7.2.09

شكراً ...لكم

رفيق نصرالله
شكراً... للمقهى لأنه لا يزال يتحمل ثرثراتنا المبعثرة، ولم يعلن إفلاسه بعد...
مع ان نصف زبائنه من المفلسين... شكراً للكراسي... التي لا تزال قادرة على الصمود تحت أقفيتنا المترهلة، وشكراً لهذا الذي يرمي زماننا بفنجان الإكسبرس، ويسمع هلوساتنا دون ان يتدخل ويقلب الطاولة علينا وعلى رؤوسنا ورؤوس الذين خلفونا...
شكراً لهذا الزمن الذي لا يزال يمنح وجوهنا فرصة قبل ان يتجمع الأصدقاء والأقارب ليقدموا فينا العزاء، ويقيموا لنا ذكرى اسبوع، ويقدموا عن أرواحنا أردأ أنواع اللحم بعجين واللبن المغشوش...
شكراً للمدينة التي لا تزال قادرة وبإمكانها ان تصبر علينا ونحن الذين تفوح منا رائحة القرى...
شكراً لليل الذي يصبر على شتائمنا بعد ان صارت احلامنا برسم التقنين...
شكراً لبائع الصحف الذي يحمل العناوين ويبيعها رغم انه يعرف بأن الصفحات وإن صارت بالألوان... هي مجرد كلام يتداوله بعض الذين امتهنوا صياغة المراحل...
شكراً لهذه المحطات التي تسلي مساءاتنا وتعيد خلط قناعاتنا وتعمم علينا ثقافة السيليكون وتفاهة الزمن الموجع... ونتبادل وسياسيينا بلاهة التحليل... شكراً لشاشاتنا التي تشغل نساءنا عنا قليلاً حتى لا ننجب الكثير من الأولاد لهذا الوطن المؤجل...
شكراً لمطربينا ومطرباتنا وفنانينا وفناناتنا الذين صاروا أكثر عدداً حتى من شهدائنا وجنودنا وأجدادنا وأقاربنا... ويزاحمونا في شفط أوكسيجين المرحلة... ويتقنون فن الإرهاب الصوتي الذي يخرق مسامعنا.. وها هم يعممون صورهم الجميلة على مراهقينا الذين أتعبتهم العادة السرية...

شكراً لتيري رود لارسون على ما بذل من جهود وما سيبذل وكم سيرسم في رئتينا من خطوط زرق وحمر وخضر وصفر...
شكراً للنظام الدولي الجديد ، للشرق الأوسط الواسع والموسع، بكل ما سيضم من عرقيات ودويلات وبلديات ومحميات... وأمراء وكلاب حراسة.
شكراً للجامعة العربية وكل متنوعاتها وبنات خالاتها وعماتها على كل ما فعلت لنا...
وعلى جواز السفر العربي المشترك، وعلى نجاحها في ان يتنقل الإنسان العربي بالبطاقة والهوية من المحيط الى الخليج بين الماء والماء...
شكراً للبحر الذي سيستقيل من كل نفاياتنا ومجاريرنا وأنهارنا...
شكراً... لصديقي الذي اعتزل صداقتي لأنه ملّ من وجعي وقهري وهاجر الى البرازيل فصادق هناك تمساحاً بلا أسنان... يتقاسم معه الغابة قبل ان يصل موفد الأمم المتحدة ليتفحصه ما إذا كان لا يزال فحلاً ام نضب خيره...
شكراً لرفيقي الوطني الذي عاداني... لأنه بدّل فجأة ثيابه وربطة العنق...
صديقي صار وطنياً ، ولكن ليس رفيقي ... فقد عالج نفسه وتحسن وضعه لأنهم حقنوه بكورتيزون المرحلة... فتحول الى رجل واقعي فاستدعاني وشتمني وشتم كل نضالاتنا (الخشبية)... ونشر عرض كل شعاراتنا وكاد ان يشتم كل شهدائنا... ولعن أخت الساعة التي كان فيها مناضلاً...
صديقي الوطني السابق عندما ودعني... بكى... ثم ضحك... وقال: ... بشرفك لا تشتمني كثيراً...
انا مضطر لأن أعود الى طائفتي...
عذراً... هكذا نحن في العائلة... بعد الخمسين ننحرف...
نتحول... نتبدل... نلبس ثيابنا (دوبل فاس)...
وطني طائفتي يا صاحبي...
فأرجوك دع كل واحد منا يصلي كما يشاء...
فلكل منا ربه... وزعيمه وصحيفته وحتى المطعم الذي يقصد...
صلي يا صديقي وسأصلي...
وأدعو الله لك ولي... ان يلهمنا وطناً... هو اكبر منا جميعاً...
أن يلهمنا الصبر على ما نرى ونسمع من كل هذه (الأرطه)...
وكل هذا الزمن الذي أجمل ما فيه... أنه زمن بشع...
لا نملك فيه حتى الخجل الوطني!...

6.2.09

1% من خدمة الدين كافية لإنقاذ 320 ألف فقير!

48 مليون دولار سنوياً تكفي لإنقاذ 8 في المئة من اللبنانيّين يعيشون في فقر مدقع! الطرح حقيقي، وهذه التقديرات وردت في تقرير رسمي صدر أول من أمس عن الفقر، واللافت هو أنّ هذا المبلغ «الضئيل» لا يمثّل إلّا 1.1 في المئة فقط من كلفة خدمة الدين العام التي يحتويها مشروع موازنة عام 2009! المزيد

صوتك مقابل تذكرة طائرة


قبل أربعة أشهر على الانتخابات النيابية المقررة في السابع من حزيران المقبل، يتناتش مندوبو الأحزاب اللبنانية في فرنسا، في المعارضة والموالاة على السواء، الطلاب المغتربين، ويحاولون عبر إغراءات بـ«تذكرة سفر مجانية» إلى لبنان كسب أصواتهم في صندوق الاقتراع في يوم الحسم
فرنسا ــ خضر سلامة
«من أجل حقك بالتصويت، نعرض على مواطنينا الكرام المغتربين في فرنسا تسهيل عودتهم إلى لبنان في فترة انتخابات الصيف المقبل. نرجو من المهتمين مراسلة مندوبنا في منطقتهم». ينتهي البريد الإلكتروني الآتي لتوّه من شخص معين، إلى المجموعة البريدية للطلاب اللبنانيين في إحدى المدن الفرنسية. صيغ العرض بطريقة بريئة ليبعد صورة الرشوة الوقحة عن الرسالة. رسالة أخرى من «مسؤول» حزبي من منطقة أخرى، كتبت بطريقة ساخرة: «ناوي تنتخب؟ عم تفكّر بالموضوع؟ بس عمرا ما تكون إذا بدك تدفع حق التيكت لتنزل تنتخب!! إذا بيدفعولك حق تيكت الطيارة بتنزل بتنتخب؟».
تصل إلى بعض الطلاب رسالة ثالثة من شخص معروف بمركزه الحزبي، وهي أشبه ببيان سياسي، ينهيها بإعلان أنّ مؤسسته الحزبية «في خدمة رفاقنا المواطنين من أجل التصويت بنعم لحماية خياراتنا السياسية وكياننا اللبناني ورسم ملامح المرحلة القادمة»!
هكذا أصبح الطالب الجامعي اللبناني المغترب في فرنسا هدفاً للأحزاب اللبنانية التي تسعى لجذبه عبر هدية بطاقة السفر للتصويت لمصلحتها في الانتخابات النيابية المقبلة. ويتولى الدعاية الانتخابية مقربون من الأحزاب الرئيسية لدى كلّ من المعارضة والموالاة على السواء. فيتولى أحد الشبان المقربين من تيار المستقبل الدعاية لمصلحة قوى 14 آذار في إحدى المدن الجامعية شرق فرنسا. يسأل المقربين عن معارفهم في كل قضاء انتخابي، ويطلب منهم نشر الرسالة معلناً تأمين التمويل الكامل من جهات في التيار لرحلة العودة إلى لبنان مقابل التصويت لمصلحة اللائحة الزرقاء أو المدعومة منها. في المقابل يهتم مندوب أحد أحزاب المعارضة بجمع الأصوات وإعداد اللوائح والأرقام في منطقته، أما التمويل، فهو من جمعية دينية قريبة من حزب نافذ في لبنان تعمل في باريس.
وسائل عمل الشخصين المختلفين سياسياً متشابهة جداً، إذ يُطلب من الطلاب المهتمين إرسال أسمائهم الثلاثية، رقم السجل، القضاء الانتخابي، وترك رقم الهاتف الخاص للاتصال إذا كان «ممكناً» تمويل رحلة العودة إلى صندوق الاقتراع.
أما الناخبون، المعروضون دون معرفتهم بمزاد الأحزاب المتنافسة في الديموقراطية اللبنانية، فتتباين ردات فعلهم على ما يجري. فبينما يكتفي حسن العشريني بشتم الحالة لأنّه «مش مطلوب الصوت الجنوبي، قال محسومة عنا»، تتأفف ريتا، الطالبة في العلوم السياسية من الحديث، وتؤكد قرارها بالامتناع عن التصويت في الصيف، «لن أشارك في هذه الفضيحة العلنية». من جهته، يسخر مارك من كون «الصوت المسيحي غالي هالفترة»، في إشارة إلى اهتمام المندوبين الحزبيين باستمالة المسيحيين لحساسية معركتهم الانتخابية وتأثير نتائجها على المعادلة السياسية. ويشير مارك إلى أنّه سيستفيد من العرض المقدم، ولو أنّه لا يهتم بالسياسة، «نزلة علبنان ببلاش، وصوت لا بيقدم ولا بيأخر»، يقول.
إذاً التنافس شديد على كسب الأصوات وإغراء الطلاب، وخصوصاً عبر استغلال حاجتهم الماسة وشوقهم الوطني البريء. هذه هي الحالة في أوساط الطلاب اللبنانيين في فرنسا قبل بضعة أشهر من الانتخابات اللبنانية، في ظل غياب الرقابة وصلاحية السفارة اللبنانية، وتعثر القانون اللازم للحد من المال السياسي في الانتخابات. ويبدو الشاب اللبناني الحلقة الأضعف في الغربة، عرضة للابتزاز وللرشوة من جهتين تدّعي كل واحدة احترام المواطن، وتمارس خلف الكواليس عملية تحقير قيمته ودوره.

5.2.09

حنظلة يُعرّف بنفسه


عزيزي القارئ اسمح لي ان اقدم لك نفسي .. انا وأعوذ بالله من كلمة أنا ..
اسمي : حنظلة ،
اسم أبي مش ضروري ،
امي .. اسمها نكبة
وأختي الصغيرة فاطمة ..
نمرة رجلي :ما بعرف لاني دايماًً حافي ..
تاريخ الولادة : ولدت في (5 حزيران 67)
جنسيتي: انا مش فلسطيني مش أردني مش كويتي مش لبناني مش مصري مش حدا .. الخ ،باختصار معيش هوية ولا ناوي اتجنس .. محسوبك انسان عربي وبس ..

التقيت بالصدفة بالرسام ناجي .... كاره فنه لانه مش عارف يرسم .. وشرحلي السبب .. وكيف كل ما رسم عن بلد .. السفارة بتحتج ..الارشاد والانباء ( الرقابة) بتنذر ..
قلي الناس كلها اوادم .. صاروا ملايكة .. وآل ما في أحسن من هيك .. وبهالحالة .. بدي ارسم بدي اعيش .. وناوي يشوف شغلة غير هالشغلة ..
قلتله انت شخص جبان وبتهرب من المعركة .. وقسيت عليه بالكلام ، وبعدما طيبت خاطرو .. وعرفتو على نفسي واني انسان عربي واعي بعرف كل اللغات وبحكي كل اللهجات معاشر كل الناس المليح والعاطل والادمي والازعر .. كل الانواع .. اللي بيشتغلوا مزبوط واللي هيك وهيك .. وقلتله اني مستعد ارسم عنه الكاريكاتير . كل يوم وفهمته اني ما بخاف من حدا غير من الله واللي بدوا يزعل يروح يبلط البحر .. وقلتلو عن اللي بيفكروا بالكنديشن والسيارة وشو يطبخوا اكتر من مابفكروا بفلسطين ..

وياعزيزي القارئ .. انا اسف لاني طولت عليك .. وما تظن اني قلتلك هالشي عشان اعبي هالمساحة .. واني بالاصالة عن نفسي وبالنيابة عن صديقي الرسام اشكرك على طول .. وبس ..


التوقيع (حنظلة)

30.9% من اللبنانيين فقراء و3% فاحشو الثراء


نصف الأسر المقيمة في لبنان (49.1%) محرومة بحسب ميدان الوضع الاقتصادي للأسرة. ويتبين في محافظة بيروت أن نسبة الأسر ذات درجة الإشباع المنخفض جداً في تصل إلى 15.9%. أما نسبة الأسر ذات الإشباع المرتفع جداً فهي 17.3% . أما في جبل لبنان فتصل نسبة الإشباع المنخفض جداً إلى 18.5%. و10.2% مرتفع جداً. وفي الشمال 38.3% منخفض جداً. و2.9% مرتفع جداً. وفي البقاع 29.3% منخفض جداً. و5.3% مرتفع جداً. وفي الجنوب 37.8% منخفض جداً. و2.2% مرتفع جداً. وفي النبطية 39.2% منخفض جداً. و2.4% مرتفع جداً. المزيد

4.2.09

عن الحرية

"الكتابة عمل انقلابي" هي مجموعة مقالات نشرت في مجلة "الاسبوع العربي" خلال اعوام 1973,1974,1975 . ننشرها في هذه المدونة لما فيها من افكار قيمة تستحق الاطلاع.


نزار قباني
١٩٧٣

أتصور، أنه لا بد من أن نتفق على تعريف مبدئي لمعنى الحرية، حتى لا تتداخل حدود الأشياء ، وتضطرب الرؤية، ويختلط اللون الأبيض باللون الأسود .
وأول ما أتصوره، هو أن الحرية هي حركة فردية داخل دائرة الجماعة. وهذه الجماعة يمكن أن تكون أسرة، أو قبيلة، أو جمعية، أو مدرسة، أو وطناً. ومعنى هذا أن الحرية هي خط هندسي ضمن دائرة ، وليست أبداً حركة في الفرا غ أو في المطلق .
وكما أن البحر محدود بالشواطئ ، والريح محدود بالجبال، والأنهار محدودة بضفافها، والطائرات محدودة بمدارج الصعود والهبوط .. والعصافير محدودة بمساحة أجنحتها، فإن الإنسان هو الآخر محدود بمسؤوليته .
واستعمال الحرية، كاستعمال المستحضرات والعقاقير الطبية، لا يمكن أن يكون بغير مقاييس ومعايير وضوابط. وإلا كانت الحرية قاتلة .
وللحرية دائماً جانبان متعادلان. جانب يختص بنا، وجانب يختص بالآخرين. وكل محاولة منا لنسيان الجانب الآخر، يفقد الحرية معناها الأساسي، ويجعلها طغياناً .
لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً بغير شك .. ولكنهن لم يلدننا في الغابة، وإنما ولدننا في إطار بيت، وأسرة، ونظام اجتماعي نشترك في تأسيسه مع الآخرين .
إن بريطانيا مثلاً، بلد حر، ولكن الفرد البريطاني، أثناء مزاولته لحريته، يبقى ملتزماً باحترام حرية الآخرين، ولا يقفز فوقها. وبمعنى آخر أن المواطن البريطاني ليس سوى نغمة في السمفونية الانكليزية .
وقد عرفت الأنظمة الاشتراكية، كيف تصقل حرية الفرد، وكيف تمنع تجاوزاته، وكيف تسيطر على غريزة الطمع المركبة فيه .. بحيث تأتي حرية المجموع أولاً، وحرية الفرد ثانياً .
أما في الأنظمة الليبرالية، فإن الفرد يتصرف كوحش لا يتورع عن أكل كل ما يصادفه من أرض ومصانع وبر .. وهو يعتقد أن الحرية التي يتيحها له النظام الليبرالي، تمنحه الحق في أن يمد ساقيه على رقبة البشرية، ويسحق برأسماله الخرافي واحتكاراته عظام المعذبين في الأرض ... إن الحرية بحر لا ساحل له .. يركبه الرواد والمكتشفون، ويركبه القراصنة وسمك القرش .. ونحن بالطبع نرفض الحرية التي ينادي بها سمك القرش .. لأنها تقوم أساساً على الجريمة، والنشل ، والمتاجرة بلحوم الآخرين ..
إن التاجر الذي خبأ في حرب تشرين أكياس السكر والرز والطحين، وباعها بضعف أسعارها هو سمكة قرش ..
وصاحب مستودع الأدوية الذي ضاعف أسعار القطن، والشاش، والمصل التي احتاج إليها الجرحى خلال حرب تشرين، هو سمكة قرش ..
وأصحاب مستودعات الخشب، والحديد، والورق، الذين جمعوا خلال الشهور الأخيرة ثروات خرافية لم يجمعها روكفلر، ولا أوناسيس، ولا آغاخان، ولا أي مهراجا هندي .. هم أسماك قرش لا زالت تتنزه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط .. هذه أتفه أنواع الحريات وأحقرها .
إن الحرية عندنا، تفترض أنه لا يوجد على ظهر الأرض سوانا ...
فنحن نقود سياراتنا على أساس أن البشر لم يخلقوا بعد .. وأن مصانع السيارات لم تُنتج سوى سيارة واحدة هي التي نركبها نحن ..
والحرية عندنا، معناها أن نجعل العالم كله أملاكاً خصوصية لنا، وأن نشتري جميع تذاكر السينما ونمدد أرجلنا على جميع المقاعد .. ونشتري كل الأدوية الموجودة في الصيدليات .. وكل الخبز الموجود في الأفران .. وكل السمك الموجود في البحر .. وكل النساء الجميلات في العالم، ونعلقهن كالفراشات المحنطة، على جدران أنانيتنا ...
إن الحرية هي محصول حضاري لا يعرفه إلا المتحضرون .

فالثعبان لا يعطى الحرية لأنه لا يحسن التصرف بها ..
والذئب لا يمكن أن يدعي الحرية لأن تكوينه الأساسي تكوين عدواني .
والقرصان لا يمكن أن يتكلم عن الحرية، لأن غايته الأساسية هي أن يغتال البحر والمسافرين ...
والرجل الذي يذبح شقيقته، أو زوجته ، أو ابنته، بتفويض من مجتمع الثأر والعقد الجنسية لا يمكنه أن يصرخ أمام المحكمة: " أنا حر ". لأن الحرية لا تعطينا تفويضاً بالقتل .
وكذلك الكاتب، والشاعر، والروائي، والصحافي، لا يمكنهم أن يقامروا بالكلمة، ويبيعوها جارية في سوق النخاسة، بدعوى أنهم أحرار. لأن الكتابة ميثاق شرف ثلاثي بين الكاتب، وبين ضميره، وبين من يقرأونه. وكل خيانة لهذا الميثاق تسقط شرف الكاتب والكتابة معاً ..

إننا مع الحرية بدون تردد .. ومع الأحرار إلى آخر الشوط .. شريطة أن يكون لهذه الحرية ضابط أخلاقي، وعقلاني، وثقافي، وقومي، يجعلها في خدمة الإنسان، وفي خدمة المثل العليا .. إنه لا يكفي أبداً أن نكون أحراراً .. وإنما لا بد لنا من أن نستحق حريتنا ..


هكذا تُصنع الحضارة

ما زالت تصرّ، بلكنة فرنسية فاشية، على أن أول حضارةٍ كتبها الإنسان ولدت في أول قبّعة أوروبية. وأصرّ أنا على أن أوّل حضارةٍ هي تلك التي جبلها من الرمل طفلٌ عربي في ظل خيمةٍ سقطت من فم الله في يد نسيمٍ مسافرٍ بين بحر بيروت وجبل قاسيون وأبواب بغداد.. ثلاث قممٍ لدلتا التاريخ: كل ما ولد خارج هذا المثلث سراب.
خضر سلامة


اسمعي جيداً:
أول رسالة حب أظن كتبها شاعرٌ هاربٌ من رماح القبيلة في صحراء نعرف كيف نحيلها جنةً من نخيلٍ ومن كتابة حين تستيقظ رائحة اللون الأخضر في عروقنا كل صباح كما في أعلامنا. كتب إلى ليلى يخبرها أن العشق والموت سيّان في دفتر شفتيها. كلاهما لا توبة عنه، وأن الموت الساطع في عينيها الخائفتين من سوط أبيها يشبه الحبّ القادم من سيفٍ يمزق كبد فارس لا يخاف إلا من الوحدة. أول رسالة حبٍ لا بدّ كتبت بالعربية الفصحى، كفاتحةٍ لأي عملٍ قادم، كمقدمة لقصيدة تركها ميكوفسكي قبل موته، أو كشرحٍ مفصّلٍ لعمل من أعمال ريمبو، لا بدّ أنّ المؤرّخين اعتمدوها دليلاً حضارياً قاطعاً على أن بغداد أجمل امرأة، ولو اغتصبها هولاكو، وأن دجلة الخير سرير آمن لعاشقين يصنعان في الليل بياناً ثورياً غاضباً ضد أي ديكتاتورٍ يصادر الحبر والحب، وأن القصص الموزعة على حيطان الشوارع سلاح الأعزل في زمن الحرب.


وحين سرق بروميثيوس شعلة الحياة، أعتقد، استعار الآلهة من ريزون عاصمته وعقدوا في دمشق مؤتمرهم العاجل. على ضفاف بردى اخترعوا الأنثى الأولى، رسموها من كحلٍ عربيٍ فيه سر الليل، واختاروا ضفائر شعرها من ديوانٍ للمتنبي، ثم وضعوا في شفتيها خمرةً من عباءة أبي نواس.. أول أنثى لم تكن من ضلع آدم، بل كانت من ضلع ياسمينة صابرة متبسمة في أرض الدار، في أصابعها حكمة قوسٍ يعرف كيف يفتك بالقلب. عند أقدام قاسيون خرجت من رحم الأحزان أمّ لنا، وزّعت أبناءها في الحارات وعلّمتهم حياكة الأمجاد وفن الخنجر والبارود وعلوم القصائد، وسمّيناها وفاءً للتراب الذي يبدع في امتطاء الأرض: دمشق.

وفي بيروت، عقد شيخ طاعن في السن وفي الحكايات قران النخلة الأولى، والحب الأول والأنثى الأولى، على أول موجة صفعت وجه اليابسة لتقنعها بأن تثمر حرفاً، أو تثمر قنديلاً من العوسج. في بيروت يجمع الغرباء براعم الولادة في سلالٍ من مواعيد الرحيل المستمر إلى الربيع، ربيع بيروت والحرية، وتخيط الفراشات المقاهي والمرابع والساحات والجوامع والكنائس ثوب عرسٍ لموسم تزاوج الحضارات الذي يحضر كلما غنّت الشوارع أغنية كتبها في بيروت لبيروت، فدائيٌ من زمنٍ جميل، أو مناضلٌ يحتمي بفوضى الحروب المكررة.

بين بغداد ودمشق وبيروت، «أكزدر» يا عزيزتي. هويتي تتمدد كفتاةٍ سمراء بين المدن الثلاث، تبسط حسنها بساطاً لأرض واحدة، وتاريخ واحد، وسيوف وكتب واحدة. أسمعتِ بذاكرة الأماكن؟ برائحة الأماكن؟ بغضب الأماكن وحزنها وفرحها؟ بترابط مصيرها واتصال العناوين في خرائطها بمصير مشترك؟ يا عزيزتي، لولا مدني، لكانت الحضارة الإنسانية شبه خاوية إلا من عظام المادة. ولولا مدني الأطفال، لبقي الإنسان متعباً محروماً من مقاعد الدراسة، من ورود الحب الحمراء، ومن قصص الأبطال.

من هذه الهضاب والبراري والبوادي والصحارى الضاحكة، من الأبجدية الموغلة في النثر من ألفها الأخضر إلى يائها اليعربي، ترضع الحضارة.