فيها. إسرائيل تجدد الآن مشروعها من أجل حل القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار. هذا ما يقوله قادتها ويقوله جون بولتون وإليوت أبرامز. لا دولتان إسرائيلية وفلسطينية. بل إن إسرائيل تمد اليد لدعم مشروع دولة كردية تهدد وحدة العراق وإيران وتركيا وسوريا، وتسعى إلى تشجيع كل حركات الانفصال والتفكك في كيانات المنطقة حتى شمال أفريقيا. لا يمكن المقارنة بين «تحدٍ إيراني» و»خطر إسرائيلي» بهذا المستوى لديه السلاح النووي ويعلن بعض قادته انه قد يكون «الحل الأخير» للمشكلات!
ما نحن بصدده الآن في الدفاع عن أمننا العربي يحتاج إلى تصحيح الوجهة. إن الغرب قد «استوطى حيط العرب» ويسعى لإعادتهم إلى مرحلة الوصاية والاستعمار. ليس هناك من يحاسب إسرائيل على جرائمها الكبرى التي ما زالت تتوالى فصولاً ولكن هناك من يصدر قراراً باعتقال رئيس جمهورية عربي. لا محاكمة لجرائم بوش في العراق ولا جرائم إسرائيل في غزة ولا محاكم خاصة بذلك. لكن هناك محكمة خاصة بلبنان مع سلطات وصاية غير مسبوقة تدار بواسطتها البلاد وسياستها وأمنها، وربما خلق الفوضى فيها. ثمة حاجة إذن للحوار والتفاهم على «أمن العرب» في إطاره الإقليمي الصحيح وليس بوصفه انضواء تحت جناحي «أمن الهيمنة الإسرائيلية الأميركية».

5.3.09

600 ألف لبناني... نحو الإضراب

591 ألفاً و350 لبنانياً هو عدد المستخدمين والأجراء الذين سيجعلون من شهر آذار غدّاراً ضد سياسات الحكومة التي تنتهك الحقوق وتستبيح المكتسبات، وتغالي في فرض الضرائب غير المباشرة على جميع المواطنين، وبين الأساتذة والسائقين والعمال تتكوّن حلقة الإضرابات والاعتصامات القطاعية والعامّة
رشا أبو زكي
أكثر من نصف مليون لبناني من جميع الأطياف السياسية والحزبية سيحولون شهر آذار إلى مهرجان احتجاجي سيلف لبنان بسلسلة من الإضرابات والاعتصامات احتجاجاً على قرارات حكومة «الإرادة الوطنية» الاستنزافية في مجالات حياتية عدة... فالمصيبة جمعت الأساتذة وكل الهيئات التعليمية، مع عمال مؤسسة الكهرباء ومياه الليطاني، وفنيي وزارة الاتصالات، والموظفين في الإدارات العامة، والسائقين العموميين والاتحاد العمالي العام، على طبق واحد: طبق عدم السكوت عن الانتهاكات المتواصلة للحقوق، وسلب المكتسبات تدريجياً... وصولاً إلى تضييق الخناق على المواطنين، الذين باتوا يعجزون عن تأمين الاحتياجات الأساسية بأكلاف عادلة.
وغداً، تفتتح معركة الحقوق، مع إضراب عام ليوم واحد ينفذه المزيد

ماذا تريد المعارضة من الانتخابات؟

خالد صاغية

يدخل اللبنانيّون، من خلال سياسيّيهم ووسائل إعلامهم، في أجواء شديدة التوتّر تسبق معركة الانتخابات النيابيّة. معركة قيل فيها إنّها مصيريّة، مهمّة، ومقدّمة لبناء الدولة. أمّا الواقع، فهو أنّها ليست مصيريّة، وليست مقدّمة لبناء دولة لا يريد لها أحد أن تُبنى. لكنّها تبقى، كأيّ انتخابات أخرى، مهمّة بالنسبة إلى القوى والزعماء المشاركين فيها، لتحديد حجمهم ونفوذهم.
ربّما كانت القوى السياسيّة معذورة. فالتعبئة الانتخابيّة جزء من اللعبة. لكنّها تعبئة تحمل أسئلة كثيرة، وخصوصاً بالنسبة إلى فريق المعارضة السابقة.
فقد خاضت المعارضة معركتها السياسيّة طوال ثلاث سنوات تحت شعارين: الحفاظ على المقاومة، والمشاركة. هدفَ العنوان الأوّل إلى حماية سلاح حزب اللّه من الهجمة الأميركيّة ـــــ الإسرائيليّة عليه التي تلاقت مع مصالح فئات لبنانية واسعة تنوّعت أسباب مطالباتها بنزع ذاك السلاح. أمّا المشاركة، فعبّرت عن هواجس حزب الله وحركة أمل اللذين أرادا المشاركة في السلطة رغم انتمائهما إلى الأقليّة النيابيّة، رافعين شعار تمثيل طائفة كبرى في بلاد تحكمها الطائفيّة السياسيّة، كما عبّرت أيضاً عن هواجس التيار الوطني الحر الذي منحته الانتخابات شرعيّة تمثيليّة، معتبراً أنّ إبعاده عن السلطة استمرار لتهميش الدور المسيحي الذي قام به النظام السوري خلال حقبة إدارته لبنان.
يمكن القول إنّ المعارضة نجحت في تحقيق هذين الهدفين. وشاركت في حكومة سمّيت حكومة وحدة وطنيّة. أسهم هذا الوضع، إلى حدّ ما، بتهدئة الأجواء السياسيّة والأمنيّة في انتظار الانتخابات النيابيّة المقبلة. لكنّنا لم نفهم، ماذا تنتظر المعارضة من هذه الانتخابات؟ وماذا تريد من السلطة في حال وصولها إليها؟ وهل مصلحتها حقّاً تقضي بالوصول إلى السلطة؟
ما سمعه اللبنانيّون هو أنّ المعارضة، في حال فوزها، ستعمل على بناء الدولة. وأضيف إلى هذا الكلام شِعر عن مكافحة الفساد والمفسدين. لكن أليس من المعيب أن تطرح المعارضة شعار بناء الدولة من دون أيّ رؤية أو برنامج، أو حتّى نموذج تقدّمه من خلال مشاركتها في الحكم؟ يعرف اللبنانيون تماماً برنامج الأكثرية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما زال يسير على خطى حكومات ما بعد الطائف، ويلوم كلّ شيء على الحال التي وصلت إليها البلاد باستثناء السياسات المتّبعة. نعرف أيضاً رأي زعماء الطوائف التقليديّين في صفّي المعارضة والموالاة، ونعرف كيف يتقنون ممارسة تحويل الدولة إلى رافعة لاستمرار زعاماتهم. لكن ما لا نعرفه هو كيف تريد المعارضة بناء الدولة.
نعرف أنّها تعارض السياسات المتّبعة. لكنّنا لا نعرف ما هي سياساتها. ولنا تجربة مُرّة مع من وصل إلى الحكم عام 1998 تحت شعار نقض السياسات السابقة من دون امتلاك أيّ بديل.
نعرف أنّ مكافحة الفساد ليست برنامجاً للحكم. يمكن أن تكون نموذجاً للتسلّط، وخصوصاً ممّن لا يفوّت مؤتمراً صحافيّاً من دون أن يعبّر عن ضيقه بالصحف والصحافيّين.
نعرف أنّ الزعامات التقليديّة اللاهثة وراء ما يسمّى وزارات الخدمات موجودة في المعارضة، كما في الموالاة.
نعرف أنّ وزراء المعارضة لم يقدّموا نموذجاً استثنائيّاً في وزاراتهم.
نعرف أنّ المعارضة لا يمكنها أن تتّفق على برنامج واحد، في ما يتعدّى العناوين السياسيّة العامّة. فنبيه برّي ـــــ إذا أغفلنا خلافات 8 و14 السياسيّة ـــــ أقرب إلى وليد جنبلاط منه إلى ميشال عون، والعونيّون الذين تراجعوا عن برنامج اقتصاديّ شديد اليمينيّة كانوا قد تبنّوه خلال الانتخابات السابقة لم يطرحوا بديلاً منه بعد، وحزب اللّه لا يتصرّف على أنّ ثمّة أولويّة لديه غير سلاحه. ليس أدلَّ على هذه التناقضات الفاضحة من إجراء مقارنة بين أداء وزيرين من المعارضة تعاقبا على الوزارة نفسها: فما يفعله آلان طابوريان في وزارة الطاقة مختلف جذريّاً عمّا كان قد تبنّاه سلفه وزميله في المعارضة محمّد فنيش.
في غياب أيّ رؤية مشتركة، ستكون المعارضة، في حال فوزها في الانتخابات، ذات أداء ضعيف في السلطة يسهّل اصطيادها من قبل أقلّيّة (الأكثرية الحالية) تعرف تماماً كيف تدافع عن مصالحها ومصالح طبقة تدلّلت في أحضانها.
لكن، إذا ابتعدنا عن ذلك كلّه، ونظرنا إلى حزب اللّه تحديداً، لاكتشفنا أنّ مصلحته تكمن في إعادة التجديد لحكومة وحدة وطنيّة. ومن هنا تأكيد الحزب منذ الآن على دعوته الأقليّة المقبلة إلى المشاركة عبر ثلث معطّل أو ضامن. فوحدها حكومة كهذه يمكنها نزع فتيل طرح موضوع سلاح حزب اللّه، وتعفي الحزب من مهمّات سياسيّة لا يرغب في الخوض فيها. أمّا من يمتلك الأكثريّة في حكومة ذات ثلث معطّل، فتفصيل غير ذي أهميّة.
الاخبار

3.3.09

بين المثقّف والأديب

يصادف في هذه الايام رحيل الروائي و المترجم والناشر "سهيل ادريس" مؤسس "مجلة الاداب" . نضع بين يدي القارىء مساهمة سماح ادريس في التكريم الذي اقامته وزارة الثقافة المغربية للراحل.

سماح إدريس*

يخيَّل إليَّ أنّ الصفةَ الأبرز في سهيل إدريس هي صفةُ المثقّف الملتزم بقضايا مجتمعه. بل إنّ مجمل إنتاجه في الرواية والقصة والترجمة والتأليف المعجميّ، وفي ميدان النشر، وفي «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» و«الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب» و«الاتحاد العام لأدباء آسيا وأفريقيا»... كان الحافزُ الأوّلُ إليه الالتزامَ بتطوير المجتمع العربي في اتجاه الحريّة والوحدة والعدالة.
لنبدأ من زيارته إلى باريس مطلع الخمسينيات. صحيحٌ أنه ذَهَبَ لنيل درجة الدكتوراه من السوربون، ولتنشّقِ نسائم التفلّت الاجتماعي من قيود المجتمع العربي؛ إلا أنّه حرص، في قلب باريس نفسها، على اكتساب الوعي السياسي. فكان أن التقى بعدد من المثقفين العرب ــ وكثيرٌ منهم ينتمون إلى حزب البعث ــ الأمرُ الذي أسهم في تكوّن وعيه القوميّ. ولا ريب في أنّ قارئ روايته الأولى «الحيّ اللاتينيّ» (1953)، لن يفوتَه أنّ شخصيّة فؤاد (القومي العربي) ترخي بظلالها على هذا العمل برمته، وتَرسم للبطل خياره: العودة إلى لبنان والعمل من هناك على تطوير المجتمع العربي واستقلاله.
وإذا انتقلنا إلى مجلة «الآداب»، برز لنا قوله في افتتاحيته الأولى (1953): «تؤمن المجلة بأن الأدب نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة هي غاية الأدب الفعال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثِّرُ فيه بقدر ما يتأثر به». ويضيف أنّ على الأدب، كي يكون صادقاً، ألّا يكون منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه.
فإذا عرجنا إلى ترجماته الأولى، وبخاصة ترجمته للفكر الوجودي، لفتنا اعترافه بأنّ اهتمامه بترجمة هذا الفكر «نابعٌ من اهتمام كبارهم، ولاسيما سارتر، بالنضال القوميّ». ويُضيف في حواره مع يسري الأمير («الآداب»، 10، 2000) أنّ ما حفّزه على حب سارتر كان موقفه الشاجبَ للاحتلال الفرنسي للجزائر، وأنه «كان طبيعياً بعد ذلك أن أحب هذا الكاتب، وأن أترجم عدداً من مؤلَّفاته، وقد كنت أطمع إلى أن نكتسب هذا المفكر العالمي إلى صفنا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين». ولعلنا نتفهم بعد ذلك، ندمه على ترجمة سارتر بعد زيارته الكيان الصهيوني.
وإذا انتقلنا إلى معجم «المنهل» الفرنسي ــــ العربي، فسنرى أن هذا العمل نفسه قد كان ثمرة شعور إدريس بلا جدوى الكتابة الإبداعية عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967. لقد هالَه مقدار الأكاذيب التي روجت نصر العرب قبيل النكسة الماحقة، فاكتشف أنّ «السبيل الأفضل للتصدي والمقاومة» بعد تلك النكسة «إنّما هو سبيلُ اللغة ووعينا الحقائق والمفاهيم لسانياً قبل كل شيء»! وقد فتح المجال في مجلة «الآداب» لمواصلة الاحتجاج: فكان «بيانُ 5 حزيران» لأدونيس، و«هوامش على دفتر النكسة» لنزار قباني، وعشراتُ المقالات ـــ المباضع في جسد الهزيمة.
بيْدَ أنّ أكثر ما كتبه سهيل كان مقالاته في مجلة «الآداب»، وفيها تتخلق نظرية متكاملة في الالتزام، قوامها عناصر خمسة: أولاً، المواكبة والشهادة؛ ففي رأيه أنّ على الأديب والمثقف أن يكون شاهداً على عصره وكاشفاً لمعاني أحداثه. ثانياً، التغيير؛ فدور الأديب والمثقف هو تغيير المجتمع العربي باتجاه الوحدة والحرية والاشتراكية. ثالثاً، رفض الهتاف والدعاية في الأدب الملتزم، بل العمل على إرهاف نواحيه الفنية. رابعاً، نبذ الإلزام الحزبي والسلطوي؛ فإدريس لا يؤمن بعبارة «واجبات المثقف» لأنّها توحي بأنّ هناك «إلزاماً له بأن يقوم بعمل ما»، في حين أنّ الكاتب الحقيقيّ «لا يلتزم إلّا بضميره ووعيه». خامساً، إنكار تقديم الحريات الديموقراطية على مذبح المشاريع القومية.
ولكن كيف يوفِّق الأديب بين مواكبة الحدث، وإرهاف الناحية الفنية التي تتطلّب وقتاً طويلاً؟ تلك مسألة أقضّت مضجع سهيل. وكان أن أَوجَد تمييزاً طريفاً بين الحدث من جهة، والزمن من جهة أخرى: «فإذا لم يتمكن الأثر الأدبي الذي يعقب الحدث من أن يكون له تأثير في هذا الحدث، فإنّه مُطلق الطاقة والقدرة لممارسة هذا التأثير في أحداث لاحقةٍ قد تُشبه هذا الحدث أو لا تشبهه». مبدأ الالتزام هو المهم إذاً، لا توقيته، وفي هذا التمييز ردّ على من يدين الالتزام جزافاً فيحصره بالانفعال الآني.
غير أنّ سهيلاً لا يريد من الأديب والمثقف أن يصمت حين تقع «الأحداث»، ولا سيَّما إذا كانت من نوع مقاومة بورسعيد أو هزيمة حزيران أو مجزرة أيلول. فكيف التوفيق وتلك الأحداث من الكثرة بحيث تكاد تأتي على كامل التاريخ العربي المعاصر... وكامل وقت المثقف لو شاء الالتزام بها؟ أطرح هذا السؤال وفي بالي أنّ سهيلاً، بالإضافة إلى عمله الأدبي والنشري والمعجمي والترجمي، تولى رئاسة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» أربع دورات، أي ما مجموعه عشر سنوات، رسم لنفسه خلالها مهمات أساسية: الدفاع عن الوحدة العربية، وعن حرية التعبير، وعن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. وقد دفعه ذلك إلى خوض المعارك، وإصدارِ البيانات، وحشد «المناصرين»... وكلها مشاغل لا تترك للأديب مجالاً واسعاً لإرهاف فنّه.
وأحسب أنه عاش طوال عمره نزاعاً داخلياً مريراً بين شخصية الأديب، وشخصية المثقف. فالمثقف يدعوه إلى الحركة، والتحريض، والصراخ، وتصدُّر التظاهرات، وعقد الاجتماعات، وتسطير البيانات والافتتاحيات. والأديب يهتف به أن اجلس، تأمَّل، اهدأ، هذِّب، تخيَّل، اشطُب، وسّع. ولم يكن إدريس من طبيعة تَهرب من المعارك، ولذا فضَّل في أكثر سنوات عمره أن يُغلِّب صورةَ المثقف على صورة الأديب. ذلك أنه لم يُطق الصمت والجلوس طويلاً، حتى حين انكبَّ على العمل المعجمي الأول (المنهل) بين عامي 1967 و1970.
والحق أنّ سهيل إدريس لم يَصمُت حتّى بعد رحيله! وهو سيَبرز قريباً أمام قرّائه مثقفاً وأديباً ولغوياً ونهضوياً، بكلّ ما لهذه الكلمات من معنى، مع صدور قاموسه الجديد، المنهل العربي ــــ الفرنسي الذي تعمل عايدة ورنا على إنجازه في أبهى صورة (وكان الشهيد د. صبحي الصالح قد شارك فيه جزئياً). ثم يصدر قاموسه الأضخم، المنهل العربي ـــ العربي، في سبعة آلاف صفحة كبيرة، وهو عمل شَرَّفني بأن أسهم فيه منذ سنة 1985 إلى جانبه وإلى جانب الشهيد الصالح. وسهيل ما يزال إلى جانبي، حتى اللحظة، في عملي هذا. وإليكم هذه الحادثة التي جرَتْ معي قبل يومين. فقد اتّصلت أحلام مستغانمي بأختي رائدة لتسألها إن كنت أتذكر صَدْر بيت المتنبي الذي عَجُزُه هو التالي: «وما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ». حاولتُ أن أتذكر، فلم أُفلح. عدتُ إلى عملي الذي أعكِفُ عليه منذ ثلاثة شهور، وهو ضبط ما أنجزه سهيل بخط يده من حرف الهاء. وفجأةً، رأيتُ سهماً، بخطّ سهيل، يُشير إلى نهاية الصفحة، حيث كلمةُ «هوان». وهناك قرأت: «مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عَلَيْهِ/ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ»!
لم تخذلني يا صديقي الأعزّ مرّةً، لا في حياتك، ولا بعد رحيلك الجسدي.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»

تصبحون على وطن...

رامي سلامي

في بلادي، نولد كلَّ يوم على قَارعة الطريق، نحمل عذاباتنا بطاقة هويَّة، وتقذف بنا الأقدار إلى مصيرنا الرمادي..
في بلادي، نتسوَّل وطناً طَوالَ النَّهار، ونرجع في المساء بلا وطن..لا تسَلني كيف نعيش، لعلَّ الموتَ يشفق علينا أو يهرب منَّا ألف مرَّة في اليوم.
نرجع في المساء حفاةً جياعاً إلى حيث انطلقنا، ونراقب بكسلٍ سقوط الشَّمس في هاوية المجهول. تصفعنا عتمة اللَّيل، ويقرصنا البرد في عيوننا. لا يبقى لنا إلا الله، وحسبنا الله وإن اختلفنا فيه..
يمدُّنا بقنديل أمل نشعله بزيت قلوبنا، ونستمع بخشوع إلى بوح قمر عاشق لغيمة مطر عابرة، فنتخيَّل فيها شبحَ وطن لم نرَه إلاَّ في أوطان غيرنا..
ثم تؤول كل الأشياء من حولنا إلى سواد، حتى لون الأمل وبوح القمر.

نلتهم جوعنا على عجل ونحاول أن نغفو.
في وحشة اللَّيل، نسمع صراخ سعالنا فيدرك كلٌّ منَّا أنَّه ليس المشرَّد الوحيد في هذا الوجود. نحاول اقترافَ جريمة الكلام، فتشيخُ في فمنا الكلمات وتخرَف، ويخنقُ حناجرَنا الصدأُ من طول ما هجرتها أغنيات الطفولة.
نغرق في شبر من النَّوم، ونعلك حلماً واحداً احترفناه من ألف عام، لا تتغير فيه إلا اللَّحظة التي نُمنَى فيها بهزيمتنا اليوميَّة، حين تمَسُّ أجسادَنا حرارة ُالشَّمس ببرودةٍ مخيفة..
في بلادي لا نغسِل وجوهنا عند الصَّباح، فلعلَّ بها بريقاً من أمل نخاف عليه أن يزول..
لا تسلني تفصيلَ ما نحلمُ كلَّ ليلةٍ من ألف عام. لا نكاد نذكر شيئاً عند الصَّباح، كأنَّ لنا ذاكرةً من نعاس تتسلَّل إلينا في اللَّيل، و تبدأ بالهروب مع طلوع الفجر..
نعم، يحدث أن يزورنا في أحلامنا طفل عجيب، تِربٌ لنا لا نراه إلاَّ نادراً، اعتدنا أن نسمَّيه «حنظلة» رغم حلاوة خفيَّة في مرارة ما يقول.
حنظلة هذا زوَّادة الدفءِ في حلمنا البارد، يقول لنا بعد توزيع الحلوى وقطع الأمل، تعالوا لأروي لكم عن فلسطين..
يحكي لنا حكايات ننتبه فجأة إلى أنها حكاياتنا. ينقل لنا حمّىً تنتابنا من المحيط إلى الخليج، كلَّما اغتسلت زنبقة أمل بدموع طفل في غزَّة، أو فاحت زهرة ليمون بعبق الشَّهادة في بيَّارة وجعنا الذي لا نعرف له حدّا ولا نهاية.
يعلمنا الشِّعر والحبَّ والثَّورة، وأبجديَّة العروبة ...
يحكي لنا عن أبيه ناجي العلي، وعن أمِّه بيروت. يسمِّي لنا أمَّهاتنا اللَّاتي لم نرَهنَّ واحدةً واحدة، ويروي لنا قصَّة استشهادِ آبائنا..
يحكي لنا باللَّهجة الجنوبيَّة قصَّة قانا وأخواتِها، وباللَّهجة العراقيَّة الحزينة قصَّة سقوط بغداد وقصَّة حذاءٍ صارَ أشهرَ من حذاءِ «سندريلاَّ».
ولاينسى أن يقرأ لنا كلَّ مرَّة قصيدةً من قصائدِ محمود درويش..
عجيب هذا الصَّبيُّ، يجيد كلَّ لهَجَاتِنا، ويعرف كلَّ جهاتِنا ويحفظُ كلَّ تواريخِنا...ويكرهُ كلَّ حكَّامِنا!!
نعم، يحدث أن يزورنا حنظلة، وقبل أن يغادرنا في عتمة اللَّيل تطلُّ من بين كتفيه هالة من نور، تمطرُنا أشعَّةً دافئةً تخترق جليد عيوننا وتَخِز وعينا النَّائم فيستفيق..
نتثاءَب قليلاً، نودِّعه ... يديرُ لنا وجهه للمرَّة الأخيرة ويقول: ناموا الآن بسلام..
تصبحون بخير..تصبحون على وطن.

الرأي الأخر