الدور التركي والشرق الأوسط
الزمان: يوم الخميس الواقع في 19/2/2009
الساعة السادسة مساءً
المكان: مركز الحركة الرئيسي
بيروت – الجناح – نزلة السلطان ابراهيم – باتجاه السفارة الكويتية صعوداً- بناية لاند ترايد – الطابق الأول
وكالات حصرية في السياسة
لبنان السيادة
هو لبنان الأزلي الأبدي السرمدي ينادي به المسيحيون، لماذا؟ لأن لبنان هذا يجب أن يكون فيه حصة للغرب، ولأن لبنان هذا يجب أن لا يكون جزءاً من الحضارة العربية الإسلامية. هو لبنان السيادة، في وجه من؟ ليس في وجه فرنسا، ولا بريطانيا ولا الولايات المتحدة، فقوة لبنان في ضعفه، بل في وجه «الغريب» الفلسطيني والمصري والسوري والإيراني.
هو لبنان العربي ينادي به السنّة، عروبة الهاشميين حلفاء بريطانيا، بريطانيا وعد بلفور لقيام دولة إسرائيل، وبريطانيا المستعمرة للعرب، وبريطانيا المعرقلة لأحلامهم في إقامة دولة قومية لهم. فعروبة مصر عبد الناصر، عبد الناصر المتحدي لبريطانيا وعبد الناصر المتحدي للولايات المتحدة وعبد الناصر صديق الاتحاد السوفياتي. فعروبة السعوديين حلفاء الولايات المتحدة. الولايات المتحدة حليفة إسرائيل الأولى، والولايات المتحدة المزودة الأولى لإسرائيل بالسلاح، والولايات المتحدة المجتاحة للعراق، والولايات المتحدة.
هو لبنان الحليف الطبيعي لسوريا ينادي به الشيعة. سوريا حافظ الأسد. وهو لبنان الإسلامي ينادي به هؤلاء، إسلام الثورة الإيرانية. وبين كل هؤلاء يجهد الدروز بحثاً عن هوية لهم في هذا اللبنان. فهم تارة من نسل الكونت دي درو أحد الأمراء الصليبيين، وهم تارة عرب تنوخيون، و هم تارة أكراد لا علاقة لهم بالعرب، وهم تارة مسلمون، وهم تارة فئة متمردة على الإسلام.
إنه بلد الاحتكارات الأجنبية، والزعامة الأقدر على تمثيل الاحتكار السياسي للدولة النافذة. إذاً هما بشارة الخوري وإميل إدة بين الموارنة أيام الانتداب الفرنسي. وهو كميل شمعون أيام النفوذ البريطاني في الخمسينيات، وهو بيار الجميل أيام النفوذ الأميركي في الستينيات والسبعينيات.
الزعامة الأقدر على تمثيل الاحتكار السياسي بين السنّة، إذاً هم آل الصلح أيام الهاشميين، ورشيد كرامي أيام عبد الناصر، وصائب سلام فرفيق الحريري أيام السعودية.
الزعامة الأقدر على تمثيل الاحتكار السياسي بين الشيعة. إنه صبري حمادة وأحمد الأسعد وكامل الأسعد حين لم يكن للشيعة هوية واضحة. وهو الإمام موسى الصدر ونبيه بري أيام بحث سوريا عن حصة لها في لبنان، وإنه زمن العمائم وآيات الله زمن الثورة الإسلامية في إيران.
وبين هؤلاء الزعيم الدرزي يبحث عن احتكار سياسي يمثله. وليد جنبلاط هو النموذج. هو الدرزي، الشركسي، حفيد شكيب أرسلان داعية القومية العربية، التقدمي الاشتراكي، اليساري الحليف للاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، وحليف سوريا التي يتهمها بقتل والده، وفي الوقت نفسه حليف إسرائيل عدوة سوريا، وحليف إيران عدوة إسرائيل، وحليف الولايات المتحدة عدوة إيران وسوريا. وهو المنادي بإزالة العلم اللبناني من الدوائر الحكومية في الثمانينيات، والعدو الأول لميشال عون خلال حرب التحرير في العام 1989، والعدو الأول للوجود السوري في لبنان، والمنادي الأول لرفع العلم في العام 2005 ولمسيرة الاستقلال، وهو الداعي إلى نزع سلاح المقاومة في لبنان وتطبيق القرارات الدولية، وهو أول من يبرق إلى حزب الله بعد أحداث أيار/مايو الماضي مؤكداً أنه سيكون دائما سنداً للمقاومة.
أزمات مزمنة
ماذا عن الشعب؟ «الشعب معتّر»؟ هو شعب يلبس مما لا ينسج ويأكل مما لا يزرع. شعب اعتاد على الاستهلاك، على استهلاك ملابس أجنبية، على استهلاك مأكولات أجنبية، على استهلاك ثقافة أجنبية، ولم لا على استهلاك سياسات أجنبية. ولأنه مستهلك، فهو يستهلك السياسات التي يبيعه إياها الزعيم، سياسات مستوردة من الخارج ومعدة للاستهلاك المحلي. ولأن السياسة احتكار فأنصار الزعيم يستهلكون ما يلقى إليهم من سياسات.
ولأن المسيحيين طائفة ولأن الطائفة احتكار لسياسة، ففي زمن فرنسا أيدوا الانتداب، وفي زمن بريطانيا المسيحيون أيدوا حلف بغداد، وفي زمن الولايات المتحدة المسيحيون وقفوا ضد اليسار والإلحاد الشيوعي.
ولأن السنّة طائفة، ولأن الطائفة احتكار لسياسة، فزمن الهاشميين السنّة مع الشريف حسين والملك فيصل، وزمن عبد الناصر، السنّة مع الوحدة العربية وضد الأحلاف الغربية، وزمن السعوديين السنّة مع الولايات المتحدة ضد إيران والشيعة.
ولأن الشيعة طائفة، ولأن الطائفة احتكار للسياسة، فزمن غياب الدولة الراعية الشيعة يتوزعون الولاء على غيرهم من الطوائف، وزمن سوريا الأسد الشيعة مع سوريا، وزمن الثورة الإيرانية، الشيعة مع ولاية الفقيه.
ولأن الدروز طائفة، والطائفة احتكار للسياسة، ولأن جنبلاط يفضل البيع بالمفرق لا بالجملة، فإذاً دروزه هو مع إسرائيل، ومع سوريا، ومع إيران، ومع الولايات المتحدة، ومع السعودية، وبريطانيا، وفرنسا في آن، وضد كل هؤلاء في آن. هم اشتراكيون تقدميون، دروز تقليديون، شركس وعرب وأكراد في آن.
وفي ظل واقع الاحتكار الاقتصادي، يبقى لبنان انعكاساً لمصالح اقتصادية أجنبية أكثر منه اقتصاد يرعى مصالح القاطنين فيه. وفي ظل واقع الاحتكار السياسي، يبقى لبنان انعكاساً لسياسات خارجية أكثر منه تعبيراً عن هوية وطنية لأبنائه، وتبقى أزمته الاقتصادية مزمنة. تبقى أزمته السياسية مزمنة حتى تكسر الاحتكارات الاقتصادية عبر قيام اقتصاد وطني منتج، وحتى تكسر الاحتكارات السياسية، حتى إلغاء الطائفية وإنتاج هوية وطنية لبنانية.
Gates Carolyn: the historical role of Political Economy in the Development of Modern Lebanon. Center for Lebanese Studies. September, 1989
د. جمال واكيم
محمد وهبة
«ليس واضحاً للرأي العام بعد أن الدين العام الحكومي هو غير الدين العام، فهناك خلط في أدبيات التعاطي معه»، بهذه العبارة يختصر الخبير الاقتصادي الدكتور توفيق كسبار سجالاً لا يزال قائماً منذ أكثر من 20 عاماً في لبنان بشأن الحجم النهائي والحقيقي للدين العام، مميزاً بين ما تصرّح به الحكومة عن دين «مركّز على أساس الدين الحكومي» والدين العام الذي يشمل ديوناً لا تحتسب في الموازنة، منها ديون على مصرف لبنان.
هذا المقاربة الجريئة عن الدين العام، قدّمها كسبار في ورشة عمل عقدت أمس في معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي، بالتعاون مع المؤسسة الدولية للإدارة والتدريب، بعنوان «أزمة الدين العام في لبنان وتأثيرها على الموازنة العامة»، وعقّب فيها مدير المركز الإقليمي للمساعدة الفنية للشرق الأوسط (METAC) التابع لصندوق النقد الدولي سعادة شامي.
■ تعدّد الأرقام
وبنتيجة هذه المقاربة والنقاش الذي تلاها، تبيّن أن اختلاف الخبراء بشأن حقيقة حجم الدين العام في لبنان نابع من المنهجية المعتمدة ومكونات احتسابه، فهناك 4 أرقام متداولة في ما يخصّ حجم الدين العام في نهاية 2008:
1- الدين الحكومي الإجمالي، المصرّح عنه رسمياً، يتألّف من سندات الخزينة بالليرة وبالعملات الأجنبية (يوروبوندز) فضلاً عن القروض التي حصلت عليها الحكومة من الدول والمؤسسات المانحة، ويقدّر بحوالى 47.2 مليار دولار.
2- الدين الحكومي الصافي، ويتألف من الدين الحكومي بعد تنزيل ودائع القطاع العام، ويقدّر بحوالى 41.3 مليار دولار.
3- الدين السوقي الصافي، ويتألف من الدين الحكومي الصافي بعد تنزيل قيمة الديون والقروض التي اكتتب بها مصرف لبنان والمؤسسات العامّة، ويقدّر بحوالى 29 مليار دولار.
4- دين الدولة الإجمالي، وهو الرقم الذي لا تصرّح عنه الحكومة، إذ من المفترض أن يكون هو الرقم الحقيقي لأنه يتضمن كل ديون الدولة ومصرف لبنان والمؤسسات العامّة والمتأخرات والعجوزات المخبّأة، وذلك بعد إجراء المقاصّة اللازمة بينها لإزالة التشابكات في حسابات القطاع العام عموماً، ويقدّر هذا الرقم بأكثر من 60 مليار دولار، وهو يعكس الوضع المالي الحقيقي للدولة
■ مكوّنات الدين العام
ورفض كسبار التحدّث عن هذه الأرقام بالتفصيل، معتبراً أنها من مسؤولية السلطات العامّة، ولا سيما مجلس النواب، إلا أنه أجرى قراءة لمكوّنات الدين العام، فلفت إلى أن الدولة أنفقت بين 1992 و2008 حوالى 102 مليار دولار، منها 32 ملياراً (37%) على الفوائد، 31 ملياراً (30%) على الرواتب والأجور، و21 ملياراً (21%) عل النفقات الاستهلاكية والتحويلات، فيما لم تتعدّ النفقات الاستثمارية 12 مليار دولار (12%)، وبالتالي فإن «الدين لم يكن لإعادة الإعمار والاستثمار».
ويتوزع الدين بحسب كسبار كالآتي: 56 في المئة تموّله المصارف الخاصة في لبنان، 20 في المئة يموّله مصرف لبنان، 7 في المئة تموّلها مؤسسات عامة. أي إن تمويله داخلي بنسبة 83 في المئة. وهذا الأمر كان له تأثيراته على المالية العامة وعلى الاقتصاد الوطني، فأي أزمة في الدين ستنعكس على المصارف، لأن حجم ومصادر تمويله كبّلا الاقتصاد والنمو وقلّصا هامش تدخل الدولة في السياسة المالية فباتت مقيّدة لأن 67 في المئة من نفقاتها تغطي الرواتب والأجور والفوائد، وهذه الأخيرة تتجاوز وحدها 3 مليارات دولار سنوياً.
■ تقييد وظيفة المصارف
ومن جهة ثانية، باتت وظيفة القطاع المصرفي الأساسية مقيدة بالدين مما حدّ من التسليف للقطاع الخاص الذي يحصل على نسبة 22 في المئة من ميزانيات المصارف.
إذاً، الحلقة متصلة بين الدائن والمدين، فما هي الحلول الممكنة في رأي كسبار، ولا سيما بعدما تبين في ورقة باريس ـ3 أن للدين طابعاً أزلياً لأن نتيجة خصخصة كل المرافق الممكنة والإصلاحات لن تؤدي إلى تقليص الدين عن 140% من الناتج المحلي؟ يؤيّد كسبار الخصخصة من أجل «عزل» أصول الدولة عن الهدر، إلا أن الحل الأساسي يتمثل في شقين:
ــ تحقيق نسب نمو مرتفعة في السنوات العشر المقبلة، وعدم زيادة نفقات الموازنة إلا بالنسب نفسها لزيادة التضخم السنوية، «وهذا كفيل وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي على منحى تنازلي».
ــ مساهمة المصارف عبر رؤية طويلة الأمد في إعادة تمويل الدين بفوائد متدنية، علماً بأن معدل الفائدة التي دفعتها الحكومات اللبنانية على مجمل دينها ما بين 1993 و2008 بلغ 14 في المئة، أي إن نسبة الفائدة الإضافية على سعر الفائدة الأساسية تبلغ 9،5 في المئة.
وخلص إلى أن «أي حل لأزمة الدين في لبنان ليس فقط مالياً، بل يتطلب إجراءات أكثر جذريّة وشموليّة».
لا بدَّ - هنا - من بعض الأمانة في التعيين وفي الحكم على كلّ فريق في اليسار حتى لا تضيع الموضوعية في شعاب الأحكام العامة. ثمة من تراجع لديه الاهتمام بالمسألة الاجتماعية ظنّا» منه بأن أمّ المسائل اليوم هي المسألة الديمقراطية. إذ لمّا كان تحقيق العدالة الاجتماعية - أو الاشتراكية - لم يعد يمرّ من طريق التغيير الثوري، على نحو ما كان اعتقاده قبل عقدين، وإنما من طريق التغيير الديمقراطي، فقد وطن في الأذهان أن جبهة المعركة انتقلت من ميدان الحقوق الاجتماعية للكادحين الى الحقوق السياسية للمواطنين. وثمة من طوى صفحة المسألة نهائياً»، ومعها أصحابها أيضاً (الطبقات الكادحة)، منصرفاً إلى مديح الليبرالية الاقتصادية وقيم المنافسة والملكية الخاصة، حتى من دون أن يبرّر لنفسه - قبل غيره - لماذا انتقل هذه الانتقالة الدراماتكية من عقيدة في السياسة إلى أخرى تناقضها. وثمة فريق ثالث تفرّغ لماضيه اليساري - ولمن بقي من الناس متمسكاً ببعض مواقفه - بالقدح والتقريع والجلد، ممارساً طقوس الاعتذار عنه أمام من كان لا يليق به - في ما مضى - حسبانهم في جملة مخاطبيه.