لقد تأخر الإعلان عن نتائج المؤتمر بانتظار انتهاء اللجنتين اللتين كلفتا بإعادة صوغ النظام الداخلي والتقرير السياسي من عملهما. وها نحن اليوم نعرض للرأي العام من خلالكم نتائج أعمال مؤتمرنا العام.
حضرات الصحافيين الكرام
لن نتطرق إلى كل الموضوعات الأساسية التي تضمنها التقرير السياسي، وهو في أي حال موجود بين أيديكم، وسوف يصار إلى توزيعه مع النظام الداخلي المعدل على المواطنين – بقدر ما نستطيع – وعلى أصدقائنا في الوطن العربي. غير أن ما نرى ضرورة التوقف عنده اليوم هو ما يتعلق بلبنان ويؤثر عليه في الحاضر وفي المستقبل القريب، خصوصاً وأننا على أبواب انتخابات نيابية تدرك "حركة الشعب" خطورتها، وتعرض للرأي العام موقفها منها.
1-إن قراءة موضوعية للأحداث التي شهدها لبنان منذ مطلع هذا القرن، خصوصاً بعد الاجتياح الأميركي للعراق الشقيق، تبين أن كل الأحداث جاءت من ضمن سياسة أميركية واضحة لإعادة رسم الجغرافيا السياسية "للشرق الأوسط الجديد"، وذلك في ضوء استراتيجيتها الكبرى نحو نظام عالمي أحادي القطب بزعامتها. وقد كان مقدراً للبنان، لو نجحت الولايات المتحدة في مشروعها الشرق اوسطي هذا، أن يتفتت إلى كيانات مذهبية وأن يغرق في بحر من الدم.
2-لا شك في أن الاسترتيجية الأميركية هذه، بالرغم من الإمكانات الهائلة التي توفرت لها، وبالرغم من الشراسة والهمجية البالغتي الضراوة اللتين استخدمتا لتنفيذها وفرضها، تعرضت لإخفاقات كثيرة أدت بها إلى طريق مسدود. غير أن انكسار استراتيجية أميركا لا يعني أن الطريق إلى نظام دولي جديد باتت مفروشةً بالورود، أو أن الصراع من أجله سوف يدور في كواليس الدبلوماسية أو إلى طاولات المفاوضات.
3-إن وطننا العربي ومحيطه الإقليمي في الشرق الآسيوي والجنوب الإفريقي سوف يكونان في المرحلة المقبلة الميدان الأساسي للصراع الدولي، الذي تتداخل فيه مصالح واستراتيجيات قوى كبرى دولية وإقليمية. ولن يكون لبنان، وهو لا يستطيع بحكم حقائق الجغرافيا والتاريخ أن يكون بمنأى عن هذه الصراعات وتداعياتها.
إن مظاهر التهدئة وأجواء المصالحات العربية العربية التي نشهدها اليوم لا تعني أن المسائل التي كانت محور النزاعات المحمومة التي حفلت بها المرحلة الماضية قد جرى حلها أو إنها على طريق الحل. ومما لا شك فيه أن هذه المسائل التي يندرج بعضها تحت عنوان الصراع العربي – الإسرائيلي، ويندرج البعض الآخر تحت عنوان المحاور الإقليمية والصراع الدولي في الشرق الأوسط، سوف تطفو على سطح الأحداث من جديد، وسوف تطرح على لبنان ذلك التحدي الدائم وهو موقعه في الصراعات الإقليمية ودوره فيها.
4-إن الموضوع الأساسي للصراع الداخلي في لبنان – وكما جاء في الوثيقة السياسية – كان على الدوام يدور حول موقعه في الصراع الإقليمي وخياراته الاستراتيجية إزاءه...وتحت هذا العنوان العريض تندرج عناوين عدة: المقاومة وعلاقتها بالدولة، والعلاقات اللبنانية – السورية، وموقف لبنان من المحاور الإقليمية المتصارعة...
رغم أهميتها فإن هذه الموضوعات ليست خطيرة بذاتها، ولكنها تصير مواد ملتهبة ومتفجرة عندما يتخذ الانقسام حولها طابعاً طائفياً ومذهبياً، ما يضع البلاد من جديد أمام احتمالين لا ثالث لهما:
إما أن تتوصل الأطراف الخارجية المتصارعة إلى تهدئة مؤقتة فينعكس الأمر على لبنان تهدئة مؤقتة كما حصل في الدوحة. أو إلى تسويات أقل هشاشة، فينعكس الأمر على لبنان تسوية تبقى لمرحلة ما، تطول أو تقصر بحسب الظروف الخارجية، كما حصل في الطائف.
وإما أن تعود الحرارة إلى الصراع الإقليمي...ما يؤدي إلى تفجر الصراع الداخلي، فتتهاوى مؤسسات الدولة أو تتعطل لينتقل الصراع مباشرة إلى الشارع.
5-في ضوء ما تقدم تنظر "حركة الشعب" إلى قانون الانتخابات النيابية الذي جرى التوافق عليه في الدوحة، وتحدد موقفها منه. ومن دون التطرق إلى كل العيوب التي تشوب هذا القانون، فإن أخطر ما فيه هو أنه يعمق الانقسامات الطائفية والمذهبية في هذه المرحلة الحرجة، ما يضع البلاد أمام احتمالين:
إما أن تفوز "المعارضة" بغالبية ضئيلة فتعمد إلى إشراك الطرف الآخر في حكومة "وفاق". وهذا ما أكده عدد من أركان هذه "المعارضة". بمعنى أنها تعمل على تأجيل البت في الملفات الساخنة المتعلقة بموقع لبنان في الصراعات الإقليمية، وبالتالي تأجيل تفجر الصراع الداخلي.
وإما أن تفوز "الموالاة" بأغلبية ضئيلة، فتعمد – كما أكد أركانها – إلى التفرد بالسلطة، ما يدفع إلى تفجر الأزمات واحتدام الصراع الداخلي بعد الانتخابات مباشرة.
ما دام الخيار المتاح أمام اللبنانيين اليوم هو بين تفجر الصراع الداخلي في الفترة المقبلة حول خيارات لبنان الاستراتيجية، والذي يتخذ شكل حرب أهلية طائفية ومذهبية، وبين تأجيل هذا الانفجار وصون السلم الأهلي الهش، فنحن مع الخيار الثاني. وقد كان هذا من بين أهم الاعتبارات التي دفعت "حركة الشعب" إلى خوض الانتخابات النيابية المقبلة. إن معركة الانتخابات بالنسبة لنا هي بالدرجة الأولى معركة من أجل السلم الأهلي والعمل على منع اندلاع نار الفتنة.
حضرات الصحافيين:
لسنا بحاجة إلى الحديث عن النتائج المؤكدة التي سوف تسفر عنها الانتخابات النيابية المقبلة التي تجري وفق ما يسمى "قانون الستين". فبصرف النظر عن أغلبية هناك تدفع لبنان إلى الهاوية، أو أغلبية هنا تفرمل هذه الاندفاعة ولكنها لا تضع البلاد على طريق الخلاص، فإن تركيز التمثيل الطائفي والمذهبي وتعميق الانقسامات التعصبية سوف يبلغان بهذه الانتخابات الذروة.
ولكي لا تغيب الحقيقة عن أذهان المواطنين في فوضى السجالات الدائرة أنقل عن "إعلان المبادئ" الذي وضعه "التجمع العلماني الوطني" الآتي:
"إن هذه الصيغة الطائفية أتاحت في ظروف تاريخية معروفة إقامة كيان، ولكنها منعت تحول الكيان إلى وطن. وجمعت في هذا الكيان جماعات رعايا، رعايا طوائف، ولكنها منعت تحول الجماعات إلى مجتمع وتحول الرعايا إلى شعب.
وفي ظروف تاريخية معروفة أيضاً أتاحت استقلالاً ولكنها في كل الظروف منعت السيادة.
وأقامت سلطة، ولكنها منعت قيام الدولة.
وأتاحت في بعض الظروف استقراراً ووفرت أمناً ولكنها منعت تحول الاستقرار إلى سلم أهلي راسخ وتحول الأمن المؤقت إلى أمان دائم.
وفي ظل هذه "الديمقراطية التوافقية" تكرست طبقة سياسية لم تتبدل مرة عن طريق الانتخابات، ولكنها كانت تتغير نحو الأسوأ في الغالب بعد كل حرب أهلية.
أما المؤسسات الدستورية التي أنشأت لهذا النظام فهي لم تستطع مرة أن تحل أزمة سياسية، ولكنها كانت تنحل وتتهاوى عند كل أزمة سياسية.
في ظل هذا النظام كان لبنان دائماً ساحة ولم يكن مرة وطناً. وكان اللبنانيون رعايا طوائف ولم يكونوا مرة شعباً.
وعلى هذه الأزمات كلها تنهال أعباء استراتيجية هائلة يفرضها موقع لبنان في خارطة المنطقة وصراعاتها.
حضرات الصحافيين.
تؤمن "حركة الشعب" أن ثمة خياراً آخر أمام اللبنانيين لإعادة بناء الوطن والمجتمع والدولة على أسس سليمة، فلا يظل يدور في دوامات الفتن والحروب، مقيداً وراء متاريس التعصب، ينزف دمه وعافيته في خنادق الجهل.
بلى ثمة خيار آخر، يبدأ بالإصلاح السياسي الذي أساسه إلغاء الطائفية.
ولن تقوم في لبنان دولة ولا مؤسسات دولة تقنن الصراع السياسي وتضبطه ضمن قواعد الدستور والقانون، فلا ينفلت في الشارع حروباً قبلية مدمرة وفتناً تغذي التعصب وتنشر الموت، إلا بإلغاء الطائفية. أو بتعبير آخر لا ديمقراطية من دون إلغاء الطائفية.
هذا هو العنوان الأساسي لمعركتنا الانتخابية التي نخوضها اليوم. وهذا هو العنوان الأساسي لمعركة بناء الوطن والمجتمع والدولة التي نخوضها غداً وبعد غد وكل يوم.
وبهذا يتحقق السلم الأهلي الحقيقي لا بأكاذيب "الوفاق". وبهذا يتحقق الأمن للبنانيين ويتحقق الأمان.
بهذا نبدأ بعلاج آفاتنا القاتلة والمزمنة،..تراكم الدين العام الذي سببه الفساد والرهانات، بل الارتهانات السياسية المتهورة. وتفشي الفقر والبطالة واليأس وتعاطي المخدرات والهجرة...
لن أطيل، ولكن هذا ما سوف نعالجه ونعرضه للرأي العام في البرنامج الانتخابي لـ"حركة الشعب".
بقي أن أعلن أن "حركة الشعب" قررت ترشيح اثنين من أعضائها للانتخابات النيابية في دائرة بيروت الثالثة، إبراهيم الحلبي ونجاح واكيم. كما قررت تبني ترشيح عدد من الأصدقاء في بيروت وخارجها سوف نعلن أسماءهم بعد إقفال باب الترشح.
وشكراً.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق