وكالات حصرية في السياسة
إذاً هي احتكارات أجنبية ووكالات حصرية تحكم اقتصاد اللبناني. والسياسة هي انعكاس للاقتصاد كما يقول ماركس. وفي مقابل الوكالات الحصرية في الاقتصاد، نشأت وكالات حصرية في السياسة. ولأن السياسة هي انعكاس للاقتصاد، ولأن الاقتصاد قائم على احتكارات أجنبية، ولأن الثري هو في حقيقته ممثل لوكالة حصرية، فعلى الزعيم السياسي أن يكون ممثلاً لاحتكار، هو في حقيقته تمثيل لسياسة أجنبية. ولأن الايديولوجيا هي انعكاس للسياسة، ولأن السياسة هي تمثيل لنفوذ أجنبي، فعلى الايديولوجيا السائدة أن تكون انعكاسا لمخيلة الأجنبي. ولأن الأجنبي هو الغرب ولأن الغرب لا يرى الشرق إلا متخلفاً، عاطفياً، قائماً على الأديان، لا يتغير، ولأن الغرب يقرر طبيعة اقتصادنا، ولأن الغرب يقرر طبيعة سياستنا، فهو يقرر أيضاً طبيعة هويتنا. نحن إذاً طوائف، يتزعمنا زعماء طوائف، ينفذون سياسات خارجية بحجة حماية الطائفة من غيرها من الطوائف.
هو بلد الاحتكارات الأجنبية على صعيد الاقتصاد، إذاً هو بلد الاحتكارات الأجنبية على صعيد السياسة. المسيحيون «بحماية» فرنسا، وبريطانيا والولايات المتحدة، يمتثلون أمر هذه الدول. والسنّة بـ«حماية» الهاشميين فالمصريين فالسعوديين يمتثلون أمر تلك الدول، والشيعة بحماية سوريا وإيران يمتثلون أمر تلك الدول. والدروز؟ إنهم مجرد سبعة في المئة من السكان، فكيف السبيل لموازنة دور الطوائف الأكبر، إنه اللعب على التناقض بين الطوائف الثلاث الكبرى.
هو بلد الاحتكارات الاقتصادية. فلا قطاع زراعياً، ولا صناعة، ولا مواد أولية، «ما فيها شي هالبلد» (بالإذن من زياد الرحباني) فلنستورد ألبسة من الخارج، فلنستورد غذاء من الخارج، فلنستورد كتباً من الخارج، ولم لا؟ فلنستورد سياسة من الخارج.
لبنان السيادة
هو لبنان الأزلي الأبدي السرمدي ينادي به المسيحيون، لماذا؟ لأن لبنان هذا يجب أن يكون فيه حصة للغرب، ولأن لبنان هذا يجب أن لا يكون جزءاً من الحضارة العربية الإسلامية. هو لبنان السيادة، في وجه من؟ ليس في وجه فرنسا، ولا بريطانيا ولا الولايات المتحدة، فقوة لبنان في ضعفه، بل في وجه «الغريب» الفلسطيني والمصري والسوري والإيراني.
هو لبنان العربي ينادي به السنّة، عروبة الهاشميين حلفاء بريطانيا، بريطانيا وعد بلفور لقيام دولة إسرائيل، وبريطانيا المستعمرة للعرب، وبريطانيا المعرقلة لأحلامهم في إقامة دولة قومية لهم. فعروبة مصر عبد الناصر، عبد الناصر المتحدي لبريطانيا وعبد الناصر المتحدي للولايات المتحدة وعبد الناصر صديق الاتحاد السوفياتي. فعروبة السعوديين حلفاء الولايات المتحدة. الولايات المتحدة حليفة إسرائيل الأولى، والولايات المتحدة المزودة الأولى لإسرائيل بالسلاح، والولايات المتحدة المجتاحة للعراق، والولايات المتحدة.
هو لبنان الحليف الطبيعي لسوريا ينادي به الشيعة. سوريا حافظ الأسد. وهو لبنان الإسلامي ينادي به هؤلاء، إسلام الثورة الإيرانية. وبين كل هؤلاء يجهد الدروز بحثاً عن هوية لهم في هذا اللبنان. فهم تارة من نسل الكونت دي درو أحد الأمراء الصليبيين، وهم تارة عرب تنوخيون، و هم تارة أكراد لا علاقة لهم بالعرب، وهم تارة مسلمون، وهم تارة فئة متمردة على الإسلام.
إنه بلد الاحتكارات الأجنبية، والزعامة الأقدر على تمثيل الاحتكار السياسي للدولة النافذة. إذاً هما بشارة الخوري وإميل إدة بين الموارنة أيام الانتداب الفرنسي. وهو كميل شمعون أيام النفوذ البريطاني في الخمسينيات، وهو بيار الجميل أيام النفوذ الأميركي في الستينيات والسبعينيات.
الزعامة الأقدر على تمثيل الاحتكار السياسي بين السنّة، إذاً هم آل الصلح أيام الهاشميين، ورشيد كرامي أيام عبد الناصر، وصائب سلام فرفيق الحريري أيام السعودية.
الزعامة الأقدر على تمثيل الاحتكار السياسي بين الشيعة. إنه صبري حمادة وأحمد الأسعد وكامل الأسعد حين لم يكن للشيعة هوية واضحة. وهو الإمام موسى الصدر ونبيه بري أيام بحث سوريا عن حصة لها في لبنان، وإنه زمن العمائم وآيات الله زمن الثورة الإسلامية في إيران.
وبين هؤلاء الزعيم الدرزي يبحث عن احتكار سياسي يمثله. وليد جنبلاط هو النموذج. هو الدرزي، الشركسي، حفيد شكيب أرسلان داعية القومية العربية، التقدمي الاشتراكي، اليساري الحليف للاتحاد السوفياتي زمن الحرب الباردة، وحليف سوريا التي يتهمها بقتل والده، وفي الوقت نفسه حليف إسرائيل عدوة سوريا، وحليف إيران عدوة إسرائيل، وحليف الولايات المتحدة عدوة إيران وسوريا. وهو المنادي بإزالة العلم اللبناني من الدوائر الحكومية في الثمانينيات، والعدو الأول لميشال عون خلال حرب التحرير في العام 1989، والعدو الأول للوجود السوري في لبنان، والمنادي الأول لرفع العلم في العام 2005 ولمسيرة الاستقلال، وهو الداعي إلى نزع سلاح المقاومة في لبنان وتطبيق القرارات الدولية، وهو أول من يبرق إلى حزب الله بعد أحداث أيار/مايو الماضي مؤكداً أنه سيكون دائما سنداً للمقاومة.
أزمات مزمنة
ماذا عن الشعب؟ «الشعب معتّر»؟ هو شعب يلبس مما لا ينسج ويأكل مما لا يزرع. شعب اعتاد على الاستهلاك، على استهلاك ملابس أجنبية، على استهلاك مأكولات أجنبية، على استهلاك ثقافة أجنبية، ولم لا على استهلاك سياسات أجنبية. ولأنه مستهلك، فهو يستهلك السياسات التي يبيعه إياها الزعيم، سياسات مستوردة من الخارج ومعدة للاستهلاك المحلي. ولأن السياسة احتكار فأنصار الزعيم يستهلكون ما يلقى إليهم من سياسات.
ولأن المسيحيين طائفة ولأن الطائفة احتكار لسياسة، ففي زمن فرنسا أيدوا الانتداب، وفي زمن بريطانيا المسيحيون أيدوا حلف بغداد، وفي زمن الولايات المتحدة المسيحيون وقفوا ضد اليسار والإلحاد الشيوعي.
ولأن السنّة طائفة، ولأن الطائفة احتكار لسياسة، فزمن الهاشميين السنّة مع الشريف حسين والملك فيصل، وزمن عبد الناصر، السنّة مع الوحدة العربية وضد الأحلاف الغربية، وزمن السعوديين السنّة مع الولايات المتحدة ضد إيران والشيعة.
ولأن الشيعة طائفة، ولأن الطائفة احتكار للسياسة، فزمن غياب الدولة الراعية الشيعة يتوزعون الولاء على غيرهم من الطوائف، وزمن سوريا الأسد الشيعة مع سوريا، وزمن الثورة الإيرانية، الشيعة مع ولاية الفقيه.
ولأن الدروز طائفة، والطائفة احتكار للسياسة، ولأن جنبلاط يفضل البيع بالمفرق لا بالجملة، فإذاً دروزه هو مع إسرائيل، ومع سوريا، ومع إيران، ومع الولايات المتحدة، ومع السعودية، وبريطانيا، وفرنسا في آن، وضد كل هؤلاء في آن. هم اشتراكيون تقدميون، دروز تقليديون، شركس وعرب وأكراد في آن.
وفي ظل واقع الاحتكار الاقتصادي، يبقى لبنان انعكاساً لمصالح اقتصادية أجنبية أكثر منه اقتصاد يرعى مصالح القاطنين فيه. وفي ظل واقع الاحتكار السياسي، يبقى لبنان انعكاساً لسياسات خارجية أكثر منه تعبيراً عن هوية وطنية لأبنائه، وتبقى أزمته الاقتصادية مزمنة. تبقى أزمته السياسية مزمنة حتى تكسر الاحتكارات الاقتصادية عبر قيام اقتصاد وطني منتج، وحتى تكسر الاحتكارات السياسية، حتى إلغاء الطائفية وإنتاج هوية وطنية لبنانية.
Gates Carolyn: the historical role of Political Economy in the Development of Modern Lebanon. Center for Lebanese Studies. September, 1989
د. جمال واكيم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق