3.3.09

بين المثقّف والأديب

يصادف في هذه الايام رحيل الروائي و المترجم والناشر "سهيل ادريس" مؤسس "مجلة الاداب" . نضع بين يدي القارىء مساهمة سماح ادريس في التكريم الذي اقامته وزارة الثقافة المغربية للراحل.

سماح إدريس*

يخيَّل إليَّ أنّ الصفةَ الأبرز في سهيل إدريس هي صفةُ المثقّف الملتزم بقضايا مجتمعه. بل إنّ مجمل إنتاجه في الرواية والقصة والترجمة والتأليف المعجميّ، وفي ميدان النشر، وفي «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» و«الاتحاد العام للأدباء والكتّاب العرب» و«الاتحاد العام لأدباء آسيا وأفريقيا»... كان الحافزُ الأوّلُ إليه الالتزامَ بتطوير المجتمع العربي في اتجاه الحريّة والوحدة والعدالة.
لنبدأ من زيارته إلى باريس مطلع الخمسينيات. صحيحٌ أنه ذَهَبَ لنيل درجة الدكتوراه من السوربون، ولتنشّقِ نسائم التفلّت الاجتماعي من قيود المجتمع العربي؛ إلا أنّه حرص، في قلب باريس نفسها، على اكتساب الوعي السياسي. فكان أن التقى بعدد من المثقفين العرب ــ وكثيرٌ منهم ينتمون إلى حزب البعث ــ الأمرُ الذي أسهم في تكوّن وعيه القوميّ. ولا ريب في أنّ قارئ روايته الأولى «الحيّ اللاتينيّ» (1953)، لن يفوتَه أنّ شخصيّة فؤاد (القومي العربي) ترخي بظلالها على هذا العمل برمته، وتَرسم للبطل خياره: العودة إلى لبنان والعمل من هناك على تطوير المجتمع العربي واستقلاله.
وإذا انتقلنا إلى مجلة «الآداب»، برز لنا قوله في افتتاحيته الأولى (1953): «تؤمن المجلة بأن الأدب نشاط فكري يستهدف غاية عظيمة هي غاية الأدب الفعال الذي يتصادى ويتعاطى مع المجتمع، إذ يؤثِّرُ فيه بقدر ما يتأثر به». ويضيف أنّ على الأدب، كي يكون صادقاً، ألّا يكون منعزلاً عن المجتمع الذي يعيش فيه.
فإذا عرجنا إلى ترجماته الأولى، وبخاصة ترجمته للفكر الوجودي، لفتنا اعترافه بأنّ اهتمامه بترجمة هذا الفكر «نابعٌ من اهتمام كبارهم، ولاسيما سارتر، بالنضال القوميّ». ويُضيف في حواره مع يسري الأمير («الآداب»، 10، 2000) أنّ ما حفّزه على حب سارتر كان موقفه الشاجبَ للاحتلال الفرنسي للجزائر، وأنه «كان طبيعياً بعد ذلك أن أحب هذا الكاتب، وأن أترجم عدداً من مؤلَّفاته، وقد كنت أطمع إلى أن نكتسب هذا المفكر العالمي إلى صفنا في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين». ولعلنا نتفهم بعد ذلك، ندمه على ترجمة سارتر بعد زيارته الكيان الصهيوني.
وإذا انتقلنا إلى معجم «المنهل» الفرنسي ــــ العربي، فسنرى أن هذا العمل نفسه قد كان ثمرة شعور إدريس بلا جدوى الكتابة الإبداعية عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967. لقد هالَه مقدار الأكاذيب التي روجت نصر العرب قبيل النكسة الماحقة، فاكتشف أنّ «السبيل الأفضل للتصدي والمقاومة» بعد تلك النكسة «إنّما هو سبيلُ اللغة ووعينا الحقائق والمفاهيم لسانياً قبل كل شيء»! وقد فتح المجال في مجلة «الآداب» لمواصلة الاحتجاج: فكان «بيانُ 5 حزيران» لأدونيس، و«هوامش على دفتر النكسة» لنزار قباني، وعشراتُ المقالات ـــ المباضع في جسد الهزيمة.
بيْدَ أنّ أكثر ما كتبه سهيل كان مقالاته في مجلة «الآداب»، وفيها تتخلق نظرية متكاملة في الالتزام، قوامها عناصر خمسة: أولاً، المواكبة والشهادة؛ ففي رأيه أنّ على الأديب والمثقف أن يكون شاهداً على عصره وكاشفاً لمعاني أحداثه. ثانياً، التغيير؛ فدور الأديب والمثقف هو تغيير المجتمع العربي باتجاه الوحدة والحرية والاشتراكية. ثالثاً، رفض الهتاف والدعاية في الأدب الملتزم، بل العمل على إرهاف نواحيه الفنية. رابعاً، نبذ الإلزام الحزبي والسلطوي؛ فإدريس لا يؤمن بعبارة «واجبات المثقف» لأنّها توحي بأنّ هناك «إلزاماً له بأن يقوم بعمل ما»، في حين أنّ الكاتب الحقيقيّ «لا يلتزم إلّا بضميره ووعيه». خامساً، إنكار تقديم الحريات الديموقراطية على مذبح المشاريع القومية.
ولكن كيف يوفِّق الأديب بين مواكبة الحدث، وإرهاف الناحية الفنية التي تتطلّب وقتاً طويلاً؟ تلك مسألة أقضّت مضجع سهيل. وكان أن أَوجَد تمييزاً طريفاً بين الحدث من جهة، والزمن من جهة أخرى: «فإذا لم يتمكن الأثر الأدبي الذي يعقب الحدث من أن يكون له تأثير في هذا الحدث، فإنّه مُطلق الطاقة والقدرة لممارسة هذا التأثير في أحداث لاحقةٍ قد تُشبه هذا الحدث أو لا تشبهه». مبدأ الالتزام هو المهم إذاً، لا توقيته، وفي هذا التمييز ردّ على من يدين الالتزام جزافاً فيحصره بالانفعال الآني.
غير أنّ سهيلاً لا يريد من الأديب والمثقف أن يصمت حين تقع «الأحداث»، ولا سيَّما إذا كانت من نوع مقاومة بورسعيد أو هزيمة حزيران أو مجزرة أيلول. فكيف التوفيق وتلك الأحداث من الكثرة بحيث تكاد تأتي على كامل التاريخ العربي المعاصر... وكامل وقت المثقف لو شاء الالتزام بها؟ أطرح هذا السؤال وفي بالي أنّ سهيلاً، بالإضافة إلى عمله الأدبي والنشري والمعجمي والترجمي، تولى رئاسة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» أربع دورات، أي ما مجموعه عشر سنوات، رسم لنفسه خلالها مهمات أساسية: الدفاع عن الوحدة العربية، وعن حرية التعبير، وعن القضايا العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. وقد دفعه ذلك إلى خوض المعارك، وإصدارِ البيانات، وحشد «المناصرين»... وكلها مشاغل لا تترك للأديب مجالاً واسعاً لإرهاف فنّه.
وأحسب أنه عاش طوال عمره نزاعاً داخلياً مريراً بين شخصية الأديب، وشخصية المثقف. فالمثقف يدعوه إلى الحركة، والتحريض، والصراخ، وتصدُّر التظاهرات، وعقد الاجتماعات، وتسطير البيانات والافتتاحيات. والأديب يهتف به أن اجلس، تأمَّل، اهدأ، هذِّب، تخيَّل، اشطُب، وسّع. ولم يكن إدريس من طبيعة تَهرب من المعارك، ولذا فضَّل في أكثر سنوات عمره أن يُغلِّب صورةَ المثقف على صورة الأديب. ذلك أنه لم يُطق الصمت والجلوس طويلاً، حتى حين انكبَّ على العمل المعجمي الأول (المنهل) بين عامي 1967 و1970.
والحق أنّ سهيل إدريس لم يَصمُت حتّى بعد رحيله! وهو سيَبرز قريباً أمام قرّائه مثقفاً وأديباً ولغوياً ونهضوياً، بكلّ ما لهذه الكلمات من معنى، مع صدور قاموسه الجديد، المنهل العربي ــــ الفرنسي الذي تعمل عايدة ورنا على إنجازه في أبهى صورة (وكان الشهيد د. صبحي الصالح قد شارك فيه جزئياً). ثم يصدر قاموسه الأضخم، المنهل العربي ـــ العربي، في سبعة آلاف صفحة كبيرة، وهو عمل شَرَّفني بأن أسهم فيه منذ سنة 1985 إلى جانبه وإلى جانب الشهيد الصالح. وسهيل ما يزال إلى جانبي، حتى اللحظة، في عملي هذا. وإليكم هذه الحادثة التي جرَتْ معي قبل يومين. فقد اتّصلت أحلام مستغانمي بأختي رائدة لتسألها إن كنت أتذكر صَدْر بيت المتنبي الذي عَجُزُه هو التالي: «وما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ». حاولتُ أن أتذكر، فلم أُفلح. عدتُ إلى عملي الذي أعكِفُ عليه منذ ثلاثة شهور، وهو ضبط ما أنجزه سهيل بخط يده من حرف الهاء. وفجأةً، رأيتُ سهماً، بخطّ سهيل، يُشير إلى نهاية الصفحة، حيث كلمةُ «هوان». وهناك قرأت: «مَنْ يَهُنْ يَسْهُلُ الهوانُ عَلَيْهِ/ما لِجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ»!
لم تخذلني يا صديقي الأعزّ مرّةً، لا في حياتك، ولا بعد رحيلك الجسدي.
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»

تصبحون على وطن...

رامي سلامي

في بلادي، نولد كلَّ يوم على قَارعة الطريق، نحمل عذاباتنا بطاقة هويَّة، وتقذف بنا الأقدار إلى مصيرنا الرمادي..
في بلادي، نتسوَّل وطناً طَوالَ النَّهار، ونرجع في المساء بلا وطن..لا تسَلني كيف نعيش، لعلَّ الموتَ يشفق علينا أو يهرب منَّا ألف مرَّة في اليوم.
نرجع في المساء حفاةً جياعاً إلى حيث انطلقنا، ونراقب بكسلٍ سقوط الشَّمس في هاوية المجهول. تصفعنا عتمة اللَّيل، ويقرصنا البرد في عيوننا. لا يبقى لنا إلا الله، وحسبنا الله وإن اختلفنا فيه..
يمدُّنا بقنديل أمل نشعله بزيت قلوبنا، ونستمع بخشوع إلى بوح قمر عاشق لغيمة مطر عابرة، فنتخيَّل فيها شبحَ وطن لم نرَه إلاَّ في أوطان غيرنا..
ثم تؤول كل الأشياء من حولنا إلى سواد، حتى لون الأمل وبوح القمر.

نلتهم جوعنا على عجل ونحاول أن نغفو.
في وحشة اللَّيل، نسمع صراخ سعالنا فيدرك كلٌّ منَّا أنَّه ليس المشرَّد الوحيد في هذا الوجود. نحاول اقترافَ جريمة الكلام، فتشيخُ في فمنا الكلمات وتخرَف، ويخنقُ حناجرَنا الصدأُ من طول ما هجرتها أغنيات الطفولة.
نغرق في شبر من النَّوم، ونعلك حلماً واحداً احترفناه من ألف عام، لا تتغير فيه إلا اللَّحظة التي نُمنَى فيها بهزيمتنا اليوميَّة، حين تمَسُّ أجسادَنا حرارة ُالشَّمس ببرودةٍ مخيفة..
في بلادي لا نغسِل وجوهنا عند الصَّباح، فلعلَّ بها بريقاً من أمل نخاف عليه أن يزول..
لا تسلني تفصيلَ ما نحلمُ كلَّ ليلةٍ من ألف عام. لا نكاد نذكر شيئاً عند الصَّباح، كأنَّ لنا ذاكرةً من نعاس تتسلَّل إلينا في اللَّيل، و تبدأ بالهروب مع طلوع الفجر..
نعم، يحدث أن يزورنا في أحلامنا طفل عجيب، تِربٌ لنا لا نراه إلاَّ نادراً، اعتدنا أن نسمَّيه «حنظلة» رغم حلاوة خفيَّة في مرارة ما يقول.
حنظلة هذا زوَّادة الدفءِ في حلمنا البارد، يقول لنا بعد توزيع الحلوى وقطع الأمل، تعالوا لأروي لكم عن فلسطين..
يحكي لنا حكايات ننتبه فجأة إلى أنها حكاياتنا. ينقل لنا حمّىً تنتابنا من المحيط إلى الخليج، كلَّما اغتسلت زنبقة أمل بدموع طفل في غزَّة، أو فاحت زهرة ليمون بعبق الشَّهادة في بيَّارة وجعنا الذي لا نعرف له حدّا ولا نهاية.
يعلمنا الشِّعر والحبَّ والثَّورة، وأبجديَّة العروبة ...
يحكي لنا عن أبيه ناجي العلي، وعن أمِّه بيروت. يسمِّي لنا أمَّهاتنا اللَّاتي لم نرَهنَّ واحدةً واحدة، ويروي لنا قصَّة استشهادِ آبائنا..
يحكي لنا باللَّهجة الجنوبيَّة قصَّة قانا وأخواتِها، وباللَّهجة العراقيَّة الحزينة قصَّة سقوط بغداد وقصَّة حذاءٍ صارَ أشهرَ من حذاءِ «سندريلاَّ».
ولاينسى أن يقرأ لنا كلَّ مرَّة قصيدةً من قصائدِ محمود درويش..
عجيب هذا الصَّبيُّ، يجيد كلَّ لهَجَاتِنا، ويعرف كلَّ جهاتِنا ويحفظُ كلَّ تواريخِنا...ويكرهُ كلَّ حكَّامِنا!!
نعم، يحدث أن يزورنا حنظلة، وقبل أن يغادرنا في عتمة اللَّيل تطلُّ من بين كتفيه هالة من نور، تمطرُنا أشعَّةً دافئةً تخترق جليد عيوننا وتَخِز وعينا النَّائم فيستفيق..
نتثاءَب قليلاً، نودِّعه ... يديرُ لنا وجهه للمرَّة الأخيرة ويقول: ناموا الآن بسلام..
تصبحون بخير..تصبحون على وطن.

الرأي الأخر


28.2.09

إلى المرحوم والد الولايات المتحدة

"الكتابة عمل انقلابي" هي مجموعة مقالات نشرت في مجلة "الاسبوع العربي" خلال اعوام 1973,1974,1975 . ننشرها في هذه المدونة لما فيها من افكار قيمة تستحق الاطلاع.

نزار قباني
تتصرف أميركا مع العرب في هذه الأيام الأخيرة كما لو كانوا من مخلفات المرحوم والدها .. ونحن لا نعرف عن المرحوم والد الولايات المتحدة الأميركية، ولا نعرف شيئاً عن حسبه .. ونسبه .. وشجرة عائلته .. ولا نتذكر أنه ترك مالاً أو عقاراً أو ذرية من البنين والبنات في أرض الحجاز، أو في الكويت ، أو في كركوك .. كما لا نتذكر أن المرحوم .. صاهرنا، أو ناسبنا ، أو تزوج أمنا فصار عمنا .. بحيث يسمح لنفسه بالتدخل في شؤوننا المنزلية، وقضايانا العالية .. بما في ذلك عدد الأرغفة التي نأكلها، وأجرة المنزل الذي نسكنه، وشكل الزوجة التي سنتزوجها، وأسماء الأولاد اللذين سنرزق بهم .. ثم نحن لا نتذكر أن المرحوم والد الولايات المتحدة الأمريكية، كانت له تجارة في قديم الزمان مع عبد المطلب وهاشم، وقريش ، حتى يأتي بعد ألفي عام ليحاسبنا على ثمن الجياد العربية التي ربيناها .. وأشجار النخيل التي زرعناها .. وبراميل النفط التي بعناها .. لذلك فوجئنا بالرئيس الأميركي، حين صعد إلى منصة الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، وأفهمنا بغير مجاز ولا تورية .. أنه لن يسمح لحفنة من البدو .. ينقعون أرجلهم في بحر من البترول أن يهدموا حضارة العالم ...
أما أن نكون بدوا .. فذلك امتياز كبير، وعلامة تفرد لنا في هذا العصر الذي أصبح فيه التمدن معادلاً للتقل، والانتحار، والهيرويين، والرعب النووي، والتلوث ..
إن البداوة شجرة تنبتها الصحراء، وهي في ذروة صفائها الروحي، وفي أحسن لحظات الوجد والتصوف والمكاشفة مع النفس. والبدوي هو هذا الإنسان الذي تتجلى فيه أخلاق النخلة ، وارتفاع قامتها، وعنفوانها، وكرمها، وفيض مروءاتها .
أما أننا ننقع أرجلنا في آبار الظهران، والأحمدي ، وكركوك، فذلك حق طبيعي يمارسه كل من يملك حماما في منزله ..
ولو أن العرب نقعوا أرجلهم في نهر المسيسيبي ، أو نهر الهودسون، أو أخذوا ( دوشاً) في مسبح من مسابح فلوريدا .. لكانت الولايات المتحدة على حق في صراخها واحتجاجها .. أما أننا نعمل على تخريب الحضارة وإسقاطها . فهو كلام سائب .. ويحتاج إلى حوار هادئ وصريح .
قبل كل شيء نريد أن نتفق مع الرئيس الأميركي على مفهوم كلمة حضارة .. نحن نفهم من الحضارة كل جهد يهدف إلى الإرتفاع بمستوى البشر، وتحقيق أفضل الشروط الإنسانية لهم .
فالحضارات اليونانية، والهندية، والصينية، والفرعونية، والبابلية ، والفينيقية، والعربية ، حضارات استحقت اسمها لأنها قدمت ل لإ نسان عصارة عقلها وفلسفتها وفنونها، وأضاءت له طريق الخير والمعرفة والسعادة .
وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار التفوق الصناعي والتكنولوجي في الولايات المتحدة، وأوروبا، تفوقاً حضاريا أو حضارة، بالمعنى الأخلاقي والفلسفي لهذه الكلمة .. فأبنية الكونكريت، والجسور المعلقة، والأوتوسترادات، وناطحات السحاب، وصناديق ( البوب كورن) .. وعلب ( الجوك بوكس) .. والآلات التي تقدم لك قطعة الهامبورغر وتمضغها بالنيابة عنك .. وتعطيك زجاجة الكولا وتشربها هي ... وكل الماكينات الالكترونية التي تفرم الوقت ولحم الانسان .. كل هذه الإنجازات هي خربشات على دفتر الحضارة، لا حضارة .
ولما كانت السيرة قد انفتحت .. فإننا نود أن نسأل المتحضرين على أكتاف من قامت حضارتهم .. ومن لحم من أكلت .. ومن دموع من شربت؟ إن حضارة أوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر، هي سلسلة من السرقات الموصوفة، وكبر عملية نهب مسلحة عرفها التاريخ .. فاللوردات الانكليز ظلوا مئة سنة وأكثر يشربون شاي ليبتون في منازلهم في حي مايفير في لندن .. ويلبسون جاكيتات الكشمير الفاخرة .. وقمصان اللينو المصنوعة من قطن مصر .. ويصنعون غلايينهم من عاج الهند .. كان اللوردات الانكليز يعتبرون أن ألفي مليون من سكان افريقيا وآسيا مسؤولون عن تقديم شاي الساعة الخامسة .. مع البسكويت .. لهم ولزوجاتهم وأولادهم .. كان أطفال الانكليز يترعرعون في الهايد بارك والريتشموند بارك على الزبدة .. والكاكاو .. وزيت السمك .. بينما كان أطفال الهند والصين وسنغافورة ، ومالطة، وعدن ، والسودان، ومصر ، لا يجدون الحليب في أثداء أمهاتهم ... هذه هي المعادلة اللا انسانية التي قامت عليها حضارة الغرب .. إنها علاقة بين العلقة والدم .. وبين الشاة وذابحها .. والبقرة وحالبها .. واللؤلؤة وسارقها ...
إن الصدمة التي أصابت الفكر الغربي بعد حرب تشرين الأول ١٩٧٣ سببها أن الغرب قد تعود على السرقة حتى صارت السرقة بالنسبة إليه حقاً مكتسباً .. كما تعود على الخدمات المجانية بحيث يصعب عليه بعد ثلاثة قرون من الممارسات الاستثمارية ان يطالب بدفع أجور العمل .. فالعمل بالنسبة للفكر الغربي لا يزال ينقسم إلى قارتين: قارة للخدم .. وقارة للمخدومين .. والغريب أن الولايات المتحدة لم تحفظ مادة التاريخ جيداً .. ولم تستفد من التجربة البريطانية .. فهي لا تزال تعتبر العالم الثالث – ونحن من جملته – جارية سوداء .. أو وظيفتها أن تسلي الأولاد ريثما يعود أصحاب البيت من السهرة .. وربما كانت البيبي سيتر في أميركا أحسن حالاً من الشعوب الآسيوية والإفريقية من حيث مستوى التعامل. فهي على الأقل تتمتع بحرية التصرف داخل المنزل الأميركي .. فتشاهد برامج التلفزيون، وتقرأ الصحف والمجلات، وتشوي قطعة ( ستيك) ، وتصب لنفسها كأساً من النبيذ، وتدخن بعد العشاء ما يعجبها من السجائر .. وحين يعود السيد والسيدة إلى منزل يدفعان لها الأجر المتفق عليه، ويوصلانها بالسيارة إلى منزلها، ويفتحان لها باب السيارة بكل لياقة وتهذيب ..
أما الـ Baby Sitter العربية، فوظيفتها أن تخدم أميركا لوجه ا لله تعالى، وعلى رو ح الأجداد .. دون أن تتمتع بأية امتيازات فهي تأتي إلى بيت مخدوميها ماشية .. وترجع ماشية .. ولا يحق لها أن تمد يدها إلى التلفزيون، أو إلى السجائر .. أو إلى الجرائد .. كما لا يحق لها أن تأكل ( الستيك) .. لأن الستيك عمل من أعمال الحضارة. والعرب لا يزالون من أكلة القمح والذرة والحبوب ..
ولأن العرب لا يزالون ينتمون إلى حضارة الحنطة .. فقد قرر الرئيس الأميركي أن يعاقب ( البيبي سيتر) العربية بمنع مؤونتها اليومية من الخبز .. لأنها رفعت أجرها اليومي من دولارين .. إلى أحد عشر دولاراً .. وعبثاً حاولت ( البيبي سيتر) العربية إقناع الرئيس الأميركي .. أن قوانين العمل تغيرت .. وأفكار العمال تغيرت .. وأن صاحب السلعة هو الذي يحدد سعرها تبعاً لحاجاته ولمستوى الأسعار العالمية، وأن دول العالم الثالث لم تناقش في يوم من الأيام مع أميركا ، أسعار بضائع جنرال موتورز .. أو جنرال الكتريك .. ولم تعترض على أسعار السيارات، والثلاجات، والغسالات، ومكيفات الهواء، وألوف السلع الأميركية التي تحاصر حياتنا اليومية ابتداء من إبرة الخياطة .. إلى طنجرة البريستو .. وعلبة التشيكلتس ..
إن الإنسان العربي ليشعر بالزهو حين يفتح جريدة ( التايمز ) اللندنية، ويقرأ فيها هذه الجملة: ( إن الأجيال القادمة سوف تتذكر سنة ١٩٧٣ كتاريخ سيطر فيه العرب على العالم الصناعي )..
مئة سنة وأكثر والغرب يلعب معنا ( البوكر ) ونحن نخسر .. يغش في اللعب .. ونحن نخسر .. يسرق آخر قرش في جيوبنا .. ونرهن محاصيلنا .. وعقاراتنا وضفائر بناتنا .. ونخسر .. فهل تسمح الولايات المتحدة ودول أوروبا الصناعية .. أن نتغلب عليها مرة واحدة فقط ..
ولكن بشرف ...

١٤ – ١٠ – ١٩٧٤

أيها المارون بين الكلمات العابرة


محمود درويش


أيها المارون بين الكلمات العابرة
احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا ،و انصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
و خذوا ما شئتم من صور، كي تعرفوا
انكم لن تعرفوا
كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء

أيها المارون بين الكلمات العابرة
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى- ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص .. و انصرفوا
وعلينا ، نحن ، أن نحرس ورد الشهداء
و علينا ، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء

أيها المارون بين الكلمات العابرة
كالغبار المر مروا أينما شئتم ولكن
لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
خلنا في أرضنا ما نعمل
و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى أجسادنا
و لنا ما ليس يرضيكم هنا
حجر.. أو خجل
فخذوا الماضي ، إذا شئتم إلى سوق التحف
و أعيدوا الهيكل العظمي للهدهد ، إن شئتم
على صحن خزف
لنا ما ليس يرضيكم ، لنا المستقبل ولنا في أرضنا ما نعمل

أيها المارون بين الكلمات العابرة
كدسوا أوهامكم في حفرة مهجورة ، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس
أو إلى توقيت موسيقى مسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا ، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم : وطن ينزف شعبا
وطن يصلح للنسيان أو للذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا

ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
فنا في أرضنا ما نعمل

ولنا الماضي هنا

ولنا صوت الحياة الأول

ولنا الحاضر ، والحاضر ، والمستقبل

ولنا الدنيا هنا .. والآخرة ْ

فاخرجوا من أرضنا

من برنا .. من بحرنا

من قمحنا .. من ملحنا .. من جرحنا

من كل شيء ، واخرجوا من ذكريات الذاكرة ْ

أيها المارون بين الكلمات العابرة ْ!

26.2.09

إعلان مبادئ حركة الشعب

هذه المبادئ صدرت عن حركة الشعب في 20-3-2008 . لكننا ارتأينا نشرها على مدونة الشباب و الطلاب لارشفة كافة الاوراق السياسية التي صدرت عن الحركة لتشكل مرجعا للمهتمين بمبادىء الحركة و نهجها السياسي .


في خضم الأزمة الوطنية الراهنة وما تنذر به من احتمالات خطيرة، وبعيداً من السجالات التي يتقاذفها أطراف "الصيغة اللبنانية" عن التوافق والوفاق والارتباط بهذا المحور الدولي – الإقليمي أو ذاك...بات من الضروري جداً طرح السؤال: لبنان إلى أين؟

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسية يكفي لحلها هذا الذي يدعون إليه دائماً، الحوار، واللقاءات بين الأطراف، و"مساعي الخير" التي تنهال علينا عبر زيارات الموفدين، العرب وغير العرب؟
هي في الحقيقة أزمة النظام السياسي، وأزمة "الصيغة" التي يستند إليها هذا النظام.
نريد الحل؟...لنبدأ بالحقيقة.
إن هذه "الصيغة" الطائفية أتاحت في ظروف تاريخية معروفة إقامة كيان، ولكنها منعت تحول الكيان إلى وطن. وجمعت في هذا الكيان جماعات رعايا، رعايا طوائف، ولكنها منعت تحول الجماعات إلى مجتمع وتحول الرعايا إلى شعب.
وفي ظروف تاريخية معروفة أيضاً أتاحت استقلالاً، ولكنها في كل الظروف منعت السيادة.
وأقامت سلطة، ولكنها منعت قيام الدولة.
وأتاحت، في بعض الظروف استقراراً ووفرت أمناً ولكنها منعت تحول الاستقرار إلى سلم أهلي راسخ وتحول الأمن المؤقت إلى أمان دائم.
وفي ظل هذه "الديمقراطية التوافقية" تكرست طبقة سياسية لم تتبدل مرة عن طريق الانتخابات، ولكنها كانت تتغير نحو الأسوأ بعد كل حرب أهلية.
أما المؤسسات الدستورية التي أنشأت لهذا النظام فهي لم تستطع مرة أن تحل أزمة سياسية، ولكنها كانت تنحل وتتهاوى عند كل أزمة سياسية.
في ظل هذا النظام كان لبنان دائماً ساحة ولم يكن مرة وطناً. واللبنانيون رعايا في طوائف ولم يكونوا مرة شعباً.
وعلى هذه الأزمات كلها تنهال أعباء استراتيجية هائلة يفرضها موقع لبنان في خارطة المنطقة وصراعاتها. ويتمزق ما بين خيارات متناقضة حيال هذه الأعباء، تحددها له أطراف هذه الصراعات عبر أدواتها الطائفية في الداخل.
ما العمل؟

1-هذا النظام السياسي.
لم نعد نقبله.
نريد نظاماً علمانياً، متحرراً من قيود الطائفية وقواعدها. في الدولة، والمجتمع. نريد نظاماً يتحرر فيه الوطن من مفهوم الساحة. وتتحرر فيه الدولة من هذا المزيج القاتل بين العصبية والعصابة. ويتحرر فيه المواطن من الارتهان.
نظاماً يرتقي فيه الوطن، ينمو ويتطور، فلا يبقى تاريخه دوامة تدور على نفسها تنتج حروباً أهلية ودولة قناصل، تتكرر كل حقبة، وتتكرر معها طبقة سياسية فاسدة وتابعة.
نريد، ونعمل بثقة وثبات من أجل إقامة هذا النظام الجديد.
2-في الخيارات الاستراتيجية.
يقع لبنان في دائرة حساسة جداً في قلب الأمة العربية، على تخوم فلسطين حيث يقوم الكيان الصهيوني بكل مطامعه المعروفة وعدوانيته، وعلى ثغور بلاد الشام، حيث يحتدم صراع دولي – إقليمي شرس.
على تقاطع خطوط الزلازل هذه يقع لبنان. وهو لا يستطيع أن يتجاهل الخطر الإسرائيلي عليه من جهة، وانعكاسات الصراعات الدولية والإقليمية التي تدور في محيطه من جهة أخرى.
منذ الاستقلال لم تكن للدولة سياسة دفاعية واضحة، ذلك بسبب التركيبة الطائفية للدولة وتعقيدات النفوذ الخارجي المتداخلة فيها عبر الطوائف السياسية. ولقد عمدت الطبقة السياسية إلى التستر على هذا الواقع المفجع والاختباء وراء مقولة "قوة لبنان في ضعفه".
هذه المقولة لم تصمد أمام موجات الغزو الصهيوني المباشر للبنان منذ العام 1978. وكان من الطبيعي أن تنشأ في مواجهة الغزو والاحتلال مقاومات تأخذ على عاتقها مهمة القيام بالواجب الوطني عندما تخلت الدولة عن القيام بهذا الواجب.
من هنا نشأت الاشكالية بين الدولة والمقاومة، وهي إشكالية لا يمكن حلها إلا بقيام الدولة السليمة – الدولة المتحررة من الطائفية – ووضع سياسة دفاعية تتكامل فيها طاقات الجيش والشعب في مهمة الدفاع عن الوطن.
لقد آن الأوان لإخراج لبنان من ضياع خياراته. من طائفياته المفخخة ومن منطق المحاصصة والشراكة والغبن والخوف...
آن لنا أن نقيم وطناً ونبني دولة ومجتمعاً ومواطناً.
3-أما كيف؟
الطائفيون لا يبنون الوطن. التابعون لا يحققون السيادة. الفاسدون لا يبنون الدولة ولا يحصنون المجتمع.
إن الخطأ الكبير الذي وقعت فيه قوى لاطائفية عديدة هو أنها في مراحل دقيقة وهامة تخلت عن مشروعها والتحقت بمشاريع القوى الطائفية.
هذه القوى والفاعليات العلمانية، العاملة في مجالات السياسة والثقافة والاقتصاد والفكر، عليها أن تخرج من عقدة ذلك الخطأ، ومن استكانتها وانكفائها، لكي تشكل قوة التغيير، قوة النهضة الجديدة، القوة الديناميكية الشجاعة المبادرة القادرة على حمل المشروع الوطني العصري الحديث.
عليها أن تدرك دورها التاريخي وتقدم بوعي وشجاعة وثبات على التقاط الدور والسير فيه نحو الأهداف الوطنية الكبرى.

بناءً على ما تقدم
قررنا نحن الموقعين أدناه، رفض الصيغة الطائفية وكل "التسويات" التي تكرس هذه الصيغة، ودعوة النخب الثقافية والشبابية والشعبية إلى تبني هذا الرفض وتشكيل قوة تغيير تعمل من أجل:
1-صون وحدة لبنان والسلم الأهلي، ورفض كل دعوات التفرقة والفتنة والحرب الأهلية.
2-قيام دولة على أساس المواطنة والمساواة والوحدة.
3-رفض أي توزيع طائفي في السلطات الدستورية والإدارية، ووضع برنامج زمني لتجاوز الطائفية وإلغائها وإطلاق آلية عمل لتحقيق هذا البرنامج.
4-قيام سلطة قضائية مستقلة تكفل الحريات العامة وحقوق الإنسان.
5-وضع قانون انتخاب ديمقراطي خارج القيد الطائفي يعتمد نظام التمثيل النسبي، وتحديد سقف للإنفاق الانتخابي ووضع ضوابط لتنظيم الإعلام والإعلان الانتخابيين، واتاحة حق الاقتراع لمن بلغ 18 عاماً.
6-تعزيز المشاركة الديمقراطية وتحريرها من مفاسد المال السياسي، والفصل الكامل بين العمل السياسي والأعمال الخيرية، سواء كانت ممولة من أفراد أو مؤسسات أو دول.
7-إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية.
8-وضع نظام تربوي جديد تخضع فيه المؤسسات التربوية الخاصة للنظام التربوي الوطني العام الهادف إلى تثبيت وحدة المجتمع، ومنع أي توجيه طائفي.
9-بناء اقتصاد إنتاجي وطني يدعم مقومات السيادة والاستقلال ويحمي موارد لبنان البشرية والمادية، وتوفير الأمن الاجتماعي للمواطنين.
10-اعتبار المقاومة الوطنية حقاً شرعياً وضرورياً لتحرير الأرض اللبنانية، وتغزيز قدرة لبنان على ردع العدوانية الصهيونية.

غونزاليس: الشباب العرب هزموا الإمبريالية

زار الأمين العام لاتحاد الشباب الديموقراطي العالمي، مورا غونزاليس، لبنان للتضامن مع الفلسطينيين في المخيمات وتعزيز العلاقات مع الشباب اللبناني
ديما شريف
«الرفيق فيديل قال...»، «فيديل يرى...». عبارتان تتكرّران على لسان خيسوس مورا غونزاليس في حديثه عن الولايات المتحدة الأميركية أو القضية الفلسطينية أو النضال ضد الإمبريالية. يظهر جلياً من الحديث مع غونزاليس تأثّر الأمين العام لاتحاد الشباب الديموقراطي العالمي والعضو القيادي في اتحاد الشبيبة الشيوعية الكوبية بالرئيس السابق لجمهوريته.يزور غونزاليس لبنان للتضامن مع الفلسطينيين في المخيمات داخل لبنان ودول الجوار، وتعزيز العلاقات مع المنظمات الشبابية اللبنانية، وخصوصاً تلك التي وقفت إلى جانب الكوبيين في قضية تحرير المعتقلين الخمسة في الولايات المتحدة الأميركية.يقول غونزاليس إنّ الكوبيين قيادة وشعباً يرون في الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما وجهاً آخر للإمبريالية التي تدعم إسرائيل. ويضيف إنّ الإدارة الأميركية كانت بحاجة إلى وجه أكثر قبولاً من الرأي العام، لكن أي رئيس يدعم الدولة الصهيونية لا يمكن أن يكون في إطار اليسار، يقول رداً على من ينعت أوباما باليساري. ويؤكد غونزاليس استمرار الدعم الكوبي للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة ومنها بناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة.تلمع عينا غونزاليس وهو يتحدث عن الشباب في كوبا والدور الكبير المعطى لهم في الدولة. ويؤكد وجود أربعين ألف خبير يعملون في الدول الصديقة لكوبا في مجالات عدّة، 85 في المئة منهم دون الخامسة والثلاثين من العمر. ويثني على «مدرسة فيديل كاسترو» التي لم تجعل من الشباب هدف الخطة اللازمة للنهوض بكوبا بل كانوا هم الخطة، وضعوها ونفذوها. وكل هذا رغم الحصار الذي تفرضه أميركا منذ عقود.ويرى غونزاليس أن الأزمة المالية العالمية والظروف الحالية الصعبة فرصة تسهم في الصحوة التي نراها في أماكن عدّة من العالم. يضيف إنّ الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً مما يحصل. لكنّه يرى أنّ الشباب ينشطون في أماكن معيّنة ويقومون بالدور المطلوب منهم وأكثر مثل أميركا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث تاريخهم حافل بالنضال والكفاح ضد الإمبريالية وإلحاق الهزائم بها.ويقول غونزاليس إنّ وسائل الإعلام اليوم تصب اهتمامها على الشباب لإقناعهم بعدم جدوى التظاهر والنضال، وإنّ من الأفضل استخدام الإنترنت للاعتراض مثلاً. ويرى في ذلك محاولة من الاحتكارات الكبرى المسيطرة على وسائل الإعلام لتوجيه الشباب نحو الحياة الاستهلاكية والمادية لإبعادهم عن قضاياهم.وعن الحركة الشبابية في لبنان يرى غونزاليس أنّها أدّت دوراً مهماً. يضيف إنّ هناك شباباً يناضلون في لبنان ومؤمنون بقضيته، ومنهم المنخرطون في بعض الحركات الشبابية التي تقاوم. وتمنى التواصل بين سائر المنظمات الشبابية اللبنانية لمواجهة العدو الصهيوني وتقديم أفضل دعم ممكن إلى القضية الفلسطينية. ويوجه غونزاليس نصيحة إلى الشباب اللبنانيين بأن يكونوا فخورين بثقافتهم الغنية، وأن يحاولوا حمايتها من الحرب الكبيرة الموّجهة ضد تاريخ المنطقة العربية. ويرى أنّ الأهم هو المحافظة على التاريخ العريق للمنظقة العربية الذي يختزن مواقف ومحطات نضالية مشرقة واجه خلالها العرب الإمبريالية ونجحوا.لا ينسى غونزاليس الحديث عن الكوبيين الخمسة، الأسرى في سجون الولايات المتحدة الأميركية. يأمل أن يوافق مجلس القضاء الأعلى الأميركي على إعادة النظر في قضية الشبان الخمسة الذين سجنوا ظلماً، كما يردد. ويستغل غونزاليس مناسبة وجوده في لبنان لتقديم الشكر إلى كلّ المنظمات الشبابية الداعمة لتحرير الشبان الخمسة الذين «كانوا يناضلون ضد الإرهاب والعمليات الإرهابية التي كانت تحاك ضد دولتنا»، كما يقول.

23.2.09

«حركة الشعب» تترشح للانتخابات... رفضاً لقانونها

المؤتمر الثاني: واكيم يرفض «الحوار» ... منتقداً المعارضة
ما زالت «حركة الشعب» على عهدها كما بدأت منذ سنوات تسع. بل انها ازدادت تشبثا بما قامت عليه عند التأسيس خلال نحو عقد من الزمان شهد تطورات داخلية واقليمية ودولية هزّت العالم ولا تزال، ضمنتها الحركة في وثيقتها امس.
بدا واضحا العدو الاساس بالنسبة الى الحركة الشابة، في ارجاء مؤتمرها الثاني. عبّر عنه رئيسها نجاح واكيم بأسف، لكن بلهجة حادة. ففي الطائفية يكمن سبب تراجع الزخم الذي رافق حركته في مرحلة ما بعد التأسيس، والذي يضاف الى الحراك السياسي والاحداث التي عانى منها الوطن وتخطته الى ما وراء الحدود، من دون نسيان الحرب التي لطالما اعلنت الحركة عن شنها عليها من قبل اطراف داخلية وخارجية، وكلها عوامل ادت بالحركة الى ضعف في قواعدها الشعبية.
لكن لا يمكن تناول موضوع الطوائف بحياد في اجواء الحركة التي تُحملها كل مصائب الوطن منذ تأسيسه، لكنها ليست مصيبة لبنان الوحيدة، والحل لمشاكله يبدأ بإلغاء الطائفية برمتها في شكل جذري وقاطع.
والحال ان الوثيقة التي اعلنت عنها الحركة في فندق «السفير»، امس، كانت قد خضعت لنقاش مستفيض بين قيادييها منذ اسابيع، فخرجت الحركة مجاهرة هذه المرة بنقدها لعدم فعالية المعارضة في عملية الإصلاح السياسي في البلاد، وخاصة على صعيد تناتش الحصص عبر قانون الانتخاب الذي قالت ان نتائجه سوف تكون اخطر بكثير من قانون عام .2000
والواقع ان النقاش الداخلي في الحركة تناول في اهم مواضيعه قانون الانتخاب المرفوض على القاعدة الطائفية بالنسبة اليها، وتم طرح مسألة المقاطعة كما فعلت الحركة في الماضي، وذهب البعض الى الدعوة الى اطلاق حملة شعبية مع بعض القوى الاخرى.
لكنه ليس الاسلوب الانجع بالنسبة الى الحركة، فتم اتخاذ القرار بالمشاركة «حتى لا يستفيد اعداء الوطن من ذلك»، كما علّق رئيس الحركة نجاح واكيم في خروج على كلمته المكتوبة امام جمع من الحاضرين، ليتابع انه كان على المعارضة ان تدفع ثمن هذا الخطأ..
من هنا، كان قرار المشاركة الذي اعلن عنه واكيم، لكن شرط ان يكون عنوان المشاركة هو الحملة على القانون ونتائجه تحت شعار السلم الاهلي وإلغاء الطائفية والعمل من اجل تغيير النظام السياسي.
والحال ان واكيم قد دعا مراراً في السابق الى قيام «جبهة وطنية عريضة» في البلاد بعيداً عن التقاسم الطائفي وكان هذا دأبه في مختلف المراحل التي مرّت فيها المعارضة منذ اعلانها عن نفسها قبل نحو اعوام ثلاثة، خاصة خلال اشتداد المأزق الداخلي وحال المراوحة التي سقط فيها البلد قبل احداث أيار.
وكرر امس دعوته تلك التي قال انها كانت ضرورية في المرحلة التي سبقت عدوان تموز عام 2006، وكان من الواجب اقامتها بعد العدوان، على حد قوله، واصفا عدم اقامتها بالخطيئة الفظيعة التي سعت اليها المعارضة او قبلت بها او استدرجت اليها.
كما كان انتقاد واضح لطاولة الحوار بين الافرقاء اللبنانيين، اذ لا قيمة لها من دون تحديد من هو العدو. اذ ان هذه الخلاصة هي الكفيلة بإنجاح الحوار «وبعد ذلك يأتي دور العسكريين قادة وخبراء ومتخصصين، يضعون الاستراتيجية والخطط الآيلة الى تنفيذها».
واذ قال ان هذه مسألة تتعلق بموقع لبنان في صراعات المنطقة وخياراته الاستراتيجية حيالها التي لا تحل بالحوار بل بالصراع، الذي يجب ان يكون سلميا وديموقراطيا ويؤدي الى حسم الخيارات، اشار الى ان هذه الشروط «لا تتحقق الا بعد ان نبعد عنه شبح الانقسامات الطائفية»، لافتا الى انها الوظيفة الاساسية بالنسبة الى الجبهة الوطنية.
رئيس الحركة لا يوارب في طروحاته حتى وان طاولت اعلى القياديين في البلاد، وبالنسبة اليه، فإن الحوار شكل ولادة كل الفتن والحروب الاهلية وانتهاك الدساتير وضياع الشرعية ونحر القانون، فكيف ينادون به لحل موضوع الاستراتيجية الدفاعية التي يلخص البحث فيها «العقم والدجل والخبث والنفاق»!
على ان اهداف الجبهة هي اشمل واكبر من اختزالها بذلك، اذ ان عليها مهام قيادة حركة الاصلاح الكبرى في البلاد، لكي تضم القوى العلمانية التي تشترك مع «الشعب» في اهدافها، حسب ادبيات الحركة، والتي تتهم الطائفية بكل الانقسامات في لبنان.
لكن المؤتمر خرج برؤية متفائلة حيال موقع المنطقة ولبنان من الهجمة الخارجية عليهما، واستبشر واكيم خيرا بـ«الانجازات الرائعة التي حققتها المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق، وتنامي روح المقاومة وانتشار ثقافتها في مختلف اوساط الشعب العربي»، ما يؤشر بالنسبة اليه الى ولادة جديدة لـ«حركة تحرر عربية جديدة».
قدمت «حركة الشعب» رؤيتها تلك للواقع الحالي في سبيل نقاش يخدم القوى التي تشترك معها في الرؤية نفسها، تحت عنوان «مشروع الوثيقة السياسية» التي احتوت مقدمة عامة، بحثا في جذور الأزمة، المقاومات العربية، الظروف العالمية والعربية التي اتاحت فرصة التحول الثوري في الامة العربية، اللحظة التاريخية والنظام العالمي الجديد، ومن ثم توقعات المرحلة المقبلة فالخلاصة التي تتناول موقع لبنان في الصراع و«مسؤولية القوى الوطنية اللاطائفية عن الواقع المريض».
استذكر المجتمعون امس يوم التأسيس، وتبدو معظم الاهداف التي حددتها الحركة عند التأسيس والخاصة بلبنان، بعيدة المنال، لكن بزوغ فجر الأمل من جديد في واقع العرب في المرحلة الحالية، من شأنه تقديم رؤية اكثر ايجابية في مؤتمر الحركة المقبل الذي لن يأتي من دون تغييرات داخلياً وخارجياً.