14.3.09

النفط العربي: لو يَنْـضب

وثة النفط ماذا جلبت للإنسان العربي؟ ماذا يمكن أن نقول عن المليارات المُكدّسة التي ذهبت إما لدعم المصارف والشركات الغربيّة المعادية لمصالحنا، وإما لشراء أسلحة كي تستخدمها أميركا لدعم تلك الأنظمة الخانعة، أو من أجل تطويع من يرفع الصوت في وجه إسرائيل. هل هناك منّا من سيشتاق للنفط العربي ومفاعيله السياسيّة، لو نضب النفط؟
أسعد أبو خليل*
لو نضب النفط العربي لتغيّر الكثير الكثير في عالمنا العربي. لو نضب النفط، لما تقاطرت جموع الرجال زرافاتٍ زرافات إلى مهرجان الجنادريّة الفاقع الذكوريّة مُسبغين المديح والألقاب على ملك يصعب عليه النطق العربي السليم. لو نضب النفط، لما كان الداعية القومي العربي، معن بشّور، ليتجشّم عناء السفر كي يساهم في تعظيم حكمٍ امتهن محاربة القوميّة وتعزيز القطريّة والعشائريّة والقبليّة والشلليّة. لو نضب النفط، لما حضر مهرجان الجنادريّة إلا عبد الله وبنوه ـــــ مُرغمين. لو نضب النفط، لتحوّلت هيئة كبار العلماء في المملكة إلى أضحوكة تلفزيونيّة ومدعاة للتشنيع وهدفاً لأدعياء التنوير المزيد

نجاح واكيم يؤكد ان التحالفات مؤجلة والحوار مستمر مع المعارضة

رأى رئيس "حركة الشعب" نجاح واكيم في حديث تلفزيوني مع قناة "ان بي ان"، وعشية المعركة الانتخابية "اننا مختلفون مع المعارضة على القانون الانتخابي الحالي والاصلاح السياسي ومقاربة الملفات لبناء الدولة ولكننا متناقضين مع الموالاة، واكد تبني الحركة لقرار ترشيحه مع ابراهيم الحلبي ضمن دائرة بيروت الثالثة ومتوعداً بالمزيد من الاسماء في الدوائر والمناطق الاخرى.واذ اكد ان "الحديث مازال مبكراً " للدخول في تحالفات نهائية، اوضح ان الحركة وفي اطار الاستعداد للانتخابات ستعمل على صياغة تحالفات واضحة بعيداً عن "موضة التحالفات الانتهازية"، رادفاً "استحالة التوافق مع القوات" دون ان ينفي استمرار الحوار والتواصل مع الجهات المعارضة في محاولة لترتيب صيغ انتخابية جديدة.

11.3.09

سميح شقير أيضاً... يغنّي محمود درويش

«قيثارتان» تعلنان انبعاث الأغنية الملتزمة السوريّة
الألبوم يطغى عليه منحى ملحميّ، تولّى توزيع أغنياته عاصم مكارم وزياد حرب، وشاركت في أدائها سهير شقير. تحيّة إلى صاحب «قصيدة بيروت» من الفنان السوري الذي يمضي في اتجاه سياسي وإبداعي رسمه لنفسه قبل ربع قرن

بشير صفير
إذا أردنا أن نكتب باختصار سيرة الأغنية الملتزمة (السياسية، الاجتماعية، الثورية...) في الوطن العربي عبر أبرز محطاتها ورموزها، وأكثرها انتشاراً وتأثيراً منذ النكبة، فيمكن القول إنّ الانطلاقة كانت مع فنانين لم ينحصر نتاجهم في هذا النمط. في المقابل، وَلّد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية حالة خاصة وغنيّة من الفن الملتزم (اليساري تحديداً)، لأسباب عدّة باتت معروفة، وأنتجت قُبَيلها وخلالها عدداً لا بأس به من الأسماء التي التزمت القضية الفلسطينية خصوصاً أو القضايا الإنسانية عموماً: غازي مكداشي، خالد الهبر، مرسيل خليفة، زياد الرحباني، أحمد قعبور، سامي حوّاط، مخول قاصوف، وغيرهم. وفي مصر يبدو الثنائي الشيخ إمام عيسى/ أحمد فؤاد نجم طاغياً على كل ما عداه، رغم كثرة التجارب الشبابيّة والمخضرمة المهمّة وغيرها منذ أكثر من قرن... أما بالنسبة إلى سوريا، فيمكن حصر المشهد في اسم واحد، هو سميح شقير.
لاعتبارات عدّة خاصة بالوضع السوري، يمكن وصف خيار سميح شقير بالاستثنائي بل بالجريء إلى حدٍّ ما، وذلك لأن صاحب «زهر الرمان» لم يكن ذاك الفنان الذي تحاشى «الشُبهَة» أو «الصبغة» في توجّهاته، وإنْ لم يتناول قضايا داخلية أو ممارسات محدَّدة. صحيح أنّه التزم غناء الحرية ومعاناة الإنسان عموماً، والقضية الفلسطينية أولاً وأخيراً، لكنه لم يُحسَب على اليسار فحسب بل على الشيوعيين في الدرجة الأولى. والدليل على ذلك يأتي من لبنان. إذ إنّ «صوت الشعب» أي إذاعة الحزب الشيوعي اللبناني، هي الوحيدة (على الأرجح) التي كانت وما زالت تبثّ أغاني سميح شقير بوتيرة تختلف نسبةً إلى ظروف الصراع العربي/ الإسرائيلي. وإذا لم يكن هذا دليلاً كافياً، نضيف إليه مشاركة شقير في احتفالات الحزب الشيوعي اللبناني في الذكرى الثمانين لتأسيسه (2004) حيث غنّى في الجنوب وبيروت (قصر الأونيسكو).
بدأ سميح شقير مسيرته الفنية عام 1982 وأصدر مجموعته الغنائية الأولى «لمَن أغنّي» عام 1983، تلتها جولة حفلات في سوريا ولبنان. في 1984، صدر ألبومه الثاني «بيَدي قيثارة» وبعده «حناجركم» (1985) و«وقْع خطانا» (1987) و«زهر الرمان» (1990). بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، غاب سميح شقير نسبياً عن الساحة الفنيّة العربية، فغادر إلى أوكرانيا حتى عام 1994، وقدم معظم حفلاته في الخارج قبل أن يعود إلى وطنه ويكتب موسيقى عدد من الأعمال المسرحية والدرامية السورية. وفي 1998، أصدر أسطوانة «زماني» وقدّم خلال السنوات الأخيرة حفلات عدة في أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والوطن العربي، أبرزها المشاركة الغنائية ضمن «مهرجان إيقاعات الخريف» في رام الله التي بُثَّت مباشرة عبر الأقمار الاصطناعية (2006).
شأنه شأن معظم الفنانين الملتزمين اللبنانيين (سامي حواط، أحمد قعبور، زياد الرحباني،...) وظّف سميح شقير فنّه في خدمة الأطفال، فأصدر «تنورة» و«تفاحة» (2001)، و«يا باح ويا باح» (2007) ووضَع موسيقى فيلم «من العين إلى القلب» (2007).
أما جديد سميح شقير، فهو ألبوم «قيثارتان» (إنتاج سميح شقير والتوزيع في لبنان لـ «نادي لكل الناس»). بعد أكثر من عشر سنوات على صدور عمله الأخير (باستثناء تسجيلاته للأطفال)، يضيف الفنان السوري مجموعة غنائية جديدة إلى رصيده، أرادها تحيةً إلى الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش. في «قيثارتان» لحّن شقير وغنّى 11 قصيدة من شعر درويش، تولى توزيعها موسيقياً عاصم مكارم وزياد حرب، وشاركت فيها غناءً شقيقته سهير شقير. «تنسى» و«شجر السَرو» و«بيروت خيمتنا» و«سقط القناع» و«قيثارتان» وغيرها من القصائد، تنضم إلى العديد من كتابات الشاعر الفلسطيني التي أصبحت أغنيات بأصوات فنانين عرب، بعضها سبق أن لحنه آخرون (مرسيل خليفة، خالد الهبر، إيلي شويري...).
ما زال صوت سميح شقير مميّزاً بما يحمل في نبرته من آثار الإحساس بالمعاناة التي يغنيها، وما زال يسير في الخط الذي رسمه منذ أكثر من ربع قرن. لكنّ جديده يتخذ منحىً ملحمياً عاماً، ويعطي الصدارة للقضايا الكبرى، لحناً وتوزيعاً، على حساب الحميمية والبساطة. وهذه التجربة التي تقترب من ألبوم «خالد الهبر يغني محمود درويش» (1996)، ربّما تستند في خلفيّاتها إلى النصوص التي لا يشبه بنيانها نص الأغنية بشكلها الكلاسيكي. ليس في هذا مشكلة، لكن التوزيع الموسيقي الذي أتى أوركسترالياً ضخماً (يأخذ فيه عود شقير حيزاً ضيقاً)، طغَتْ عليه الأصوات المبرمَجة (باستثناء أغنية «قيثارتان» التي اقتصرت فيها المرافقة الموسيقية على آلتَيّ غيتار). وعلى رغم كلاسيكية الكتابة الهارمونية التي يمكن اعتبارها محافظة نسبة إلى النِتاج الغربي، وغير جديدة إنّما غير مستهلَكة في الشرق، تخلّلت التوزيع جملٌ جيدة ومناسِبة (وأخرى عادية)، لكن طبيعة صوتها خفّفت من حضورها. تماماً بخلاف الهبر الذي رافقته أوركسترا «حقيقية» (التوزيع الموسيقي لزياد الرحباني)، مقدماً في تجربته نموذجاً أعقد شكلاً وأدقّ تنفيذاً.


10.3.09

"حركة الشعب" أطلقت ماكينتها الانتخابية في البقاع الغربي

اطلقت "حركة الشعب" ماكينتها الانتخابية في البقاع الغربي بلقاء حاشد في بلدة القرعون، حضره عضو القيادة المركزية للحركة اسد غندور ممثلا رئيس الحركة النائب السابق نجاح واكيم الى جانب ممثلي احزاب المعارضة ورؤساء بلديات ومخاتير وفاعليات من منطقتي راشيا والبقاع الغربي وكوادر الحركة.


سـرّ العجـز العربـيّ

في البداية كانت أوساطُ المعارضة العربيّة هي التي تتداول تعبيرَ "العجز" العربيّ كتهمةٍ توجّهها إلى الأنظمة الحاكمة، لإخلالها بحماية الحقوق الوطنيّة عمومًا والحقوق الفلسطينيّة خصوصًا، الأمرُ الذي كان يستفزّ هذه الأنظمة. إلاّ إنّ الأخيرة ـ كما يبدو ـ تبيّنتْ في النهاية ما لهذا التعبير من منافعَ أدبيّة: فهو يُشْبه أن يكون "عذرًا" لها باعتبارنا "دولاً ضعيفةً مسكينة" في إزاء قوًى دوليّة غاشمة، وبالتالي فإنّ علينا طاعةَ الأخيرة وإلاّ سحقتْنا! وهكذا انتقل تعبيرُ "العجز العربيّ" إلى الأوساط الرسميّة، تردّده بلا خجل، وبإجماع لافت، في مؤتمرات القمّة العربيّة نفسها. وبات هذا التعبيرُ جدارًا يستند إليه النظامُ العربيّ لتبرير سلبيّته في القضيّة الفلسطينيّة، مقابلَ الفاعليّة والنجاح اللذيْن يبديهما المشروعُ الصهيونيّ. بل إنّ التسليم بضعف الكيان العربيّ إزاء القوى الدوليّة المهيمنة صار أشبهَ باللغة الرسمية للجامعة العربيّة وأعضائها. ويتم التساهلُ إزاء ترويجه في الإعلام أيضًا، وذلك بقصد تثبيط المطالبة الشعبيّة واليساريّة بنصرة الشعب الفلسطينيّ وقضيّته.

التساؤل الذي تطرحه هذه المقالةُ هو: ما مقدارُ الحقيقة ومقدار الوهم في حكاية "العجز العربيّ" فلسطينيّاً ودوليّاً؟ والاستنتاج الذي تخرج به هو أنّ هذا العجز قديم، ولكنه ليس من صنع العرب بشكلٍ رئيس. إنّ الوضع الراهن عبارةٌ عن وَصْفٍ يقوم به الغربُ الرأسماليّ للحالة التي صنعها بنفسه منذ ما قبل الحرب العالميّة الثانية وقطعَتْها سلسلةُ الاستقلالات للبلدان العربيّة والانقلابات ذات الصبغة القوميّة منذ خمسينيّات القرن العشرين. أيْ إنّ هذه الحال الراهنة مصنوعة، لا تلقائيّة، ولا بريئة.
* * *
عندما كان المخطَّط الدوليّ لإنشاء إسرائيل جاريًا على قدمٍ وساقٍ، لم يكن الغربُ الإمبرياليّ، وعلى رأسه بريطانيا، غائبًا عن ردود الفعل المتوقّعة للشعوب العربيّة. ولمّا كان إنشاءُ إسرائيل ضرورةً إستراتيجيّةً لا سبيلَ إلى التراجع عنها، فقد كان المطلوبُ آنذاك تهيئةَ البيئة المناسبة، المأمونة، لردّ الفعل العربيّ وبأقلّ ما يمكن من الخسائر. ومن حسن حظّ بريطانيا آنذاك أنّ هذا المخطَّط كان يتّفق وحِرْصَها ـ الذي يعود الى ما قبل الحرب العالميّة الثانية ـ على عدم السماح بوجود جيش قويّ أو مستقلِّ الإرادة في أيٍّ من الدول التي تهيمن عليها. فقد كان عسيرًا، ووخيمَ العواقب، منعُ الجماهير العربيّة، بشكلٍ سافرٍ، من التعبير عن غضبها الطبيعيّ على سرقة بلدٍ شقيقٍ وتدنيسِ مقدَّساته؛ لذا لم يتبقَّ سوى اتخاذ التدابير اللازمة لتجنّب عواقب عاصفة الغضب العربيّ بأن يُسمح لها بالمرور من دون أن تُحدِث خسائر. وعلى الأرض عنى هذا اصطناعَ مسرحيّةٍ تذهب فيها الجيوشُ العربيّةُ إلى الحرب في فلسطين؛ لكنْ في الواقع ليس هناك جيوشٌ بالمعنى الحقيقيّ، ولا حربٌ بالمعنى الحقيقيّ، وبالتالي لن تعود بعد الحرب ثمة فلسطين بالمعنى الحقيقيّ.
ابتداءً من فشل حركة الجيش العراقيّ ضدّ الوجود البريطانيّ (1941)، تعمّدتْ بريطانيا ووكيلُها الوصيّ عبد الإله، على سبيل الانتقام، جَعْلَ الجيش العراقيّ اسمًا خاليًا من المعنى: لا أسلحة، ولا تجهيزات، ولا طعام، ولا ما يكفي من جنود، إذ أُمِر بعدم ملاحقة الهاربين من الجيش وقد بلغوا الآلاف. حتى إذا ما أعلنتِ الدولُ العربيّةُ، تحت ضغط الغضب الجماهيريّ، الحربَ في فلسطين، كان فشلُ الجيش العراقيّ في مهمّته متوقَّعًا: فقد كان "سيِّء الإعداد، رديءَ القيادة، ليس مسلّحًا بالشكل المناسب، ويعاني من نقصٍ في الخبرات، ونقصٍ في الإمداد، نتيجةً للسياسة التي كان يتَّبعها الإنجليزُ."1 ومن ثم كان إرسالُه الى فلسطين مأمونَ العواقب.
أما الجيش الأردنيّ المشارك في الحرب، فكان المطلوبُ منه أن يُبْدي الخضوعَ للدولة الكبرى التي أسَّستْه. وبلغتْ سخريةُ البريطانيين بالعرب حدَّ تصوير الجيش الأردنيّ، الذي صنعه البريطانيون، وكأنّه ذاهبٌ، بقيادة جنرالٍ بريطانيّ (غلوب باشا)، لمقاتلة الدولة التي قرّر البريطانيون أنفسُهم إنشاءها! ومع ذلك، فإنّ ما انطوت عليه القياداتُ السياسيّةُ والعسكريّةُ شيء، ومشاعرَ المقاتلين شيءٌ آخر: فهؤلاء لم ينقصهم الإيمانُ بعدالة حربهم، ولا الحماسةُ في القتال. ولقد أصاب المقاتلون الأردنيون والعراقيون الجيشَ الصهيونيَّ بخسائرَ موجعةٍ، بل كادوا يهزمونه لولا تواطؤ الحكّام العرب ودعمُ الغرب للصهاينة.
ولم يكن الوضعُ في الجيش المصريّ أفضل: فالخبرة العسكريّة هنا كانت معدومةً، وكذلك القياداتُ، والسلاحُ كان متخلّفًا بسبب أوامر بريطانيّة (منذ معاهدة 1936). كما كان الجيشُ البريطانيّ على علمٍ بكلّ قطعة عسكريّة مصريّة تتوجّه إلى فلسطين لأنها كانت ستمرّ ـ كما يروي أحدُ المشاركين في الحرب ـ بالمعسكرات البريطانيّة التي كانت تحتلّ سيناء!2
واضحٌ، إذن، أنّ الرثاثة التي كانت عليها الجيوشُ العربيّةُ مقصودةٌ، بل كانت عنصرًا رئيسًا من عناصر مخطَّط إنشاء إسرائيل وبقائها. فلم يكن مصادفةً أنّه لم يوجد آنذاك جيشٌ عربيٌّ واحدٌ مستقلُّ القيادة أو ذو مستوى جيّد إداريّاً وفنيّاً. ورغم ذلك فإنّ مقاتلي هذه الجيوش أنجزوا ما فاق كلَّ توقّعات الدول التي أرسلتْهم، الأمرُ الذي اضطَرَّ هذه الدولَ إلى التدخّل العلني لكي تُلْحق الهزيمةَ بجيوشها. فكانت الأوامرُ السلبيّة ـ أو الخيانيّة بالمعيار العسكريّ والوطنيّ ـ الصادرةُ إلى الجيش العراقي؛ وكانت الأسلحةُ الفاسدةُ للجيش المصريّ؛ وكانت الموافقةُ على الهدنة التي غيّرتْ مجرى الحرب كليّاً، إذ استغلّت الدولُ الداعمةُ للصهيونيّة كلَّ دقيقة من هذه الهدنة لمدّ الصهاينة بكميّاتٍ كبيرة من الأسلحة الحديثة. وهكذا، بحسب الخطّة السالفة الذكر، يكون الغضبُ الجماهيريّ العربيّ قد استنفد مداه وأدّى ما عليه، وتكون الجيوشُ العربيّةُ قد "حاربتْ" فخسرتْ، وتكون دولةُ إسرائيل قد قامت.
بكلمةٍ أخرى، أتّفقُ مع الاستنتاج الذي خَرجتْ به هيام عبد الشافي3 من أنّ إنشاء دولة إسرائيل كان عمليّةً دوليّةً بالدرجة الأولى. ولو لم يَلْقَ هذا المطمحُ الصهيونيّ توافقًا مع المطامح الغربيّة الإمبرياليّة البعيدة المدى، لما وُجدتْ هذه الدولةُ ذاتَ يوم. وأؤكّد أنّه، لتمرير هذا المشروع، عَمَدتْ بريطانيا إلى شلّ القدرات العربيّة بكلّ أنواعها، وترتيب ترجيح كفّة الصهاينة في فلسطين قبل حرب 1948 وأثناءها وبعدها. وقد تحقَّقَ هذا المخطَّطُ بالكامل بفضل إخلاص الأنظمة العربيّة لبريطانيا، التي كانت توفِّر لها الحمايةَ من شعوبها. طبعًا كان من السهل على الإعلام العربيّ الرسميّ وقتَها القولُ بأنّ سبب الهزيمة يعود إلى عدم تناسب القوى العسكريّة؛ وهذا بحدّ ذاته صحيح، ولكنّ أصحابُ ذلك الإعلام لم يخبرونا لماذا وُجد عدمُ التناسب هذا أصلاً؛ ولم يقولوا إنّ العملية برمّتها، والواقعَ العربيَّ الذي أنتجها، من صنعٍ غربيّ.
* * *
نقف اليومَ بعد زمن طويل من تلك الحرب لنرى عدمَ كفاية ذلك المخطَّط الدوليّ رغم ما يميّزه من إتقانٍ وسعةٍ جغرافيّةٍ ودقّةٍ تفصيليّة. وإذا شئنا رسمَ صورةٍ رمزيّةٍ للعواقب التي غفل عنها ذلك المخطّط فهي صورةُ جمال عبد الناصر ورفاقه محاصرين في قرية الفالوجة في غزّة. هؤلاء الضبّاط سيَعْرفون الحقائقَ الدامغةَ التي تَكْشف أنّ حكوماتهم قد تعمّدتْ إذلالَ الجيش والوطن. فالحقّ أنّ المرارة التي أحسّ بها ضبّاطُ الجيوش العربيّة بسبب النكبة، ووقوفَهم على الدور الخيانيّ الذي لعبتْه الأنظمة ُالحاكمةُ، سيؤسِّسان لتمرّدهم القادم ولتخليص بلدانهم من تلكم الأنظمة. ومنذ ذلك الوقت سيبدأ النفوذُ البريطانيُّ في المنطقة بالانكماش، وسيتتابع استقلالُ الدول العربيّة. حتى إذا ما اشتعلت الحربُ الباردة، وحضر السوفييتُ إلى المنطقة، غدا التحكّمُ الغربيُّ بأقدار البلدان العربيّة حكايةً من الماضي، بما في ذلك التحكُّمُ بالجيوش العربيّة وبتسليحها. والنقطة الأخيرة خطٌّ أحمر، لأنه يعني خطرًا على المشروع الدوليّ الإستراتيجيّ: إسرائيل. وفي هذه الحالة، حيث لم يعد بمقدور الغرب الإمبرياليّ خلقُ حالة "العجز العربيّ" كما كانت الحال أيّامَ النكبة، فقد عَوَّض من ذلك بخلق التفوّق الإسرائيليّ في المنطقة. وهكذا كانت إسرائيلُ أقوى ما تكون فجرَ يوم 5 يونيو (حزيران) 1967 عندما هَزَمَتْ كلَّ الجيوش العربيّة مجتمعةً، وفي ثلاث جبهات، محتلّةً أراضيَ إضافيّةً. السلاح الحديث، المعرفة العسكريّة، الدعم المادّيّ والمعلوماتيّ والسياسيّ القادم من أقوى دول العالم: كلُّها كانت في خدمة إسرائيل في ذلك اليوم... وهي تحارب دولاً أسيرةً لصراعاتها الداخليّة، ولهشاشة علاقاتها الدوليّة، ولتخبّطها الفكريّ، ولتخلّفها الإداريّ، ولضعفها الاقتصاديّ، ولتأخّرها العسكريّ. كانت هزيمةً مدوّيةً هزّت الجماهيرَ، كما الأنظمة الحاكمة. وعلى أثرها جَرَتْ تغييراتٌٌ ملموسةٌ في السياسة العربيّة: فسقطتْ أنظمة، وأجْرَتْ أخرى مراجعةً ذاتيّةً. غير أنّ النظامَ الحاكمَ في مصر كان الوحيدَ الذي أقرّ علنًا بمسؤوليّته عن الهزيمة وبعدم أهليّته لقيادة البلاد، كما عَبّرتْ عن ذلك استقالةُ عبد الناصر، الذي لم تكن مرارةُ الهزيمة الأولى قد فارقتْ فمَه لتحلَّ الهزيمةُ الثانيةُ القاصمة. لكنْ يُحسب لهذا الرجل أنه لم يستسلمْ، وبدأ على الفور بمراجعة عوامل الهزيمة ومعالجتها، وبتأسيسِ عناصر القوّة (مع كلّ ما شاب ذلك من تجاوزاتٍ منه ومن المحيطين به)، ليَشْرع بَعد سنتين فقط في خوضِ ما عُرف بحرب الاستنزاف. ولم يَبْلغ هذا البناءُ عمرَه السادسَ حتى أثمر أولَ اختراقٍ عسكريّ عربيّ في تشرين الأول (أكتوبر) 1973، رغم أنه لم يكن كلّه حكايةً جميلةً (ربما بسبب تولّي القيادة يومَها أناس أقلّ كفاءةً من عبد الناصرَ، وربّما لأسباب أخرى).
حرب 1973 كانت الذروةَ التي بلغتْها الإرادةُ العربيّةُ المستقلّة. فإلى جانب أنّها كانت ثمرةً للجهود المتواصلة والمكثّفة التي كان عبدُ الناصر قد بذلها، فقد آزرتْه بيئةٌ عربيّةٌ ثوريّةٌ. كانت الاحتكارات النفطيّة في المنطقة تَخْسر مواقعَها بفعل التأميم في العراق (1972) الذي ألهم الآخرين (إذ ستؤمِّم الكويتُ أيضًا نفطَها بعد الحرب بسنتين مثلاً)، وبفعل نجاح التحالف بين اليسار والقوميين في سوريا والعراق ولبنان على أساس النضال ضدّ الإمبرياليّة والصهيونيّة، وبفعل صعود التجربة التنمويّة الجزائريّة. لكنْ إذا كان الاختراقُ العربيّ الكبير ضدّ إسرائيل قد جاء من مصر، فإنّ الاختراق الغربيّ لمنطقتنا قد جاء من مصر أيضًا: فبعد الحرب مباشرةً، وبفضل أنور السادات، استعاد الغربُ مصرَ، وتمّ التخلّصُ نهائيّاً من أخطر جبهةٍ عربيّة!
لقد شاء الساداتُ أن يُحلَّ محلَّ الصداقةِ مع الاتحاد السوفييتيّ، وهو أكبرُ داعمٍ دوليّ للعرب ولم تُعْرف عنه مطامعُ مادية، الصداقةَ مع أمريكا، أكبرِ داعم دوليّ لإسرائيل والطامعة العلنيّة بخيرات العالم كلّه. وطبعًا جاءت العواقبُ متوقَّعةً، إذ أخذت الأوضاعُ الاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ في الانحدار، الأمرُ الذي مَهّد لظاهرة الديون والمعونات الأمريكيّة إلى مصر لسنواتٍ متتاليةٍ كانت كافيةً لبلوغ حالة "الاعتماد" على هذه المعونات، وهو المطلوبُ بالضبط.
بعد خروج الجبهة المصريّة من الصراع جرى إشغالُ بقيّة الجبهات بهذا الشكل أو ذاك ولزمن طويل: حربُ لبنان الأهليّة؛ الحرب العراقيّة ـ الإيرانيّة. ثم اقتيدت المنظومةُ العسكريّةُ العراقيّةُ بكاملها إلى فخّ الكويت وجَرَتْ تصفيتُها هناك. أما الجيش السوريّ فلم يعد يشكّل خطرًا: فهو، من جهةٍ، ظلّ عالقًا في لبنان لسنوات؛ وهو، من جهةٍ أخرى، معروفٌ بأنّه لا يَنْشط ضدّ إسرائيل بمفرده وإنما ـ كما حَصَلَ في كلّ الحروب العربيّة ـ يَشْترط توفّر دعمٍ من جيشٍ عربيٍّ آخر، الأمرُ الذي لم يعد له وجود!
* * *
قد يَخْطر في بال القارئ أنّ السطور السابقة تَختزل التاريخَ القريبَ للمنطقة بمنظور ضيّق مسبَّق. لكنْ بدلاً من المماحكة أقترحُ إجراء عمليّات حسابيّة لهذه الحروب الجانبيّة للوقوف على مقادير الربح والخسارة فيها، وهويّةِ الرابحين والخاسرين.
كان أكبرَ خطرٍ على إسرائيل، بعد قيام الثورة الإيرانيّة، أن يتكوّن حلفٌ إيرانيٌّ ـ عراقيٌّ ـ سوريّ (كما بشّر في حينه ياسر عرفات). وللنجاة من هذا المصير، لم يكن أمام إسرائيل حلٌّ أفضلُ من توجيه قوى هذه الدول بعضِها ضدّ بعض. وإذا لم تتسرّبْ حتى اليوم أسرارُ الجهد الاستخباراتيّ الغربيّ المزروع في داخل هذه الأنظمة من أجل إدامة حالة الاحتراب في ما بينها، فإنّ الصفقات الاقتصاديّة والعسكريّة التي كانت تغذّي كلَّ الأطراف بأسباب مواصلة التقاتل باتت اليوم معروفةً. لقد دامت الحربُ العراقيّة ـ الإيرانيّة ثماني سنوات (1980 ـ 1988)، وعندما نتذكّر أنّها انتهت بالعودة الى نقطة الصفر (اتفاقيّة الجزائر 1973) حيث "لا غالب ولا مغلوب،" حُقَّ لنا أن نتساءل: عِلامَ إذنْ أُحرِقتْ كلُّ هذه المليارات وخَسِرْنا كلَّ هذه الأرواح؟ يلخّص مهدي الحافظ المغانمَ الحقيقيّةَ لهذه الحرب ويحدِّد هويّةَ المنتصر الحقيقيّ فيها بالقول: "لم تكن هذه الحربُ الغاشمةُ في مصلحة أحدٍ بقدْر الأطماع الأمريكيّة ـ والغربيّة عمومًا ـ وإسرائيل كذلك. كما كانت فرصةً ذهبيّةً لتجّار السلاح، والصناعات العسكريّة الأمريكيّة والأوروبيّة لجني الأرباح وفوائدَ لا تقدَّر. فضلاً عن أنها أتاحت الفرصةَ لإضعاف الجبهة العربيّة في مواجهة إسرائيل، وإلحاق الأذى بالقضيّة الفلسطينيّة والعربيّة بوجه عامّ."4 وهذا الأمر يفسِّر لغزَ بيع الغرب للسلاح إلى كلا الدولتيْن المتحاربتيْن، ولغزَ بيع إسرائيل السلاحَ إلى عدوّتها إيران.
بالاتفاقات الثنائيّة مع إسرائيل تارةً، وبتحديد القدرات العربيّة وبعثرتها في حروبٍ جانبيّةٍ تارةً أخرى، تمت حمايةُ إسرائيل طوال العقود التالية لحرب 1973.
طبعًا لا يمكن أن يراهن الغربُ إلى الأبد على اشتعال التوتّرات الداخليّة في المنطقة؛ إضافةً إلى احتمال استدارة أحد هذه التوتّرات ليتّجِهَ ضدّ إسرائيل نفسها! أما الأمان الحقيقيّ لإسرائيل فهو عدمُ وجود حلف لدولٍ عربيّةٍ قويّة. وما يَضْمن ذلك هو عدمُ السماح بوجودٍ دول عربيّةٍ قويّة اقتصاديّاً، وحرّة سياسيّاً واقتصاديّاً، ومقتدرةٍ عسكريّاً. وهذا هو مجالُ عمل الولايات المتحدة والغرب وإسرائيل في الوقت الراهن: إنه إدامةُ حالة العجز العربيّ. وبمقارنة هذا السعي الحاليّ مع ذلك الذي قام به الغربُ أثناء التحضير لإنشاء دولة إسرائيل، فإننا نرى أنّ التاريخ لا يعيد نفسَه وحسب وإنما هو مستمرّ على المنوال نفسِه أيضًا... سوى أنّ ميكانيزم هذه الاستمراريّة يتطلّب تبديلاً في الأساليب بين فترة وأخرى: فبينما كانت هذه الأساليبُ تتّسم آنذاك بالعنف والإخضاع بواسطة القوة العسكريّة، فقد صارت اليوم تتألّف من قيود وتبعيّات ماليّةٍ وأخرى سياسيّة، وصار التهديدُ بالعقوبات الاقتصاديّة والحرمان من المساعدات بقوّة الإملاء السياسيّ. في السابق كان رفعُ الدعم العسكريّ البريطانيّ عن بعض الأنظمة العربيّة يعني تعريضَها للخطر؛ وأمّا اليوم فرفعُ الدعم الماليّ الأمريكيّ عن بعض الأنظمة العربية يعرِّضها للانهيار الأكيد. والقصدُ في كلتا الحالتين هو إبقاءُ الدول العربيّة عاجزةً من جميع النواحي عن تحمّل تحدّ كبير مثل الحرب مع إسرائيل المدعومة مسبّقًا من الغرب في أيّ حربٍ تخوضها.
في أحد مؤتمرات القمّة العربيّة (وهي تسميةٌ ساخرةٌ في رأيي، ولا أدري لماذا لا تُدْعى مؤتمرات الهاوية العربية)، برّر حاكمٌ عربيٌّ خنوعَه وخنوعَ زملائه الحكّام العرب بأنّ "هناك دولاً عربيّةً عائشةً على المساعدات." وهو بذلك يقرّ بأنّ سياسةَ "المساعدات" والعلاقات الاقتصاديّة، التي اتّبَعَتْها أمريكا مع بعض الدول العربيّة لشراء ولائها، قد أدّت غرضَها. لكنّ المرءَ يتساءل: هل كانت مصرُ مثلاً (وهي المقصودةُ في كلامه) جائعةً قبل عهد الاستثمارات والمساعدات الأمريكيّة؟ هل الاعتمادُ على المساعدات حالةٌ تطلَّبَها تطوّرُ الاقتصاد في مصر؟ هل الاقتصاد هو الذي فَرَضَ على الدولة تقبُّلَ المساعدات، أمْ أنّ الدولة هي التي فَرَضَتْه على الاقتصاد؟ ما حصل أنه، لكي يتمّ تقييدُ القرار المصريّ بقيد الحاجة الدائمة إلى العلاقات الطيّبة مع أمريكا، توجَّبَ أن يكون الاقتصادُ المصريُّ ضعيفًا أو مهدَّدًا بالضعف. إنه مخطّط سياسيٌّ صرف، والاقتصادُ منه براء. وإذا كان أحدُ الحكّام العرب يروِّج أنّ مصر "عائشةٌ على المساعدات،" فلننتبهْ إلى أنّ مجملَ قيمة هذه المساعدات لا يتعدّى نصفَ العائد السنويّ لقناة السويس! وبالإضافة إلى القناة، فإنّ لدى مصر مصادرَ أخرى غنّيةً للدخل وللتنمية، ولكنّ هذا كلَّه يُنهب من قِبل فئةٍ تستحوذ على المال والسلطة معًا وتَحْرص على إدامة حالة "العجز" المطلوبة أمريكيّاً وإسرائيليّاً. إنّ الدول العربية "العائشة على المساعدات" ذاتُ موارد لا تكفي فقط لمعيشة مواطنيها وإنما للشروع بعملية تنمية حقيقيّة أيضًا، بشرط القضاء على الفساد والنهب وتحقيق الشفافيّة في الحياة السياسيّة.
من ناحية أخرى ثمة دولٌ عربيّةٌ تعاني التخمةَ الماليّة، لكنّها ترسل أموالَها إلى الولايات المتحدة وأوروبا لتُستثْمَرَ هناك! في الولايات المتحدة وحدها يَستثمر الخليجيون 300 مليار دولار، وفي أوروبا يستثمرون 100 مليار. أما في المنطقة العربيّة فالاستثمارات القليلة لرأس المال الخليجيّ لا تساهم في أيّ حركيّة إنتاجيّة وإنما تتوجّه غريزيّاً إلى المجال السياحيّ والترفيهيّ، وكأنّ هناك اتفاقًا على حرمان المنطقة من فرصة النهوض الحضاريّ.
إنّ أيّ متأمِّلٍ لأحوال المنطقة العربيّة لا بدّ أن يتساءل عن سرّ "المصادفة" التي جعلتْ جميعَ البلدان العربيّة القريبة من إسرائيل، أو ذات التاريخ السياسيّ النشط في المنطقة، تخلو من أي تنمية حقيقيّة، أو معدَّلِ نموٍّ يُعتدّ به، أو اقتصاد تنافسيّ في عالم اليوم، أو تقدّم معرفيّ، أو ظاهرة إنتاجيّة تبعث على الفخر. إنّ أيَّ متأمّل للبلدان العربيّة لا بدّ أن يستوقفَه الإصرارُ الحكوميّ على بقاء حالة التخلّف المعرفيّ، بل الجهل العامّ، رغم المآسي التي تسبّبتْ فيها حتى اليوم. إنّ الطريقَ الواضحَ للتقدّم هو الطريقُ القائمُ على خطّة تنميةٍ شاملةٍ، تنتجها حياةٌ سياسيّةٌ صحيّةٌ، وتنفِّذها حكومةٌ منتخَبةٌ، وتَضْمنها شفافيّةٌ ماليّةٌ وسياسيّةٌ وقضائيّة. وكلّها أمور يجري التهربُ منها بشتّى الذرائع والوسائل، ويُسجَن الداعون إليها. وإنّ الطريق الواضح للاستقلال الاقتصاديّ يُذبَحُ فداءً لشروط البنك الدوليّ والشركات المعولمة. لا وجودَ لـ "دول غنيّة" في المنطقة، وكلُّ ما يوجد حكّامٌ أغنياء لشعوبٍ فقيرة، بل لا يوجد إلاّ لصوصٌ فيما لو طُبقت عليهم أحكامُ القضاء في قوانينهم المحلّية نفسها، أو كما عبّر الجواهري منذ زمن بعيد: "ساكنُ القَصْرِ ـ لو إلى ذمّةِ الحقِّ احتكمْنا ـ لكان يَسْكن سجنا!"
* * *
الخلاصة، إننْ، أنّ ما يسمّى بـ "العجز العربيّ" ليس حالةً ذاتيّةً ومنعزلة، ولا هو "مصادفةً،" وإنما هو بيئة سياسيّةٌ ــ اقتصاديّةٌ مصنوعةٌ دوليّاً، وبإحكام، لحساب المشروع الصهيونيّ، وبتنفيذ الأنظمة العربيّة القائمة مقابلَ خدماتٍ متنوّعة: ماليّة واقتصاديّة لأنظمة الدول "الفقيرة"، وخدمات سياسيّة (حماية، ضمان،...) لأنظمة الدول "الغنيّة." هكذا كانت الحال عشيّةَ تأسيس دولة إسرائيل، وهكذا ستبقى الحالُ حتى اكتمال المشروع الصهيونيّ: إكمال التوسع الاستيطانيّ وتصفية القضيّة الفلسطينيّة.

ستوكهولم

1. حنّا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعيّة والحركات الثوريّة، ط 1، ص 94.
2. مقابلة مع إبراهيم بغدادي في جريدة القاهرة
3. في رسالتها للماجستير، مصر وحرب فلسطين 1948، ملخّص منشور على الشبكة العالميّة
4. مساهمة إلى ندوة "مستقبل العراق والخيار الديمقراطيّ"، بيروت 82/2/2002

المقالة منشورة في مجلة الآداب, 3-2-1 /2009