3.4.09

حركة الشعب: اختتام المؤتمر الثاني والترشح للانتخابات

حضرات الصحافيين الكرام
في 22 شباط الماضي، اختتمت "حركة الشعب" أعمال مؤتمرها العام الثاني. وعلى مدى شهري كانون الأول وكانون الثاني كانت وحدات الحركة وفروعها وقطاعاتها تناقش التقريرين السياسي والتنظيمي المقدمين من قبل القيادة المركزية –هيئة التنسيق - . وفي جلستها الختامية التي شاركت فيها قيادات الحركة وعدد من الأصدقاء من لبنان والوطن العربي أقر التقريران بعد إدخال عدد من التعديلات عليهما.
لقد تأخر الإعلان عن نتائج المؤتمر بانتظار انتهاء اللجنتين اللتين كلفتا بإعادة صوغ النظام الداخلي والتقرير السياسي من عملهما. وها نحن اليوم نعرض للرأي العام من خلالكم نتائج أعمال مؤتمرنا العام.
حضرات الصحافيين الكرام
لن نتطرق إلى كل الموضوعات الأساسية التي تضمنها التقرير السياسي، وهو في أي حال موجود بين أيديكم، وسوف يصار إلى توزيعه مع النظام الداخلي المعدل على المواطنين – بقدر ما نستطيع – وعلى أصدقائنا في الوطن العربي. غير أن ما نرى ضرورة التوقف عنده اليوم هو ما يتعلق بلبنان ويؤثر عليه في الحاضر وفي المستقبل القريب، خصوصاً وأننا على أبواب انتخابات نيابية تدرك "حركة الشعب" خطورتها، وتعرض للرأي العام موقفها منها.
1-إن قراءة موضوعية للأحداث التي شهدها لبنان منذ مطلع هذا القرن، خصوصاً بعد الاجتياح الأميركي للعراق الشقيق، تبين أن كل الأحداث جاءت من ضمن سياسة أميركية واضحة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية "للشرق الأوسط الجديد"، وذلك في ضوء استراتيجيتها الكبرى نحو نظام عالمي أحادي القطب بزعامتها. وقد كان مقدراً للبنان، لو نجحت الولايات المتحدة في مشروعها الشرق اوسطي هذا، أن يتفتت إلى كيانات مذهبية وأن يغرق في بحر من الدم.
2-لا شك في أن الاسترتيجية الأميركية هذه، بالرغم من الإمكانات الهائلة التي توفرت لها، وبالرغم من الشراسة والهمجية البالغتي الضراوة اللتين استخدمتا لتنفيذها وفرضها، تعرضت لإخفاقات كثيرة أدت بها إلى طريق مسدود. غير أن انكسار استراتيجية أميركا لا يعني أن الطريق إلى نظام دولي جديد باتت مفروشةً بالورود، أو أن الصراع من أجله سوف يدور في كواليس الدبلوماسية أو إلى طاولات المفاوضات.
3-إن وطننا العربي ومحيطه الإقليمي في الشرق الآسيوي والجنوب الإفريقي سوف يكونان في المرحلة المقبلة الميدان الأساسي للصراع الدولي، الذي تتداخل فيه مصالح واستراتيجيات قوى كبرى دولية وإقليمية. ولن يكون لبنان، وهو لا يستطيع بحكم حقائق الجغرافيا والتاريخ أن يكون بمنأى عن هذه الصراعات وتداعياتها.
إن مظاهر التهدئة وأجواء المصالحات العربية العربية التي نشهدها اليوم لا تعني أن المسائل التي كانت محور النزاعات المحمومة التي حفلت بها المرحلة الماضية قد جرى حلها أو إنها على طريق الحل. ومما لا شك فيه أن هذه المسائل التي يندرج بعضها تحت عنوان الصراع العربي – الإسرائيلي، ويندرج البعض الآخر تحت عنوان المحاور الإقليمية والصراع الدولي في الشرق الأوسط، سوف تطفو على سطح الأحداث من جديد، وسوف تطرح على لبنان ذلك التحدي الدائم وهو موقعه في الصراعات الإقليمية ودوره فيها.
4-إن الموضوع الأساسي للصراع الداخلي في لبنان – وكما جاء في الوثيقة السياسية – كان على الدوام يدور حول موقعه في الصراع الإقليمي وخياراته الاستراتيجية إزاءه...وتحت هذا العنوان العريض تندرج عناوين عدة: المقاومة وعلاقتها بالدولة، والعلاقات اللبنانية – السورية، وموقف لبنان من المحاور الإقليمية المتصارعة...
رغم أهميتها فإن هذه الموضوعات ليست خطيرة بذاتها، ولكنها تصير مواد ملتهبة ومتفجرة عندما يتخذ الانقسام حولها طابعاً طائفياً ومذهبياً، ما يضع البلاد من جديد أمام احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن تتوصل الأطراف الخارجية المتصارعة إلى تهدئة مؤقتة فينعكس الأمر على لبنان تهدئة مؤقتة كما حصل في الدوحة. أو إلى تسويات أقل هشاشة، فينعكس الأمر على لبنان تسوية تبقى لمرحلة ما، تطول أو تقصر بحسب الظروف الخارجية، كما حصل في الطائف.
وإما أن تعود الحرارة إلى الصراع الإقليمي...ما يؤدي إلى تفجر الصراع الداخلي، فتتهاوى مؤسسات الدولة أو تتعطل لينتقل الصراع مباشرة إلى الشارع.
5-في ضوء ما تقدم تنظر "حركة الشعب" إلى قانون الانتخابات النيابية الذي جرى التوافق عليه في الدوحة، وتحدد موقفها منه. ومن دون التطرق إلى كل العيوب التي تشوب هذا القانون، فإن أخطر ما فيه هو أنه يعمق الانقسامات الطائفية والمذهبية في هذه المرحلة الحرجة، ما يضع البلاد أمام احتمالين:
إما أن تفوز "المعارضة" بغالبية ضئيلة فتعمد إلى إشراك الطرف الآخر في حكومة "وفاق". وهذا ما أكده عدد من أركان هذه "المعارضة". بمعنى أنها تعمل على تأجيل البت في الملفات الساخنة المتعلقة بموقع لبنان في الصراعات الإقليمية، وبالتالي تأجيل تفجر الصراع الداخلي.
وإما أن تفوز "الموالاة" بأغلبية ضئيلة، فتعمد – كما أكد أركانها – إلى التفرد بالسلطة، ما يدفع إلى تفجر الأزمات واحتدام الصراع الداخلي بعد الانتخابات مباشرة.
ما دام الخيار المتاح أمام اللبنانيين اليوم هو بين تفجر الصراع الداخلي في الفترة المقبلة حول خيارات لبنان الاستراتيجية، والذي يتخذ شكل حرب أهلية طائفية ومذهبية، وبين تأجيل هذا الانفجار وصون السلم الأهلي الهش، فنحن مع الخيار الثاني. وقد كان هذا من بين أهم الاعتبارات التي دفعت "حركة الشعب" إلى خوض الانتخابات النيابية المقبلة. إن معركة الانتخابات بالنسبة لنا هي بالدرجة الأولى معركة من أجل السلم الأهلي والعمل على منع اندلاع نار الفتنة.
حضرات الصحافيين:
لسنا بحاجة إلى الحديث عن النتائج المؤكدة التي سوف تسفر عنها الانتخابات النيابية المقبلة التي تجري وفق ما يسمى "قانون الستين". فبصرف النظر عن أغلبية هناك تدفع لبنان إلى الهاوية، أو أغلبية هنا تفرمل هذه الاندفاعة ولكنها لا تضع البلاد على طريق الخلاص، فإن تركيز التمثيل الطائفي والمذهبي وتعميق الانقسامات التعصبية سوف يبلغان بهذه الانتخابات الذروة.
ولكي لا تغيب الحقيقة عن أذهان المواطنين في فوضى السجالات الدائرة أنقل عن "إعلان المبادئ" الذي وضعه "التجمع العلماني الوطني" الآتي:
"إن هذه الصيغة الطائفية أتاحت في ظروف تاريخية معروفة إقامة كيان، ولكنها منعت تحول الكيان إلى وطن. وجمعت في هذا الكيان جماعات رعايا، رعايا طوائف، ولكنها منعت تحول الجماعات إلى مجتمع وتحول الرعايا إلى شعب.
وفي ظروف تاريخية معروفة أيضاً أتاحت استقلالاً ولكنها في كل الظروف منعت السيادة.
وأقامت سلطة، ولكنها منعت قيام الدولة.
وأتاحت في بعض الظروف استقراراً ووفرت أمناً ولكنها منعت تحول الاستقرار إلى سلم أهلي راسخ وتحول الأمن المؤقت إلى أمان دائم.
وفي ظل هذه "الديمقراطية التوافقية" تكرست طبقة سياسية لم تتبدل مرة عن طريق الانتخابات، ولكنها كانت تتغير نحو الأسوأ في الغالب بعد كل حرب أهلية.
أما المؤسسات الدستورية التي أنشأت لهذا النظام فهي لم تستطع مرة أن تحل أزمة سياسية، ولكنها كانت تنحل وتتهاوى عند كل أزمة سياسية.
في ظل هذا النظام كان لبنان دائماً ساحة ولم يكن مرة وطناً. وكان اللبنانيون رعايا طوائف ولم يكونوا مرة شعباً.
وعلى هذه الأزمات كلها تنهال أعباء استراتيجية هائلة يفرضها موقع لبنان في خارطة المنطقة وصراعاتها.
حضرات الصحافيين.
تؤمن "حركة الشعب" أن ثمة خياراً آخر أمام اللبنانيين لإعادة بناء الوطن والمجتمع والدولة على أسس سليمة، فلا يظل يدور في دوامات الفتن والحروب، مقيداً وراء متاريس التعصب، ينزف دمه وعافيته في خنادق الجهل.
بلى ثمة خيار آخر، يبدأ بالإصلاح السياسي الذي أساسه إلغاء الطائفية.
ولن تقوم في لبنان دولة ولا مؤسسات دولة تقنن الصراع السياسي وتضبطه ضمن قواعد الدستور والقانون، فلا ينفلت في الشارع حروباً قبلية مدمرة وفتناً تغذي التعصب وتنشر الموت، إلا بإلغاء الطائفية. أو بتعبير آخر لا ديمقراطية من دون إلغاء الطائفية.
هذا هو العنوان الأساسي لمعركتنا الانتخابية التي نخوضها اليوم. وهذا هو العنوان الأساسي لمعركة بناء الوطن والمجتمع والدولة التي نخوضها غداً وبعد غد وكل يوم.
وبهذا يتحقق السلم الأهلي الحقيقي لا بأكاذيب "الوفاق". وبهذا يتحقق الأمن للبنانيين ويتحقق الأمان.
بهذا نبدأ بعلاج آفاتنا القاتلة والمزمنة،..تراكم الدين العام الذي سببه الفساد والرهانات، بل الارتهانات السياسية المتهورة. وتفشي الفقر والبطالة واليأس وتعاطي المخدرات والهجرة...
لن أطيل، ولكن هذا ما سوف نعالجه ونعرضه للرأي العام في البرنامج الانتخابي لـ"حركة الشعب".
بقي أن أعلن أن "حركة الشعب" قررت ترشيح اثنين من أعضائها للانتخابات النيابية في دائرة بيروت الثالثة، إبراهيم الحلبي ونجاح واكيم. كما قررت تبني ترشيح عدد من الأصدقاء في بيروت وخارجها سوف نعلن أسماءهم بعد إقفال باب الترشح.

وشكراً.

1.4.09

الخوف على الاقتصاد!

خالد صاغية


لم يتوانَ النائب سعد الدين الحريري عن الإعلان أنّ وصول فريق 8 آذار إلى السلطة ستكون له نتائج سلبيّة على الوضع الاقتصادي. قد يكون الحريري على حق. لكن هذا نصف الحقيقة التي يحتاج استكمالها إلى الحديث عمّا ستكون النتائج الاقتصاديّة لوصول فريق 14 آذار إلى السلطة.
لقد كرّس اغتيال الرئيس رفيق الحريري كذبة لا تزال تتناقلها الألسُن كما لو أنّها حقائق، وهي كذبة تضرب عرض الحائط بالواقع الاقتصادي والمعيشي الماثل أمامنا.
فقد أُريدَ للشعب اللبناني أن ينسى مليارات الدولارات المتراكمة عليه وعلى أبنائه وأحفاده جرّاء سياسة الاستدانة الظالمة. وقد أعطيت مختلف التبريرات لحجم الدين، من كلفة الإعمار إلى قنوات الهدر والفساد إلى المشاريع التنمويّة، فيما الجميع يعلم أنّ الحصّة الأعظم من هذا الدين ذهبت فوائد حصل عليها مَن لم يكن بعيداً عن السلطة وحلفاؤه في القطاع المصرفي.
وأريدَ للشعب اللبناني أن ينسى جنون نظريّة الجنّة الضريبية التي تحوّلت إلى فرض رسوم أثقلت كاهل المواطنين.
وأُريدَ للشعب اللبناني أن ينسى واحدة من أكبر عمليات السطو التي جرت في البلاد، والتي تمثّلت باستملاك أراضي وسط المدينة وتحويلها إلى مساحة تشبه كلّ شيء إلا «وسط مدينة».
ليس هنا المجال للغوص في تفاصيل السياسات الاقتصادية لتيار المستقبل. يكفي القول إنّ هذه السياسات التي لا تزال قوى 14 آذار تدافع عنها (باستثناء وليد جنبلاط حين يهبّ عليه الهوى اليساري فجأة فيطالب بالتأميم وبالاشتراكية الإنسانيّة)، هي جزء من رزمة سوِّقَت في العالم خلال العقود الأخيرة، وما زالت المؤسسات الدولية التي سوّقتها لأهداف طبقيّة معروفة، تبحث عن مخرج يحفظ لها ماء وجهها، فتقرّ بالخطأ حيناً، وتعتذر أحياناً، وتتأتئ متمتمةً أشياء غير مفهومة في أحيان ثالثة...
لم يعد بإمكان أحد أن يغشّ الآخرين بعد كلّ ما جرى. لقد طُبِّقت السياسات النيوليبرالية في العالم، والسياسات الحريريّة في لبنان، لخدمة تحالف طبقيّ بقيت أكثريّات الشعوب، ومنها الشعب اللبناني، خارجه.
اليوم، وفيما تجري التحضيرات لانتخابات نيابيّة، ينبغي رفع الصوت ضدّ المعارضة التي لا تملك برنامجاً بديلاً تطرحه في وجه البرنامج الاقتصادي الحريري، وخصوصاً أنّ بعض أطرافها كان قد شارك في الحكم خلال الحقبة السابقة. إلا أنّ هذا لا ينفي أنّ أسوأ ما يمكن أن تقدم عليه المعارضة هو الاستمرار في النهج الحريريّ نفسه.
فالخوف ليس من وصول المعارضة إلى الحكم. الخوف هو من الخضوع للترهيب الذي مارسه الحريري الأب في السابق ويمارسه الحريري الابن حالياً من أنّ ما يطرحانه من سياسات اقتصادية منحازة طبقياً هو السبيل الوحيدة للحياة.
صحيح أنّ «المجتمع الدولي» كان يرفض الأخذ بجدية أي سياسات لا تتلاءم والرزمة النيوليبرالية، إلا أنّ هذا الوضع تغيّر. فحتّى التسلّط الطبقي المطلوب له الاستمرار على المستوى العالمي، بات يبحث عن سياسات مغايرة بعدما وصلت سياساته السابقة إلى حائط مسدود.
ولا بدّ من التسجيل هنا للنائب ميشال عون أنّه كان أوّل من أسقط «تابو» الحريريّة، رافضاً أن يقف الاستشهاد حاجزاً أمام مساءلة المرحلة السابقة، والإفادة من أخطائها، ومنع تكرارها.
صحيح أنّ عون فعل ذلك من دون امتلاك رؤية مغايرة (حتّى هذه اللحظة)، وانطلاقاً من التنافس السياسي ليس إلا، غير أنّه يبقى له فضل إسقاط المحرّمات في محاكمة السياسات الاقتصادية السابقة. وهو دور ما كان يمكن حلفاء عون في المعارضة القيام به، إمّا لشراكتهم في قبول تلك السياسات ما دامت تصلهم فتات موائدها، وإمّا تجنّباً لإثارة نعرات سنّية ــ شيعيّة، ما دامت الطوائف باتت تختزل بأشخاص زعاماتها.
وصول فريق 8 آذار إلى السلطة ستكون له نتائج سلبيّة على الوضع الاقتصادي؟ ربّما. لكن السؤال هو ماذا أبقى فريق 14 آذار أصلاً من هذا الوضع؟

24.3.09

الديموقراطيّة اللبنانيّة حسب Saatchi & Saatchi

«بإيدك الحريّة... بصوتك الاستقلال»، حملة إعلاميّة واسعة تجتاح لبنان هذه الأيّام، في خضمّ معركة الانتخابات النيابيّة، بخطاب اختزالي قوامه أبلسة الخصم السياسي وتخوينه، وبشعارات فئويّة تلامس حدود التحريض الأهلي

بيار أبي صعب
فردوس الوطنيّة ضيّق في لبنان لا يتسع للجميع: لا بأس إذاً من أن يكون نصف اللبنانيين، في أقلّ تقدير، خونة. إنّه آخر ابتكارات الديموقراطيّة على الطريقة اللبنانيّة، إذا تأملنا الحملة الانتخابيّة التي تملأ الشاشات والشوارع هذه الأيّام، تحت شعار بليغ (ومعبّر): «بإيدك الحريّة... بصوتك الاستقلال». الحملة لا تحمل توقيع حزب أو زعيم سياسي، بل تكتفي بالأحمر القاني الذي عوّدتنا إياه وكالة «ساتشي إند ساتشي»، منذ اخترعت «استقلال 05» (بتمويل وطني طبعاً) وصولاً إلى «حبّ الحياة» الشهير. الجهة السياسيّة التي موّلت الحملة لا يهمّها سوى مصلحة «الوطن». والمواطن الفطن سيعرف وحده من هو الذي يوجّه إليه هذا النداء العاجل والملحّ، ويحذّره من مغبّة ارتكاب الخطوة الانتخابيّة الغلط.
في أحد الأفلام الترويجيّة، يسألنا الشاب أبو الشعر الطويل المربوط إلى الخلف، واللحية البوهيميّة، واللغة التي تمسخ حوارات زياد الرحباني: «إذا بدّك تغيّر ولا بدّ، غيّر من شي عاطل لشي منيح...». بقي أن نعرف ما هو العاطل وما هو المنيح. ثم يطلق جملته الفظيعة التي يفترض بها أن تختصر النقاش الديموقراطي: «ما في منطقين بهالموضوع!... لبنان أولاً!». وفي شريط آخر، يضيع المرء بين «هنّي» و«نحنا»: «إذا هنّي ربحوا نحنا بنخسر! هيدا أمر طبيعي مش ممكن واحد يجادل فيه». بكلمة: الجدل ممنوع! نفكّر، مستعينين بأحمد فؤاد نجم والشيخ إمام: ولكنْ «هُمّا مين وإحنا مين؟». Zoom مفاجئ على وجه الصبيّة الناصع، شقراء بلون الكوليستون، بسترة الدجينز délavé والـ «كول روليه» الأبيض. إنّها cool على خلفيّة بيضاء، كان يمكن أن تلتقيها في الجمّيزة ليلة البارحة، في الـ «هانكس» أو الـ «غوش كافيار». تنتابنا رغبة في معانقتها. يداها في الجيبين الخلفيّين، تتكلّم بزخم كأنّها تتشاجر مع صاحبها، فتقول له: بتندم، وحياة عيوني بتندم.
تواصل الأخت كوراج تحذيرنا: «بنخسر! بنخسر خسارة كبيرة. ما هنّي إذا خسروا ما بيخلّوا حدا يربح، فكيف بالأحرى إذا ربحوا؟». وتمضي في «التَرْيقة» على هؤلاء الذين يحوّلون الخسارة ربحاً. قبل أن تطمئننا: «إيه بس إذا نحنا بنربح... ما حدا بيخسر». أوف، الآن ارتاح بالنا. وهنا تنتزع أوفيليا يدها من السروال، كي تلحق بلحظة الذروة، فترفع شارة النصر وتختم: «تنيناتنا بنربح!». هذا الشعار نراه أيضاً على اليافطات في كل مكان. لا شك في أنّ المخرج قال لها أن تبقي اليدين خارج الكادر حتى لحظة الحسم، وأن تتكلّم بوجهها فقط. اتصلنا نسأل عنه في «ساتشي» نريد أن نناقشه في أسلوبه وخياراته. لكنّ محدثتنا قالت إنّه يرفض الاعلان عن اسمه، ويرفض أن يتكلّم... خصوصاً لـ «الأخبار».
الإعلاني الشاطر هو الذي يستطيع أن يبيعك أي شيء، بعد أن يقنعك بأنّه أعظم شيء. محتوى فارغ في أمبالاج (غلاف) برّاق وجذّاب. الجماعة في «ساتشي إند ساتشي» يواصلون تطبيق هذه القاعدة بنجاح. اخترعوا «استقلالاً» و«ثورة»، فصدّق العالم. والتقطوا صورة من الجوّ للمواطنين المنتفضين في «ساحة الحريّة»، كأنهم كومبارس في استعراض إعلاني ضخم، وصدّق العالم أيضاً لأنه كان في حاجة إلى أن يصدّق. ثم جاءت حملة «أحب الحياة» لتختزل الصراعات السياسيّة في لبنان والمنطقة، فتقسم البشر إلى فئتين لا ثالثة لهما: ناس يريدون أن يعيشوا وناس يريدون أن يموتوا. وها هم يبادرون إلى توجيه خياراتنا الانتخابيّة، حتّى قبل أن نعرف كلّ أسماء مرشّحينا! «لبنان أوّلاً» يقول شعار الحملة. نتذكّر شعار اليمين الفاشي: «فرنسا للفرنسيين!». نعم لقد نجحت الوكالة، هي الأخرى، في أن تجمع بين المال العربي والخطاب الانعزالي.
هذه هي المعادلة الابتزازيّة التي تقترحها «ساتشي»: إذا كنت «تحبّ لبنان» حقاً، فهذه فرصتك الأخيرة. تصرّف وإلّا فسيضيع الوطن إلى الأبد، في يد حفنة من السفلة الأشرار. ها أنت الآن أمام الامتحان الأعظم: امتحان حبّ لبنان! كي تنجح لا بدّ من أن تقترع للمرشّحين الأخيار من دون أن تعرفهم. أما الآخرون، فلا يحبّون وطنهم كما تعرف: لقد باتت حقيقة علميّة راسخة، بديهيّة، كونيّة. ألا تقرأ الـ Courrier International؟ كيف تسأل من هم الآخرون؟ ولو! إنّهم العملاء والخونة والأصوليّون على اختلافهم، وشذّاذ الآفاق، وموظفو الأجهزة، والمشركون في حب الوطن. (منطقيّاً هؤلاء لديهم من الأصوات ما قد يمنحهم الأكثريّة إذا صدّقنا تهديدات الحملة الاعلانيّة، ونداءها المذعور الذي يستنجد بنا).
أيّها المواطن الصالح الذي يصحو وينام على حبّ الوطن، أنت محاصر بالأشرار من كلّ حدب وصوب فحذار! تمعّن في إعلانات ١٤ آذار الانتخابيّة على التلفزيون قبل النوم، ثم حدّق إلى اللافتات التي تملأ الشوارع، طوال النهار. فكّر جيّداً. هل حفظت الأمثولة؟ هناك حلّ واحد لمشاكل لبنان: تماماً مثل الحلّ الأوحد الذي يبشّر به البابا بونوا السادس عشر الآن في القارة السمراء المنكوبة بكارثة الايدز أو السيدا. لا حلّ لهذه الكارثة، قال لهم قداسته، إلا بـ «الوفاء الزوجي»! وأنت، أخي الموطن، عليك بـ «الوفاء الوطني». كن وفيّاً للبنان، انتخب أيتام كوندوليزا رايس. إذا ربحنا «نحن» (أي الزعيم الفلاني رمز الحريّة والسيادة والاستقلال ـــ خصوصاً بعدما خفّت لكنته ـــ بأمواله وحلفائه الوطنيين أجمعين، والمصالح الاقتصاديّة السامية، والقوى الإقليميّة الخيّرة التي تقف وراءه)، فسيربح الجميع حسب ساتشي. لكن ماذا يضمن لنا أن «ربحَنا» لن يكون خسارة للجميع أيضاً؟

21.3.09

الى امي

نهدي قصيدة محمود درويش "الى امي" الى كل الامهات في العالم .. و لا ننسى امهات الشهداء .. كل الشهداء

أحنُّ إلى خبز أُمي
وقهوةِ أُمي
ولمسةِ أمي ....
وتكبرُ فيَّ الطفولةُ
يوماً على صدر يومِ
وأعشق عمري لأني
إذا مُتُّ ،
أخجل من دمع أُمي !
خذيني ، إذا عدتُ يوماً
وشاحاً لهُدْبكْ
وغطّي عظامي بعشب
تعمَّد من طهر كعبكْ
وشُدي وثاقي .. بخصلة شَعر ..
بخيطِ يلوِّح في ذيل ثوبكْ ..
عساني أصيرُ طفلا
طفلا أصيرُ ...
إذا ما لمستُ قرارة قلبك !
ضعيني ، إذا ما رجعتُ
وقوداً بتنور ناركْ ..
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدتُ الوقوفَ
بدون صلاة نهارك
هَرِمْتُ ، فردّي نجوم الطفولة
حتى أُشارك
صغار العصافير
درب الرجوع .. لعُش انتظاركِ

مواطن


مطلب خفض سن الاقتراع مطلب قديم جداً، وهو حق لا نقاش فيه. وأنا شعرت بفرح كبير لحظة إقراره، ولكن هذا الإقرار لا يزال يحتاج إلى تطبيق النسبيّة كقانون انتخابي، وذلك حتى يُصبح للصوت قيمته، لأن قانون الستين المعتمد هو قانون يُلغي قيمة صوت الفرد. كذلك فإن النظام الأكثري هو نظام متخلف آن الآوان لتجاوزه، وخصوصاً أن جميع القوى تُعلن أنها تؤيّد اعتماد النسبيّة وتراه الأفضل.
قاسم حسان
طالب

19.3.09

إنّها لحظة مناسبة

خالد صاغية

تأخّرت انتخابات 2009. 7 حزيران يبدو تاريخاً بعيداً عن جوّ الاصطفافات الحادّة. كلّما تقدّمنا يوماً، ابتعدنا عن عناوين المسألة الوطنيّة التي أنتجت معسكريْ المعارضة والموالاة السابقين. المقاومة والسيادة انصرفا إلى الخلف، من دون أن تتقدّم مكانهما عناوين أخرى. حسابات الربح والخسارة أُنجزت في الشارع وفي العواصم الإقليميّة والدوليّة، من دون أن تنتظر صناديق الاقتراع. المعركة الدائرة الآن هي معركة مع طواحين الهواء. فهل هي نفسها طواحين بيروت؟
في السنوات الأربع السابقة، تجمّع اللبنانيّون في خندقين متقابلين. ضمّ كلّ منهما مجموعة شديدة التنوّع، فيها الأوادم والزعران، اليساريّون واليمينيّون، الأصوليّون والعلمانيّون، الإصلاحيّون والفاسدون، مجرمو الحرب ودعاة السلام، التقدّميّون والرجعيّون. ضبط كلّ معسكر الاختلافات بين مجموعاته، وسار الجميع بانضباط حديديّ تحت شعارات التحرّر من الوصاية أو الحفاظ على المقاومة.
تأخّرت انتخابات 2009. لقد عدّلت الأمبراطوريّة من أولويّاتها. بدا كأنّ بإمكان المقاومة أن تدخل في استراحة المحارب، وبدا أيضاً كأنّ ما حُقِّق من مكاسب على حساب الوصاية السابقة سيقف عند الحدود التي وصل إليها. «ربّما أخطأنا حين تدخّلنا في الشؤون الداخليّة السوريّة»، قال وليد جنبلاط. وكالعادة، يؤدّي الخطاب تجاه فلسطين دور إعادة تدوير المواقف (Recycling). فاكتشف سعد الدين الحريري، بعد جنبلاط بأسابيع، أنّ القضيّة الفلسطينيّة هي الأساس. وفي الوقت نفسه، أعاد حزب اللّه اكتشاف الوحدة الوطنيّة، ودعا إلى حكومة وحدة مهما تكن نتائج الانتخابات، وذلك بعدما انتشر سلاحه ذات يوم داخل شوارع بيروت وأزقّتها.
تأخّرت انتخابات 2009. ندخل اليوم مرحلة جديدة لا بدّ من إعادة خلط الأوراق فيها، ولا بدّ من إعادة تحديد الأولويّات. رغم مشهد البيال الوحدويّ، بدأ التفكّك داخل جسم 14 آذار. وهذا أمر صحّي. التفكّك نفسه ينبغي أن يصيب جسم 8 آذار. فمهما كان صائباً (أو مخطئاً) شعار التوحّد في مواجهة الهجمة الأمبرياليّة الأميركيّة المتحالفة مع المشروع الصهيوني، فإنّ شعاراً كهذا بات غير ذي جدوى في المرحلة الحاليّة. ومهما كان مخطئاً (أو صائباً) شعار التقاء المصالح مع الإدارة الأميركيّة من أجل الضغط على سوريا وحزب اللّه، فإنّ شعاراً كهذا بات غير ذي جدوى في المرحلة الحالية.
تأخّرت انتخابات 2009. لكنّها، ربّما، تأتي في توقيت صائب. فمع بداية تفكّك المعسكرين، وانحلال العصب الذي بقي مشدوداً طيلة أربع سنوات، سيسود جوّ من الإحباط، وخصوصاً لدى الذين صدّقوا الكلام التزيينيّ الذي رافق الشعارات السياديّة لدى الطرفين. وقد امتهن الطرف الأوّل أنشودة بناء الدولة، فيما أطلق الثاني مخيّلته لزجليّات مكافحة الفساد والإصلاح. انتهى زمن الزجل، وباتت الساحة مفتوحة لقوى التغيير، إن وُجدت، التي لم تعُد مضطرّة لتأجيل التناقضات «الثانويّة».
لا يخفى على أحد أنّ النظام الطائفيّ يعيش إحدى أزماته الأكثر حدّةً. فهل من يبني على الخطوة الهامّة والناقصة في الآن نفسه التي بدأها وزير الداخليّة (المحسوب على رئيس الجمهوريّة، وهذا تفصيل مهمّ لأنّه يعني أنّ الرئيس قد يدعم خطوات مماثلة في المستقبل) بشأن شطب الطائفة من سجلّ النفوس؟ هل تبقى قوى اليسار ملتصقة بالتحالفات الطائفيّة تتسوّل مقعداً نيابيّاً من هنا أو هناك، بدلاً من التقاط فرصة ف
تح كوّات في هذا النظام الذي يتخبّط في أزمته؟
وهل من المفترض، مثلاً، أن نطرب لحفلات المديح الذي يكيله الطرفان للسياسات الماليّة التي يقال إنّها حمت لبنان من تداعيات الأزمة المالية العالمية، تلك السياسات التي أفقرت الفقراء من أجل أن تطعم حيتان المصارف، أم أنّ ترنُّح النيوليبراليّة ينبغي أن يحرّك قوى تغييريّة تدفع باتّجاه نظام أكثر عدالة لا يتيح لأرجُل السوق الخفيّة طرد المواطنين من جنّة العيش الكريم؟
قد تفتح المرحلة الجديدة إمكان خرق بعض البنى في هذا النظام. وهذه مهمّة اليساريّين بالدرجة الأولى. الكثير من هؤلاء اليساريّين وقفوا إلى جانب المقاومة، أو إلى جانب قوى 14 آذار، في المرحلة السابقة. لكنّهم فعلوا ذلك انطلاقاً من أرضيّتهم التي تختلف عن أرضيّة القوى الدينيّة أو زعماء الطوائف أو أمراء الحرب أو هواة الديكتاتوريّة. إنّها اللحظة المناسبة لإثبات أنّ أرضيّتهم كانت مختلفة حقاً. وهم في ذلك لا يقدّمون جردة حساب لأحد، بل لأنفسهم وللبلاد التي تستحقّ ما هو أفضل ممّا لديها اليوم.

15.3.09

طلال يحفوفي
كم كنت كبيرا في رحم أمي :
كنت شمس المجرة ..
قمر الكواكب …
و كانت كلها طوع حبل سرتي ..
* * * * * *
صرت رقما كبيرا داخل المنزل ،
اصغر في الحي ،
اقل في المدرسة ، المدينة ، الوطن
* * * *
يوم صار العالم قرية صغيرة :
تحولت نهارا ذبابة تحوم حول البقايا ،
ليلا خلدا يفترش الملاجئ ..
صرت نملة تتقافز بين الأحذية العسكرية
* * * *
داخل العلبة الأسمنتية التي لا تدخلها الشمس ،
صار التلفاز نظارتي ،
فقاقيع الذرة علفي ..
فأنا قطعة من اللحم السريع التحضير ،
أتمدد على بطني ،
بين قبتين من الدقيق المخبوز ..
بانتظار " اليانكي "