10.2.09

المسألة الاجتماعية أو رأسمال اليسار المهدور



اليسار يقطع رحلة التيه في الأفق المجهول
د. عبد الاله بلقزيز

ما كان من رأسمال لليسار العربي أرفع قيمة وأجزل عطاء على الصعيد المعنوي من المسألة الاجتماعية.
بها عن غيره تميّز وتفرّد، ولها صرف الشّطر الأعظم من زمنه النضالي والتضحيات،حتى أنه ما عرّف - حين عرّف - إلا بها، وما أتى أحد على ذكرها إلا مقترنة باسمه. حال اليسار في هذا الاقتران الماهويّ بالمسألة الاجتماعية حال التيار الليبرالي مع مسألتي الحرية والديمقراطية، وحال التيار القومي مع مسألة الوحدة العربية، ثم حال التيار الإسلامي مع مسألة الهوية والأصالة. الفارق الوحيد اليوم أن الليبراليين ما تخلّوا عن المسألة الديمقراطية (وإن كان بعضهم لا يضيره أن تأتي صناديق الاقتراع محمولة في ركاب دبابات الاحتلال!)، وأن القوميين ما تخلّوا عن مسألة الوحدة (وإن كان لا يضير بعضهم أن تحمل بشائرها على أسنّة رماح الإسلاميين)، أما اليسار (الاشتراكي والشيوعي)، فتخلّى المعظم الأغلب من أحزابه وتنظيماته عن المسألة الاجتماعية التي لم يعد يؤتى على ذكرها في برامجه السياسية وأدبياته الحركية وخطابه الإعلاميّ، وإن حصل ذلك، فلرفع العتب... وفي النادر ما حصل والنادر لا حكم له.

لا بدَّ - هنا - من بعض الأمانة في التعيين وفي الحكم على كلّ فريق في اليسار حتى لا تضيع الموضوعية في شعاب الأحكام العامة. ثمة من تراجع لديه الاهتمام بالمسألة الاجتماعية ظنّا» منه بأن أمّ المسائل اليوم هي المسألة الديمقراطية. إذ لمّا كان تحقيق العدالة الاجتماعية - أو الاشتراكية - لم يعد يمرّ من طريق التغيير الثوري، على نحو ما كان اعتقاده قبل عقدين، وإنما من طريق التغيير الديمقراطي، فقد وطن في الأذهان أن جبهة المعركة انتقلت من ميدان الحقوق الاجتماعية للكادحين الى الحقوق السياسية للمواطنين. وثمة من طوى صفحة المسألة نهائياً»، ومعها أصحابها أيضاً (الطبقات الكادحة)، منصرفاً إلى مديح الليبرالية الاقتصادية وقيم المنافسة والملكية الخاصة، حتى من دون أن يبرّر لنفسه - قبل غيره - لماذا انتقل هذه الانتقالة الدراماتكية من عقيدة في السياسة إلى أخرى تناقضها. وثمة فريق ثالث تفرّغ لماضيه اليساري - ولمن بقي من الناس متمسكاً ببعض مواقفه - بالقدح والتقريع والجلد، ممارساً طقوس الاعتذار عنه أمام من كان لا يليق به - في ما مضى - حسبانهم في جملة مخاطبيه.

إن المرء ليحار فعلا» في فهم الأسباب الحاملة هذا اليسار العربي على الانصراف عن المسألة الاجتماعية، كلاًّ أو معظماً، والانصراف إلى غيرها من مسائل ليس له فيها سابقة عطاء وتقدمة: في الفكر وفي الممارسة على السواء. ولست أحسب من الوجاهة في التعليل ردّ الأمر إلى ما أصاب المشروع «الاشتراكي» العالمي من نكسة فادحة بانهيار ركيزته الكيانية والسياسية من نظام سوفياتي ومن ردائف له في شرق أوروبا، إذ الذي أصاب دولة/دولاً ومشروعاً سياسياً وأنهى عهدها، ما أنهى مشروعية مطلب وهدف العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وإنصاف الكادحين في حقوقهم الاجتماعية والحدّ من التفاوت الطبقي الفاحش في المجتمع، حتى لا نقول إنه رفع من معدّل الحاجة إلى التشديد على المطلب هذا بعد أن استعادت الرأسمالية مناطق من العالم فقدت سلطانها عليها منذ ثورة 1917 إلى الثورة المضادة لـ«البريسترويكا» قبل عقدين، ثم بعد أن تغوَّلت الرأسمالية أكثر فأكثر في طورها العولميّ الراهن وباتت أشدّ وحشيّة وأقلّ إنسانية وأخلاقية من ذي قبل. ففي النفس بعض اليقين (قل حتّى بعض الظّنّ) بأن الأهداف والقيم الكبرى لا تمّحي من الوجود لمجرّد أنه لا يوجد نظام سياسي يحميها أو يحدب عليها أو يتعهّدها بالرعاية: هذا على فرض أن المعسكر السوفياتي كان يفعل ذلك حيال هدف العدالة الاجتماعية، ولست شخصياً ممّن يذهبون هذا المذهب. الأفكار الكبرى لا تحملها النّظم السياسية الحاكمة، ولا هي تزول بزوال هذه، وإنما تحملها النخب الفكرية والنضالية والحركات الاجتماعية، وهي التي تكرّس بقاءها في التاريخ حتى وإن كان منالها في الواقع عسيراً. إن تفسير «نازلة» انصراف بقايا اليسار العربي عن مسألة العدالة الاجتماعية بردّه إلى زوال الاتحاد السوفياتي وانهيار «المشروع الاشتراكي» لا يملك أن يفسّر - مثلاً- لماذا فقد اللليبراليون العرب السلطة - التي كانت لهم جزئياً في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين الماضي - من دون أن يتراجعوا عن عقيدتهم الليبرالية وعن مطالبهم في الحرية والدستور والديمقراطية؟ ولماذا فقد القوميون العرب السلطة بعد رحيل جمال عبد الناصر، ثم بعد احتلال العراق، من دون أن يتراجعوا عن مبادئهم القومية والتحررية وعن دفاعهم العريق عن خيار الوحدة العربية؟ إن شيئاً ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن فكرة الاشتراكية لم تكن راسخة في وعي من حملوها، وإلا ما انهارت بهذه السرعة... وبهذه الصورة الدرامية! أخطأ اليسار العربي مرّتين وكان الخطأ في المرتين من نوع الأخطاء القاتلة التي لا تقبل التصويب إلا بالعودة عنها. أخطأ جيله الأول (الشيوعي) حين اتخذ موقفاً سلبياً ومخجلاً من المسألتين الوطنية والقومية،أي حين أيّد قرار تقسيم فلسطين تنفيذاً لتعليمات سوفياتية، وحين ناهض فكرة الاستقلال الوطني عن الاحتلال الأجنبي إلى حين «تتحرّر» البروليتاريا في الدول المستعمرة! (وذلك كان حال الأحزاب الشيوعية في بلدان المغرب العربي)، ثم حين ناهض فكرة الوحدة العربية وهاجم الداعين إليها ونَظّر لوجود أمم عربية (الحزب الشيوعي السوري)! وكان ثمن هذه الخطايا فادحاً، إذ نُظر إلى الشيوعيين كعملاء لموسكو وكأقلية مناهضة لقضايا الوطن والأمة ممّا انعكس على شعبيتهم وعلى دورهم في الحياة السياسية. وها هو الجيل الثاني (والثالث) من اليسار يرتكب الخطأ نفسه بتراجعه عن المسألة الاجتماعية وتحوّله إلى الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وهكذا من إسقاط حقوق الوطن إلى إسقاط حقوق الناس الاجتماعية يقطع اليسار رحلة التيه في الأفق المجهول، والأنكى من ذلك أنه ما زال يحسب نفسه يساراً!

انتخابات


8.2.09

معرض صور عن الحركة الطلابية في لبنان

لرفاقنا الشباب في الوطن الكبير , لا تتعصبوا ,لا تنساقوا ,انتم قوة التغيير في المجتمع , تعصبوا للقضية الحقة ,للخير ,لمجتمع افضل . وكونوا الامل للاجيال التي سبقتنا والجسر للاجيال التي ستلحقنا..

ورقة من غرة - قصة ناديا

غسَّان كنفاني

في عام ١٩٥٦ كتب الشهيد غسَّان كنفاني قصته الرائعة "ثلاث أوراق من فلسطين". كانت جراح النكبة ما تزال تزرعُ في الأرض العربية المرارة والحزن، وتزرعُ إلى جانب ذلك بذور الثورة والتمرد على الفاجعة. وهذا مقطع من تلك الأوراق يصور فيه الكاتب في قالب رسالة بداية الشعور بالمسؤولية التاريخيَّة، بداية المقاومة العربيَّة التي حملت السلاح لتنقذَ الأرضَ والأطفالَ، وتختم قصة أبشع جريمة ارتُكِبتْ بحق الأرض والأطفال في تاريخ الإنسان.


عزيزي مصطفى:
تسَلَّمتُ رسالتَكَ الآن، وفيها تُخبرُني أنَّكَ أتْمَمْتَ لي كُلَّ ما أحتاجُ إليهِ لِيدعمَ إقامتي معك في جامعةِ "كاليفورنيا". لا بُدَّ لي يا صديقي من شكرِكَ. لكنْ، سيبدو لكَ غريباً بعضَ الشيءِ أنْ أحْمِلَ إليكَ هذا النبأ. وثقْ يا مصطفى أنني لا أشعرُ بالتردُّدِ أبداً، بل أكادُ أجزِمُ أنني لم أرَ الأمورَ بهذا الوضوحِ أكثرَ مني الساعةَ. لا، يا صديقي.. لقد غيَّرتُ رأي، فأنا لن أتْبعكَ إلى حيثُ "الخُضرةُ والماءُ والوجهُ الحَسَنُ" كما كتبتَ، بل سأبقى هنا، ولن أبرحَ أبداً.

عندما أخذتُ إجازتي في حَزيرانَ، وجمعتُ كلَّ ما أملُكُ توقاً إلى الإنطلاقةِ الحلوةِ، إلى هذه الأشياء الصغيرةِ التي تُعطي معنىً لطيفاً مُلوَّناً، وجدْتُغَزَّةَكما تَعهدُها تماماً، بأزقَّتِها الضيقةِ، ذاتِ الرائحةِ الخاصة، وبيوتِها ذواتِ المشارفِ الناتئةِ. هذه غَزَّةُ. لكن، ما هذهِ الأمورُ الغامضةُ، غيرُ المحدّدةِ، التي تجذُبُ الإنسانَ لأهلهِ، لبيتهِ، لذكرياتهِ، كما تجذبُ النبعةُ قطيعاً ضالاًّ من العول؟ لا أعرفُ. كلٌُ الذي أعرفُ أنني ذهبتُ إلى أمي في دارِنا ذلكَ الصَّباحَ. وهناكَ قابلَتْني زوجةُ المرحوم ساعةَ وصولي، وطلبتْ إليَّ، وهي تبكي، أن ألبّيَ رغبة نادية، ابنتِها الجريحِ في مستشفى غَزَّةَ، فأزورها ذلكَ المساءَ. أنتَ تعرفُ ابنةَ أخي الجميلةَ، ذاتَ الأعوامِ الثلاثةَ عشرَ.


في ذلكَ المساءِ اشتريتُ رطلاً من التُفّاحِ، وَيَمَّمتُ شطْرَ المستشفى أزورُ نادية. كنتُ أعرفُ أنَّ في الأمرِ شيئاً أخْفتْهُ عني أمي وزوجةُ أخي، شيئاً لم تستطيعا أن تقولاه بألسنتِهما، شيئاً عجيباً لم أستطعْ أن أحدِّدَ أطرافه البتَّة. لقد اعتدتُ أن أحبَّ نادية. اعتدتُ أن أحبَّ كل ذلكَ الجيلِ الذي رضعَ الهزيمة والتشرُّدَ إلى حدٍّ حسبَ أنَّ الحياةَ السعيدةَ ضربٌ من الشذوذِ الاجتماعي.
ماذا حدثَ في ذلكَ الساعة؟ لا أدري.

لقد دخلتُ الغرفةَ البيضاء بهدوءٍ جمٌٍ. إنَّ الطفلَ المريضَ يكتسبُ شيئاً من القداسة، فكيفَ إذا كان الطفلُ مريضاً إثرَ جراحٍ قاسيةٍ مؤلمةٍ؟

كانت نادية مستلقيةً على فِراشِها، وظهرُها معتمدٌ على مسندٍ أبيضَ انتثَرَ عليه شعرُها كفروةٍ ثمينةٍ. كان في عينيها الواسعتينِ صمتٌ عميقٌ، ودمعةٌ هي أبداً في قاعِ بُؤبُئِها الأسودِ البعيدِ، وكان وجهُها هادئاً ساكناً، لكنَّهُ مُوحٍ كوجهِ نبيٍّ مُعَذَّب.

ما زالت نادية طفلةً.. لكنها تبدو أكثرَ من طفلةٍ، أكثرَ بكثيرٍ وأكبرَ من طفلةٍ، أكبرَ بكثيرٍ.
ـ ناديةً !
لا أدري، أأنا الذي قلتُها، أم إنسانٌ آخرُ خلفي؟ لكنها رفعت عينها نحوي، وشعرتُ بهما تُذيباني كقطعةٍ من السكر سقطتْ في كوبِ شايٍ ساخن. ومع بسمتها الخفيفة سمعتُ صوتَها:
ـ عمي وصلتَ من الكويت!
وتكسَّرَ صوتُها في حنجرتِها، ورفعتْ رأسَها متكئةً على كفيها، ومدَّتْ عُنقها نحوي، فربَّتُ على ظهرِها، وجلستُ قُربَها:
ـ ناديةً ! لقد أحضرتُ لكِ هدايا من الكويت، هدايا كثيرةً سأنتظركِ إلى حين تنهضينَ من فراشكِ سالمةً معافاةً، وتأتين داري فأسلِّمكِ إياها. ولقد اشتريتُ لكِ البنطالَ الأحمرَ الذي أرسلتِ تطلبينهُ مني. نَعمْ.. لقد اشتريتُهُ.

كانت كذبةً ولَّدَها الموقفُ المتوترُ. وشعرتُ وأنا ألفظُها كأنني أتكلَّمُ الحقيقةَ أولَ مرَّة. أمّا نادية فقد ارتعشتْ كمن مسَّهُ تيٌارٌ صاعقُ. وطأطأتْ رأسَها بهدوءٍ رهيبٍ، وأحسستُ دمعَها يُبلِّلُ ظاهرَ كفيّ:
قولي يا نادية.. ألا تُحبين البنطالَ الأحمرَ؟

ورفعتْ بصرَها نحوي، وهمَّتْ أنْ تتكلمَ. لكنَّها كفَّتْ، وشدَّتْ على أسنانها. وسمعتُ صوتَها مرةً أخرى من بعيد:
يا عمِّي!

ومدَّتْ كفَّها، فرفعتْ بأصابعها الغطاء الأبيضَ، وأشارت إلى ساقٍمبتورةٍ من أعلى الفخدِ..

يا صديقي!

لن أنسى ساقَ نادية المبتورةَ من أعلى الفَخِذِ. لا، ولن أنسى الحزنَ الذي جلَّلَ وجهَها، والدمعَ في تقاطيعه الحلوةِ إلى الأبدِ. لقد خرجتُ يومئذٍ من المستشفى إلى شوارعِ غَزَّةَ وأنا أشدُّ باحتقارٍ صارخٍ على "الجُنيهين" الّلذين أحضرتُهُما معي لأعطيَ نادية إياهما. كانت الشمسُ الساطعةُ تملأ الشوارعَ بلون الدَّمِ. كانت غَزَّةُ، يا مصطفى، جديدةٌ كلُّ الجدَّةِ. لم نرها هكذا قطٌّ أنا وأنت. غَزَّةُ هذه التي عشنا فيها، ومع رجالِها الطيبين، سبعَ سنوات في النكبة كانت شيئاً جديداً. كانت تلوحُ لي أنها بدايةٌ.. بدايةٌ فقط. لا أدري لماذا كنتُ أشعرُ أنها بدايةٌ فقط. كنتُ أتخيَّلُ الشارعَ الرئيسَ الذي أسيرُ فيهِ عائداً إلى داري لم يكن إلاّ بدايةً صغيرةً لشارعٍ طويلٍ يصلُ إلى صفَدَ. كلُّ شيء كان في غَزََّةَ هذهِ ينتفضُ حزناً على ساق نادية المبتورة، حُزناً لا يقفُ على حدودِ البُكاءِ. إنّهُ التحدِّي. بل أكثر من ذلك. إنّهُ شيءٌ يُشبهُ استردادَ الساقِ المبتورة!

لقد خرجتُ إلى شوارع غَزَّةَ. شوارعُ يملؤها ضوءُ الشمسِ الساطع. لقد قالوا لي: إن نادية فقدتْ ساقَها عندما ألقتْ بنفسِها فوقَ إخوتِها الصغار تحميهم من القنابلِ واللهبِ، وقد أنشبا أظفارهما في الدار. كانت ناديةُ تستطيعُ أن تنجو بنفسِها.. أن تهربَ.. أن تُنقذَ ساقَها. لكنها لم تفعل. لماذا؟
لا، يا صديقي، لن آتيَ إلى "كاليفورنيا"، وأنا لستُ آسفاً البتَّةَ. هذا الشعورُ الغامضُ الذي أحسستهُ وأنتَ تغادرُ غَزَّةَ.. هذا الشعورُ الصغيرُ يجبُ أن ينهضَ عملاقاً في أعماقكَ، يجبُ أن تبحثَ عنهُ كي تجدَ نفسكَ، هنا بين أنقاضِ الهزيمةِ.

لن آتيَ إليكَ.. بل عُدْ أنتَ إلينا. عُدْ لتتعلَّمَ من ساقِ نادية المبتورةِ ما الحياةُ؟ وما قيمةُ الوجود؟
عُدْ يا صديقي. . فكلنا ننتظركَ.

7.2.09

شكراً ...لكم

رفيق نصرالله
شكراً... للمقهى لأنه لا يزال يتحمل ثرثراتنا المبعثرة، ولم يعلن إفلاسه بعد...
مع ان نصف زبائنه من المفلسين... شكراً للكراسي... التي لا تزال قادرة على الصمود تحت أقفيتنا المترهلة، وشكراً لهذا الذي يرمي زماننا بفنجان الإكسبرس، ويسمع هلوساتنا دون ان يتدخل ويقلب الطاولة علينا وعلى رؤوسنا ورؤوس الذين خلفونا...
شكراً لهذا الزمن الذي لا يزال يمنح وجوهنا فرصة قبل ان يتجمع الأصدقاء والأقارب ليقدموا فينا العزاء، ويقيموا لنا ذكرى اسبوع، ويقدموا عن أرواحنا أردأ أنواع اللحم بعجين واللبن المغشوش...
شكراً للمدينة التي لا تزال قادرة وبإمكانها ان تصبر علينا ونحن الذين تفوح منا رائحة القرى...
شكراً لليل الذي يصبر على شتائمنا بعد ان صارت احلامنا برسم التقنين...
شكراً لبائع الصحف الذي يحمل العناوين ويبيعها رغم انه يعرف بأن الصفحات وإن صارت بالألوان... هي مجرد كلام يتداوله بعض الذين امتهنوا صياغة المراحل...
شكراً لهذه المحطات التي تسلي مساءاتنا وتعيد خلط قناعاتنا وتعمم علينا ثقافة السيليكون وتفاهة الزمن الموجع... ونتبادل وسياسيينا بلاهة التحليل... شكراً لشاشاتنا التي تشغل نساءنا عنا قليلاً حتى لا ننجب الكثير من الأولاد لهذا الوطن المؤجل...
شكراً لمطربينا ومطرباتنا وفنانينا وفناناتنا الذين صاروا أكثر عدداً حتى من شهدائنا وجنودنا وأجدادنا وأقاربنا... ويزاحمونا في شفط أوكسيجين المرحلة... ويتقنون فن الإرهاب الصوتي الذي يخرق مسامعنا.. وها هم يعممون صورهم الجميلة على مراهقينا الذين أتعبتهم العادة السرية...

شكراً لتيري رود لارسون على ما بذل من جهود وما سيبذل وكم سيرسم في رئتينا من خطوط زرق وحمر وخضر وصفر...
شكراً للنظام الدولي الجديد ، للشرق الأوسط الواسع والموسع، بكل ما سيضم من عرقيات ودويلات وبلديات ومحميات... وأمراء وكلاب حراسة.
شكراً للجامعة العربية وكل متنوعاتها وبنات خالاتها وعماتها على كل ما فعلت لنا...
وعلى جواز السفر العربي المشترك، وعلى نجاحها في ان يتنقل الإنسان العربي بالبطاقة والهوية من المحيط الى الخليج بين الماء والماء...
شكراً للبحر الذي سيستقيل من كل نفاياتنا ومجاريرنا وأنهارنا...
شكراً... لصديقي الذي اعتزل صداقتي لأنه ملّ من وجعي وقهري وهاجر الى البرازيل فصادق هناك تمساحاً بلا أسنان... يتقاسم معه الغابة قبل ان يصل موفد الأمم المتحدة ليتفحصه ما إذا كان لا يزال فحلاً ام نضب خيره...
شكراً لرفيقي الوطني الذي عاداني... لأنه بدّل فجأة ثيابه وربطة العنق...
صديقي صار وطنياً ، ولكن ليس رفيقي ... فقد عالج نفسه وتحسن وضعه لأنهم حقنوه بكورتيزون المرحلة... فتحول الى رجل واقعي فاستدعاني وشتمني وشتم كل نضالاتنا (الخشبية)... ونشر عرض كل شعاراتنا وكاد ان يشتم كل شهدائنا... ولعن أخت الساعة التي كان فيها مناضلاً...
صديقي الوطني السابق عندما ودعني... بكى... ثم ضحك... وقال: ... بشرفك لا تشتمني كثيراً...
انا مضطر لأن أعود الى طائفتي...
عذراً... هكذا نحن في العائلة... بعد الخمسين ننحرف...
نتحول... نتبدل... نلبس ثيابنا (دوبل فاس)...
وطني طائفتي يا صاحبي...
فأرجوك دع كل واحد منا يصلي كما يشاء...
فلكل منا ربه... وزعيمه وصحيفته وحتى المطعم الذي يقصد...
صلي يا صديقي وسأصلي...
وأدعو الله لك ولي... ان يلهمنا وطناً... هو اكبر منا جميعاً...
أن يلهمنا الصبر على ما نرى ونسمع من كل هذه (الأرطه)...
وكل هذا الزمن الذي أجمل ما فيه... أنه زمن بشع...
لا نملك فيه حتى الخجل الوطني!...

6.2.09

1% من خدمة الدين كافية لإنقاذ 320 ألف فقير!

48 مليون دولار سنوياً تكفي لإنقاذ 8 في المئة من اللبنانيّين يعيشون في فقر مدقع! الطرح حقيقي، وهذه التقديرات وردت في تقرير رسمي صدر أول من أمس عن الفقر، واللافت هو أنّ هذا المبلغ «الضئيل» لا يمثّل إلّا 1.1 في المئة فقط من كلفة خدمة الدين العام التي يحتويها مشروع موازنة عام 2009! المزيد

صوتك مقابل تذكرة طائرة


قبل أربعة أشهر على الانتخابات النيابية المقررة في السابع من حزيران المقبل، يتناتش مندوبو الأحزاب اللبنانية في فرنسا، في المعارضة والموالاة على السواء، الطلاب المغتربين، ويحاولون عبر إغراءات بـ«تذكرة سفر مجانية» إلى لبنان كسب أصواتهم في صندوق الاقتراع في يوم الحسم
فرنسا ــ خضر سلامة
«من أجل حقك بالتصويت، نعرض على مواطنينا الكرام المغتربين في فرنسا تسهيل عودتهم إلى لبنان في فترة انتخابات الصيف المقبل. نرجو من المهتمين مراسلة مندوبنا في منطقتهم». ينتهي البريد الإلكتروني الآتي لتوّه من شخص معين، إلى المجموعة البريدية للطلاب اللبنانيين في إحدى المدن الفرنسية. صيغ العرض بطريقة بريئة ليبعد صورة الرشوة الوقحة عن الرسالة. رسالة أخرى من «مسؤول» حزبي من منطقة أخرى، كتبت بطريقة ساخرة: «ناوي تنتخب؟ عم تفكّر بالموضوع؟ بس عمرا ما تكون إذا بدك تدفع حق التيكت لتنزل تنتخب!! إذا بيدفعولك حق تيكت الطيارة بتنزل بتنتخب؟».
تصل إلى بعض الطلاب رسالة ثالثة من شخص معروف بمركزه الحزبي، وهي أشبه ببيان سياسي، ينهيها بإعلان أنّ مؤسسته الحزبية «في خدمة رفاقنا المواطنين من أجل التصويت بنعم لحماية خياراتنا السياسية وكياننا اللبناني ورسم ملامح المرحلة القادمة»!
هكذا أصبح الطالب الجامعي اللبناني المغترب في فرنسا هدفاً للأحزاب اللبنانية التي تسعى لجذبه عبر هدية بطاقة السفر للتصويت لمصلحتها في الانتخابات النيابية المقبلة. ويتولى الدعاية الانتخابية مقربون من الأحزاب الرئيسية لدى كلّ من المعارضة والموالاة على السواء. فيتولى أحد الشبان المقربين من تيار المستقبل الدعاية لمصلحة قوى 14 آذار في إحدى المدن الجامعية شرق فرنسا. يسأل المقربين عن معارفهم في كل قضاء انتخابي، ويطلب منهم نشر الرسالة معلناً تأمين التمويل الكامل من جهات في التيار لرحلة العودة إلى لبنان مقابل التصويت لمصلحة اللائحة الزرقاء أو المدعومة منها. في المقابل يهتم مندوب أحد أحزاب المعارضة بجمع الأصوات وإعداد اللوائح والأرقام في منطقته، أما التمويل، فهو من جمعية دينية قريبة من حزب نافذ في لبنان تعمل في باريس.
وسائل عمل الشخصين المختلفين سياسياً متشابهة جداً، إذ يُطلب من الطلاب المهتمين إرسال أسمائهم الثلاثية، رقم السجل، القضاء الانتخابي، وترك رقم الهاتف الخاص للاتصال إذا كان «ممكناً» تمويل رحلة العودة إلى صندوق الاقتراع.
أما الناخبون، المعروضون دون معرفتهم بمزاد الأحزاب المتنافسة في الديموقراطية اللبنانية، فتتباين ردات فعلهم على ما يجري. فبينما يكتفي حسن العشريني بشتم الحالة لأنّه «مش مطلوب الصوت الجنوبي، قال محسومة عنا»، تتأفف ريتا، الطالبة في العلوم السياسية من الحديث، وتؤكد قرارها بالامتناع عن التصويت في الصيف، «لن أشارك في هذه الفضيحة العلنية». من جهته، يسخر مارك من كون «الصوت المسيحي غالي هالفترة»، في إشارة إلى اهتمام المندوبين الحزبيين باستمالة المسيحيين لحساسية معركتهم الانتخابية وتأثير نتائجها على المعادلة السياسية. ويشير مارك إلى أنّه سيستفيد من العرض المقدم، ولو أنّه لا يهتم بالسياسة، «نزلة علبنان ببلاش، وصوت لا بيقدم ولا بيأخر»، يقول.
إذاً التنافس شديد على كسب الأصوات وإغراء الطلاب، وخصوصاً عبر استغلال حاجتهم الماسة وشوقهم الوطني البريء. هذه هي الحالة في أوساط الطلاب اللبنانيين في فرنسا قبل بضعة أشهر من الانتخابات اللبنانية، في ظل غياب الرقابة وصلاحية السفارة اللبنانية، وتعثر القانون اللازم للحد من المال السياسي في الانتخابات. ويبدو الشاب اللبناني الحلقة الأضعف في الغربة، عرضة للابتزاز وللرشوة من جهتين تدّعي كل واحدة احترام المواطن، وتمارس خلف الكواليس عملية تحقير قيمته ودوره.